www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
03.12.2003 - 10:45

كم هي المسافة بعيدة بيننا*

خالد خليفة

لو أردنا سرد تاريخ الكراهية في منطقتنا المسماة بالشرق الأوسط ومحيطها لاحتجنا إلى عشرات الآلاف من الصفحات،وأستغربنا فعلا تورطنا بإنتاجنا كل هذا الكم من مفاهيم الشوفينية و إلغاءنا للآخر القريب منا إلى درجة أننا نبدو كجيران يتقاسمون منزلا متعدد الغرف وأحيانا حين تشتد السيول وتدمر غرفة احدنا نضطر للنوم في سرير واحد رغم الكراهية،وبنفس الوقت كنا كأية شعوب آخرى أنتجنا أيضا مفاهيمنا عن الحق والخير والجمال،وكان لنا فلسفة وفلاسفة ساهموا في حوار الحضارات ذات يوم.
وإذا أردنا أن نبحث عن اسباب هذا العطب إن صحت التسمية فما اسهل الإجابة وكم هي ساذجة حين نحيلها دوما على الآخر مبرئين ذاتنا كأفراد معقدين وكشعوب مرتاحي الضمير،ومعتقدين بيقين كامل بكمالنا ونقص الآخر رغم أن الآخر الأوربي سابقا، والأمريكي حاليا ليس بريئا براءة كاملة من دمنا.
قد يقول قائل إنها مشاكل الجوار في كل أنحاء العالم مستشهدا بالإنكليز والفرنسيين،وكأن الأمر جزء من الطبيعة البشرية للإنسان أينما وجد وفي كل الأزمنة،وإن كنت اعتقد عكس هذا تاركا عبء دراسة نشوء الظواهر إلى علماء إختصاصيين،مكتفيا بتأملاتي كروائي ومعتبرا ايضا أن الحقائق التي أصل إليها قابلة للتحول والإلغاء والمحو، لما يكتسبه فعل المحو من أهمية بالنسبة لروائي ولد ويعيش وبالتأكيد سيموت في ما يسمى بالشرق الأوسط،هذه المنطقة من العالم التي لم يتوقف الصراع فيها منذ فجر الخليقة ولا أعرف إن كان سيتوقف يوما لتلتفت شعوبها إلى خبزها وتفاصيل يومية لحياة تمارسها بكل ما تستحق تفاهتها من عناية كأن تنجب وتتناسل أطفالا أصحاء وتستمع في الأماسي لأغاني بعدة لغات تشكل فسيفساء المنطقة،بإختصار أن تنتمي إلى هذا الكل الثقافي الغني والخاص دون إدعاء أحد بحقه بملكيته بمفرده وإدعاء تفرده وتعاليه على شركاء قدريين.وإن كانت هذه اليوتوبيا هي هروب من إستحقاقات الماضي وعدم مراجعته للوصول إلى إستخلاص العبر كما يردد المولعون بالإنشاء إلا أنني أشرت في البداية إلى أنني روائي يتأمل ولست عالم إجتماع يضع مقدمات ليصل إلى نتائج وقوانين تحقق له مجد الإكتشاف ومن ثم لتصبح ثوابت عامة لايمكن تجاوزها وتكتسب قداسة القوانين،وهذه القداسة لاتمنع روائيا مهنته سرد الجمل ونزع صفة القداسة عن الشخصيات وهتك الأسرار،وبالتالي أجد نفسي متورطا بالتفكير بطريقة عكسية والذهاب بعيدا عن جمود القوانين التي رسخها سياسيون دوما من مصالحهم إستمرار هذه القطيعة ونمو الكراهية التي تعطيهم مبررا قويا للهروب من إستحقاقاتهم وواجباتهم.
أعتقد بتوصيفنا لواقع الحال الذي يحمل كل المرارة نكون قد وصلنا إلى درج أمانينا بعدم إستسلامنا لجعل الكراهية قانونا ثابتا وأبديا ، ويفتح باب الأمل ببداية حوار شائك وطويل يقوده مثقفون هذه المرة وإن كنت أعتقد بشراسته أيضا،مثقفون خارج كل أطر الإيديولوجيات الثابتة،يبشرون بقوة إستقلالهم عن الخطاب السياسي والقومي المفعم بالحماس الفارغ والمودي إلى هلاك ألوان منطقتنا التي تميزت بتنوعها الهائل وفسيفسائها النضرة،معيدين إلى الثقافة قوة حضورها وألقها كفعل مستقل يخاطب الإنسان أينما وجد ويقدم صورة شعوبنا واضحة،صريحة كما هي في الأصل،فرواية لسليم بركات أو فيلم ليلماز غوني يستطيعان الدفاع عن حقوق الأكراد في الحياة أكثر من كل بيانات الأحزاب التي استعارت كما هي كل