www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
14.11.2003 - 01:39

العلاقات الكوردية العربية بعد سقوط النظام العراقي

زيور العمر

بعد كل التجارب المريرة و المؤلمة التي مر بها الشعب الكوردي مع الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم في العراق لا يزال الكورد يتطلعون بشغف الى ذلك اليوم الذي يشهد فيه تغيرا حقيقيا في أراء و مواقف النخب العربية حول المسألة الكوردية بعيدا عن نزعات التشكيك و التخوين .
فلا بد أولا من الإعتراف أننا حقا إزاء نظرتين مختلفتين لتاريخ العلاقات الكوردية العربية التي شهدت في العقود المنصرمة الكثير من المآسي و الويلات, راح ضحيتها الألاف من الأبرياء , حيث نال الكورد منها نصيب الأسد , حتى اصبح عسيرا مع مرور الزمن رؤية عائلة كوردية لم تفقد عزيزا عليها . و مع هذا يتطلع الكورد دائما  الى المستقبل يحدوهم الأمل في رؤية إشراقة الحرية في أخر النفق , فكانت الفرصة التي طالما انتظروها بفارغ الصبر  حيث شكل سقوط نظام صدام حسين  في التاسع من أبريل المنصرم , فرصة تاريخية لتصحيح العلاقات الكوردية العربية بالشكل الذي يحقق مصالح الشعبين في العيش المشترك على أرض العراق. فمصالح الشعبين- رغم كل المآسي- تستوعب الإختلاف في وجهات النظر و النقاش البناء للوصول الى حالة من التسامح و التفاهم المشترك التي تقوم على فكرة قبول الطرف الأخر بكل خصوصياته التاريخية و الثقافية المميزة له .
و هذا المقال بمثابة طرح وجهة نظر كوردية  إزاء أهم القضايا الخلافية بين الأوساط العربية و الكوردية  حول المسألة الكوردية في العراق بعد أن نشرت جريدة القدس العربي مقالا للكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر في العدد 4492 الأربعاء 29 تشرين الأول 2003 . ذلك المقال الذي أعتبر بمثابة ما يمكن تسميته مشروعا لحل المسألة الكوردية في العراق من وجهة نظر عربية و يتلخص في ″ الحل الدستوري الديمقراطي العلماني في إطار دولة واحدة ذات نظام برلماني دستوري.. . ″ حيث دعا الكاتب العرب و الكورد الى تجاوز الماضي المرير و التطلع الى المستقبل بغية صوغ تصور واقعي و مستقبلي للعيش المشترك فوق أرض واحدة و أعتبر أن الإنهماك في تعيين التخوم القومية هو تأسيس لمنازعات مقبلة و إقترح الكاتب لتجنب هذه المنازعات الدخول في نقاش نقدي و علني لإزالة هذه الحدود من الذاكرة و الوعي لبناء جسور قوية للصداقة و التدامج الإنساني .