الأحزاب القومية في المنطقة خطابها من تبجيل الإنتماء ووهم التفوق على الشعوب الأخرى , و لو راجعنا قرناً ماضياً من الزمن , أي القرن العشرين لوجدنا أن اكتشاف وهم التفوق هذا قد كلف شعوب المنطقة دماء كثيرة , وأورثنا كراهية عمياء قادتنا إلى التقوقع على ذاتنا, و التعلق بحبال الخلاص عبر هؤلاء الزعماءالذين صنعناهم و رفعناهم إلى مراتب الأنبياء كي نكتشف متأخرين أنهم عبارة عن أوها م من قش لا تستطيع العيش و التحكم بآمالنا لولا أنها أغلقت نوافذ البلاد ليتعفن كل شيء بما فيه ثفافتنا فلا هي طردت المستعمرين و مغتصبي الأرض ولا دافعت عن كيان الإنسان بل استلبت حريته و أنتجت وسائل قمع أصبحت ضمن السوابق التاريخية بقسوتها و نهب إقتصاديات المنطقة لتنتج نوعاً غريباً من الفساد و أورثت اليأس و التشكيك بذاتنا على أننا أمم تستطيع النهوض و العيش بكرامة وتشارك البشرية سباقها الحضاري .
أعتقد بأن تاريخنا يؤهلنا كي نكون منتجين لا مستهلكين فقط , و كان المثقف في هذا القرن بصورته العامة شريكاً في إنتاج هذه الكراهية , ما عدا إستثناءات قليلة لم تستطع مقاومة بطش السلطات, و التأثير في صناعة الرأي العام , فالحرب الشرسة ضد الديمقراطية و التنوير باسم حماية القومية والشعب الحجة التي استخدمت دوماً للقمع أنتجت رد فعل أصولي يهدد الآن بإدخال المنطقة في نفق قد نحتاج قرناً آخر كي نكتشف أنه وهم آخر زاد من تخلفنا و أمية شعوبنا في دينهم و دنياهم .
وإن كانت بداية إي مشروع هي المعرفة فأعتقد بأن المعركة ضد الأصوليات في المنطقة هي معركة الجميع و خاصة المنتجين للثقافة و الفنون و كافة أشكالها لأنهم الهدف الرئيسي لهذه الأصوليات التي تحاول اعادتنا جميعاً الى قسوة الجهل ومصادرة العقل, و إذا تابعت في استطرادي هذا الذي قد يوصلني كروائي إلى الجهل مرة أخرى و يعبر عن قلقي و عدم تركيز أفكاري أو بالأصح هروبي من الوصول إلى نتائج ثابتة بل إلى إعادة الأمور إلى أولها و طرح الأسئلة الأساسية التي تتم عن جهلنا ببعضنا البعض و لعلكم تستطيعون تخيل دهشتي حين كان طلاب جامعيون أتراك يسألونني منذ عشرين عاماً حين كنت أحاول الدراسة في جامعة استانبول هل يوجد لديكم سيارات في حلب،ويقاتلونني على إنتماء النبي محمد هل هو عربي أم تركي. أرى الآن الصورة أقرب إلى الكاريكاتور وأنا أتساءل مرة أخرى هل أعرف أنا عن آداب جيراني الأتراك و شركائي في بلدي الأكراد و جيراني الآخرين الفرس ما يؤهلني لشراكتهم أم أن ما يصلني هو شذرات قليلة لا تكفيني كي أرسم صورة صحيحة لشركائي في هذه المنطقة ،وأيضا ماذا يعرف هؤلاء الشركاء عن ثقافتي وفنوني و بالتالي عن أحلامي و آلامي. فالجهل المتبادل بين الأكراد و الأتراك و العرب و الفرس كان سبباً أساسياً لنمو هذه الكراهية و استفحالها إلى درجة تستدعي التفكير بشكل جدي،فإذا كان الأتراك يكرهون العرب والفرس،كما أن الأكراد يكرهون الأتراك و الفرس والعرب الذين يكرهون الجميع،فكيف سنحتمل كل هذا الجهل ببعضنا البعض المودي إلى كل هذه الكراهية.