فما طرحه السيد أبو فخر في بداية مقاله لم يأت بجديد  إزاء مجمل النقاشات التي تتناول الشأن العراقي و مستقبل نظامه السياسي في ظل التعهدات التي قدمتها  القوى السياسية العراقية منذ البداية - أي قبل سقوط النظام و بعده – على أن  عراق ما بعد صدام لن يكون إلا ديمقراطيا و تعدديا و فيدراليا لضمان مصالح و حقوق جميع ابناء الشعب العراقي عربا و كوردا و أقليات اخرى .  و عليه فكل العراقيون مصممون على تجاوز الماضي و يتطلعون بشغف الى المستقبل لانه السبيل الوحيد لبناء العراق المتطور المزدهر , إلا أنه يبقى من الضروري تذكير بعض النخب العربية - لا يستثنى منها السيد ابو فخر- أن نزعات التشكيك و التخوين التي عبر عنها العديد من المثقفين العرب تجاه الكورد على امتداد عقود مضت هي التي ساهمت في تلويث أجواء العلاقات العربية الكوردية و هي التي بررت في كثير من الأحيان بروز نزعات الهمج و الأجرام عند بعض الانظمة العربية تجاه الكورد. فالناصرية و البعثية و البن لادنية هي اولا و اخيرا ليست إلا بضاعة أنتجتها المنظومة الثقافية العربية و هي التي تتحمل اليوم ايضا مسؤولية الأعمال الأجرامية التي تستهدف المواطنيين الأبرياء في العراق  بذريعة مقاومة الأحتلال و الدفاع عن شرف الأمة المسلوب.
و بغية تصحيح العلاقات الكوردية العربية , كونها تجتاز هذه الأيام منعطفا تاريخيا تمثل في سقوط نظام صدام حسين, فإنه من الضروري الآن  إجراء مكاشفة و مصارحة بين النخب العربية و الكوردية على قاعدة مناقشة القضايا العالقة  أو الخلافية سواءا أكانت تاريخية أو سياسية ليقف كل طرف على حقيقة مواقف الطرف الأخر يغية الوصول الى حالة من التفاهم المشترك القائمة على اساس مراعاة مصالح الشعبين. و انطلاقا من قاعدة المصالح التاريخية المشتركة بين الشعبين الشقيقين أجد من الضروري إثارة و مناقشة أهم القضايا التي تعكر صفو العلاقات الكوردية العربية بغية وضع المواطن العربي  في حقيقة الموقف الكوردي الذي تعرض الى حملة تشويه و إساءة على خلفية الأحداث التي شهدها العراق بعد التاسع من نيسان المنصرم :

لم تتوقف النخب العربية عن الحديث طوال ثلاثة عقود مضت عن العلاقة الكوردية الإسرائيلية التي تمت في اواسط الستينات من القرن الماضي و وصف تلك العلاقة بالخيانة و الإساءة لمشاعر الملايين من العرب في الوقت الذي كان فيه أصحاب القضية أنفسهم يتسابقون لعقد اللقاءات السرية و العلنية مع الدولة العبرية و يعقدون إتفاقيات السلام معها  مع العلم أن لا أحد يستطيع حتى الآن  أن يأتي بدليل يثبت فيه تأثير العلاقة الكوردية الإسرائيلية في ذلك الوقت على القضية الفلسطينية فضلا عن عدم تحمل تلك النخب العربية عناء التفكير بالأسباب التي دفعت القيادة الكوردية لبناء العلاقات مع إسرائيل سيما و أن الشعب الكوردي كان يتعرض في ذلك الوقت الى أشرس الحملات العسكرية في كوردستان العراق بهدف القضاء على وجوده من جذوره.  حتى أن الدولة السورية أرسلت فرقة عسكرية الى العراق بهدف مساندة المجهود  العسكري البعثي ضد الشعب الكوردي  و إذا كان من شيم الكورد العمل بالمثل القائل ″ العين بالعين و السن بالسن و البادي أظلم ″ فلماذا لم تهاجم الأوساط الكوردية القيادة الفلسطينية المتمثلة برئيسها ياسر عرفات عندما زار بغداد و أشبع صدام حسين القبلات ذات اليمين و ذات اليسار و لم تكن قد مرت ايام معدودة على جريمته البشعة بحق الكورد في حلبجة الشهيدة و لماذا لم يصف الكورد العرب بالخيانة عندما كان العديد من المثقفين العرب يتهافتون على بغداد و يستعرضون مهاراتهم في التهليل لدكتاتورها المغوار بالمديح و الثناء  و يتلقون النياشين و الأموال دون الأخذ بالحسبان مشاعر اربعين مليون كوردي.  أما فيما يتعلق  بالإسطوانة المشروخة التي ترددها وسائل الإعلام العربية على مسامعنا ليلا و نهارا , في هذا الوقت بالذات , عندما يتهمون الكورد جزافا بتهجير العرب و تقتيلهم متناسين عن سابق اصرار و تصميم أن صدام حسين و خلال ثلاثين عاما من حكمه هو الذي جعل من تقتيل الكورد و تهجيرهم هوايته المفضلة و هو من أطلق العنان لرجاله المرضى لإرتكاب أبشع الجرائم بحق المدنيين العزل من الكورد و مع ذلك لم يأخذ الكورد في يوم من الأيام العرب بجريرة جرائم صدام و نظامه السئ الصيت.

أما القضية الأهم بنظر الكورد فإنها تتمثل في تحديد التخوم القومية لكوردستان و على الأخص في العراق لا سيما و أن مناطق شاسعة من كوردستان العراق مثل كركوك و خانقين و سنجار شهدت في عهد صدام حسين أبشع سياسات التهجير و الطرد للسكان الكورد و توطين العرب في هذه المناطق. فمثلا إن سألت أحد الكورد الفيليين في بغداد عن مسقط راسه لأجاب بدون تردد أنه من خانقين حيث تعرض الكورد الفيليين على سبيل المثال للتهجير من مناطقهم في خانقين و ما حولها و تم إسكانهم في بغداد و هو ما يفسر التواجد الكثيف للكورد الفيليين في بغداد .

أما فيما يتعلق بالمدن الكوردية الأخرى التي يدعي السيد أبو فخر عدم كورديتها كأربيل عاصمة إقليم كوردستان العراق و مدينة الحسكة و أورفا و نصيبين و الإدعاء بأنها سريانية محضة فإن ذلك مدعاة للسخرية و المزاح الغير لطيف لأن الإحصاءات السكانية التي تمت في أوقات مختلفة أثبتت بما لا يدع اي مجال للشك أن هذه المدن كوردية شكلا و قالبا و حافظ الكورد على تواجدهم الساحق في هذه المناطق . فحقائق التاريخ و الجغرافيا يجب ان لا تكون عرضة للسجالات ذات الخلفية السياسية و الأيديولوجية التي قد تظهر و تختفي حسب الظروف المتغيرة .  ومنطقة الشرق الأوسط كانت عبر الاف السنين عرضة لتغيرات ديمغرافية هائلة نتجت عنها مجئ اقوام و اختفاء اقوام اخرى و المؤرخون الكورد اكدوا بدورهم هذه الحقيقة. فاكد العلامة الكوردي الكبير محمد امين زكي بك في كتابه الشامل تاريخ كورد و كوردستان على ان كوردستان الحديثة ما هي الا ارمينيا القديمة و ينسحب الحال على هذا النحو لتشمل كل المناطق التي شهدت هجرات عربية اليها في فترة ما قبل الإسلام و تعززت في زمن الفتوحات الإسلامية كبلاد الشام و شمال افريقيا و العراق و غيرها من المناطق التي لم يكن للعرب فيها اي وجود و لكن هذا لا يمنع ان هذه المناطق التي غدت فيما بعد دولا يسكنها العرب , اعتبارها مناطق عربية و هي تتبع اليوم جامعة الدول العربية و يتم التعامل معها على هذا النحو .

ان تعيين التخوم القومية للكورد لا يعني البتة النية في الإنفصال عن الدول التي تقتسم كوردستان فيما بينها و إنما هي خطوة ضرورية على طريق تلبية المطالب الكوردية في هذه الدول سواءا أكان في الفيدرالية أو الإدارة الذاتية أو غيرها . فكيف يمكن إقرار الشكل الفيدرالي في العراق الذي يطرح الان و تبنته جميع القوى السياسية العراقية لضمان حقوق الكورد ,في الوقت الذي لم يتم فيه بعد تحديد الحدود الجغرافية لإقليم كوردستان العراق و الكورد الذين تم تهجيرهم من كركوك و خانقين و سنجار لم ينقرضوا و ما زالوا أحياء يرزقون مما يستوجب إذا اعادة المهجرين الى مناطق سكناهم الأصلية ليصار فيما بعد إجراء تعداد للسكان الكورد و الأقليات الأخرى في منطقة إقليم كوردستان العراق .