عشنا آلاف السنين متجاورين مقتسمين الهواء و الجبال و البحار والآلام والأمنيات نقف الآن كأننا غرباء و لا نريد الجلوس إلى طاولة الحوار التي ستوصلنا حتماً إلى فهم أفضل لذاتنا ثم للآخر الذي هو شريكنا في الكثير من الخصائص ومتقبلين لخصائصه المختلفة التي تشكل غنى لنا و ليس تهديداً لمحونا كما حاولت برامج الأحزاب القومية إيهام شعوبها و لست غافلاً عن صعوبة هذه الأمنية و لكن ليس استحالتها بكل الأحوال و لا بد من الإعتراف بأن آلام هذا الصراع الطويل لا يمكن الشفاء منها بين يوم و ليلة و لكن أيضاً لانستطيع إن نبقى جالسين و مكررين لنفس الأسطوانة محاسبين شعوبا على سياسات حكوماتها فلا يحق للأكراد محاسبة كل العرب على وثيقة التعريب سيئة الذكر التي وضعها ضابط أمن شوفيني و بموجبها حرم أكثر من مئتي ألف كردي من حقوق المواطنة و مازالوا حتى الآن بالإضافة إلى قوانين التعريب التي تضحكني كثيراً في طريقة ممارستها للي عنق الحقيقة الأزلية كما لا يمكن العيش دون التنفس أيضا لايمكن انتزاع شعب من لغته و لاأبرأ الأحزاب التي تجاهلت آلامي كعربي محروم من حقوقي الديمقراطية و العيش الكريم ومرواغتها عبر أكثر من أربعين سنة من تقوقعها و إنتاجها لمفاهيم أكثر تخلفاً من هذه الوثيقة فاقتصرت نضالاتها على إنتاج كلام ببغائي وإنشائي متجاهلة إنتمائها إلى فضاء فعاليتها ألا و هو المجتع ككل و إن كنت لاأحتاج لتذكيركم بأني روائي لديه طموح كتابة نصوص جيدة و خلق شخصيات يستطيع التعرف إليهاعلى جعل حياة القراءأكثر إنسانية و تحرض على تذوق الجمال و كراهية القبح و القمع الذي يمارس ضد أي انسان كائناً ما يكون انتماءه و ليس في نيتي الحديث بشكل مباشر و الخوض في نقاشات سياسية مسبقة المفاهيم و قد أكون واهماً بأن الرواية والفنون الأخرى تمتلك قدرةالتأثير على خوض هذه المعركة و المساهمة في التنوير و التشجيع على انفتاخنا اتجاه بعضنا البعض و مازلت أعتقد أن دوستوفسكي و تشيخوف هما روح روسيا مع كتاب عظام استطاعت نصوصهم الصمود في امتحانات التاريخ و البقاء كما أعتقد جازما بأن روايات ياشار كمال و فيلم الطريق ليلماز غوني و نصوص عزيز نيسن قدمت لي فرصة جيدة كي أعرف عن آلام الأتراك و الأكراد ورؤية أوجه الشبه بيني و بينهم أكثر مما قدمته كل خطابات السياسيين و برامج الأحزاب كما قدمت لي روايات سليم بركات و الكتاب الأكراد الآخرين فرصة التفكير بشكل عميق بمفهوم الإنتماء و احترام الآخر القريب مني إلى درجة الإلتصاق بالإضافة إلى فخري بالإنتماء إلى هذه المنطقة المتعددة الثقافات و اللغات و الأديان ومحاولة بحثي الدائم مع الآخرين لإظهار هذه القوة و محاربة من يسعى إلى تماثلنا جميعاً لتحويلنا إلى صورة واحدة لا تنتج المختلف و المغاير،فأرجو منكم أن تفهموني أكثر وتتعرفوا إلى ثقافتي ،شاهدوا أفلام محمد ملص وأسامة محمد وعبد اللطيف عبد الحميد وإقرأوا روايات حنا مينا وقصص زكريا تامر والكتاب الشباب ،وابحثوا بشكل جدي عما يمثل شعبي من نزار قباني إلى أدونيس والمعري... ومئات الأسماء الآخرى كي تعرفوننا بشكل حقيقي وجدي و لا بد من انتهاز الفرصة التي منحني إياها لقاؤكم الكريم هذا كي أحلم بثقافات متحررة من مساوئ الماضي المثقل بالدم و القطيعة و كما وعدتكم بأني لن أترك موقعي هذا ككاتب لأي سياسي كي يخاطبكم بل سأدافع عنه كما أدافع عن انتمائي إلى شركائي كتاباً و فنانين يدركون كم خسرنا حين تبنينا مشاريع السياسيين الذين أسسوا عبر التاريخ للهيمنة علينا وطردنا من ممالكنا لنصبح معزولين مشردين و ضعفاء و بالتالي صدى و لسنا صوتاً.
شكراً لحسن إستماعكم ودعوتكم.

* مداخلة ألقيت في مؤتمر ديار بكر، الذي أنعقد تحت عنوان"التعدد الثقافي والشرق الأوسط"، وحضره كتاب ومثقفون عرب وأكراد وأتراك وفرس، ودعت إليه بلدية ديار بكر لمناقشة العلاقات بين ثقافات المنطقة

عن موقع الرأي – 1/12/2003

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]