الكورد و خلافا لما يدعيه السيد صقر أبو فخر لهم ثقافة عريقة و تشهد لها النتاجات الأدبية الكوردية الغزيرة . فاالكورد الذين أغنت مخيلتهم رونق و جمال طبيعة كوردستان نظموا الشعر و النثرو كتبوا القصة القصيرة و الرواية الأدبية و المكاتب الأوربية تذخر بأعمالهم  و كتب الكورد تاريخهم فقدموا للمختصين أروع الكتب كالشرفنامة  للأمير البدليسي و تاريخ الكورد وكوردستان للمؤرخ الكوردي المعروف العلامة محمد أمين زكي بل أن الكورد لذكائهم و حسهم الرفيع شاركوا في إغناء كل ثقافات المنطقة فقدموا كتابا عظام لم تقتصر نتاجاتهم على الأدب العربي كما يدعي السيد أبو فخر بل شمل آلاداب التركية و الفارسية . أفليس الكاتب الكوردي يشار كمال - الى جانب العديد من المثقفين الكورد - هو من أغنى الثقافة التركية وطور مفردات قاموسها اللغوي و تفوق على الكتاب الأتراك أنفسهم و الإدعاء القائل بان الكورد و بسبب إفتقادهم للمراكز الحضرية لتواجدهم في الجبال ذات المسالك الضيقة لم يمتلكوا ثقافة خاصة و السبب يعود في ذلك كما يصرح السيد أبو فخر الى تعدد اللغات التي يتحدث بها الكورد و التي تصل الى خمس لغات إنما يعبر عن جهل بالغ بالشعب الكوردي و تاريخه و تراثه الثقافي فأولئك يتناسون أن إجمالي الكورد الذين يتحدثون اللهجة الكورمانجية التي تكتب بالأحرف اللاتينية يقارب 30 مليون أي ما يعادل أربع أضعاف الفلسطينين في الداخل و الخارج و تعدد اللغات و اللهجات الكوردية مرده محاربة الأنظمة الأربع للثقافة و اللغة الكوردية . فالكورد كما يعرف السيد أبو فخر كانوا يعتبرون حتى الأمس القريب أتراك الجبال في تركيا و النظام السوري لا يعترف اساسا بوجود الكورد في سوريا و تصر على إعتبارهم عربا و هنا بالذات يتحقق ذلك الإتفاق التاريخي الغريب بين الأنظمة الشوفينية و المثقفين العرب الرافض للوجود التاريخي للشعب الكوردي على أرضه كوردستان و إذا إفترضنا عملا بالمثل القائل ″ إتبع الكذاب حتى باب الدار ″ على أن الكورد لم يكن لهم نصيب من الثقافة خارج الثقافة العربية فأي رد للجميل تلقاه الكورد من الأنظمة العربية سوى المجازر و الويلات لقاء الخدمات الجلل التي قدمها الكورد لأشقاءهم في الدين و التاريخ و المصير المشترك .

 الحس الإنساني في العدالة و المساواة يقتضي أن تبادر النخب العربية الى تقديم أولا الإعتذار الى الشعب الكوردي جراء السياسات الشوفينية و العنصرية التي تعرض اليها على يد أنظمتها عبر عقود من الزمن تمثلت في أبشع جرائم القتل و التعذيب و التهجير و ثانيا الإعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه و بالشكل الذي يراه مناسبا و ثالثا الكف قورا عن نزعة التخوين و التشكيك التي تمارسها النخب العربية تجاه الكورد الذين يمدون أيدهم و للمرة الأخيرة لأشقائهم العرب في تجاوز الماضي المرير و التطلع بشغف الى المستقبل الذي يكفل الحياة الكريمة في العيش المشترك و بما يحقق مصالح الشعبين و إلا فللكورد خيارات عديدة لم تجرب بعد.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]