www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
18.02.2004 - 02:51

حول خلفية الفكر الإرهابي

فةدان ئادةم
vedanadem2001@yahoo.com

لقد أتت الأحداث التي وقعت مؤخرا في أربيل عاصمة إقليم كوردستان العراق والتي استهدفت أحد أهم مفاصل حكومتها الأساسية وهي وزارة الداخلية في عدة محاولات تُوجت أخيراً بالعملية الإرهابية المزدوجة التي تم تنفيذها في أول أيام عيد الأضحى المبارك والتي استهدفت شعب كوردستان من خلال قيادة الفصيلين الكورديين الرئيسيين في الساحة الكوردستانية والفاعلَّين على الساحة العراقية، لتوضح بجلاء حجم الخطر الذي يحدق بالبشرية جراء ما تخلفه هذه الأعمال من أضرار نفسية ومادية واسعة النطاق، ولتبرر تزايد قلق المجتمع المدني من نمو ظاهرة العنف والإرهاب الممارس بحجة حماية الدين، و لاسيما بعد تزايد الدلائل التي تشير إلى تملك أو إمكانية امتلاك تلك الجماعات لأسلحة إبادة شاملة جرثومية وكيمياوية.
قبل هذه الجريمة البشعة كانت قد وقعت أحداث أخرى مماثلة في مناطق عديدة من العالم، من قبيل أعمال العنف والمذابح البشعة والاغتيالات كحادثة اغتيال الشهيد (فرنسو حريري) في أربيل والعمليات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر ومصر واليمن وتفجيرات الخبر في السعودية والسفارات الأمريكية في كل من نيروبي ودار السلام والعمليات التي ارتكبت مؤخرا ضد مقرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية العاملة في العراق وغيرها التي استهدفت ممثلي الشعوب العراقية ورموزه في مجلس الحكم الانتقالي، هذه الممارسات الهمجية والبعيدة عن أدنى القيم الإنسانية و الحضارية التي عبرت بعض الأنظمة عن سخطها الشديد تجاهها وطالبت بوجوب محاكمة المرتكبين والجهات الداعمة لها في حين عبرت العديد من الأنظمة والدول، وقتها، عن استيائها بشكل خجول ومتحفظ خشية على مصالحها. ليصل جميع العالم المتمدن، بعد الأحداث الأخيرة التي ارتكبت بحق المنظمات الدولية والشخصيات الوطنية في العراق  وقبلها العمليات الإرهابية في العديد من دول العالم وأخرها الجريمة البشعة التي ارتكبت في أربيل، جريمة عيد الأضحى المبارك إلى القناعة بحجم الخطر الذي يهدد البشرية وبوجوب اتخاذ إجراءات ردعية حاسمة بحق هذه الجماعات المتطرفة التي اتخذت من الدين، باعتباره أهم التجارب الإنسانية المنجزة، وسيلة لتحقيق غايات وأهداف بعيدة كل البعد عن قيم وأخلاقيات وسلوكيات الدين، وبوجوب أن لا تتوقف هذه الإجراءات التي تتخذ لردع هذه الجماعات على تصفية وتطهير مراكز إعداد وتدريب وتصدير هذه الآفات المدمرة للمجتمعات وأن تتجاوزها الى عمليات التوعية الحضارية من خلال إعداد دراسات نظرية وميدانية موضوعية عن أسباب نشوء ونمو هذه الظاهرة والتعامل معها بغية منع تحولها إلى الشكل الحالي الخطير، ومعالجة مختلف العوامل المساعدة والداعمة لها.
تتزايد القلق المطرد من العنف الظاهر والكامن في المجتمعات الإسلامية والذي يُمارس غالباًَ باسم حماية الدين من قبل عدد كبير من التنظيمات الدينية التي تبرر العنف، والمتأسسة ضمناً على اعتماد العنف كأسلوب تفكير وعمل وحياة مستغلة – أقصد التنظيمات – بعضاَ من القوانين والصيغ الديمقراطية المعتمدة في المجتمعات التي تقوم فيها، لتنمو بشكل سرطاني مستغلة في هذا الجانب أيضاً نقاط الضعف في السياسة الاقتصادية لتلك المجتمعات بصورة خاصة، فمثل هذه المجتمعات التي تعيش أوضاعاً اقتصاديا وسياسية مضطربة وغير مستقرة تشكل أفضل تربة لنمو هذه التنظيمات والتي ما إن يشتد ساعدها حتى تعمل على تحويل المجتمع الآلات تطاحن عمياء تطحن بعضها الآخر، إلى أن يتقوض المجتمع ويتآكل بشكل نهائي ويتحول إلى خراب لا يليق حتى بنعيق البوم.
لا أعتقد أن هناك أحدا يشك في أن التجربة الدينية هي إحدى أهم التجارب البشرية، ولا تزال  تحتل أهمية عظيمة نظراً لعلاقتها الشديدة القوة بتساؤلات الروح والغيب والمصير البشري بعد الموت.
لكن تحوير هذه التجربة سياسياً ومصلحاً إلى نظام شمولي للفكر والحياة والعمل في المجتمع لا يمكن أن يؤدي إلا إلى اشد أنواع التسلط والعنف، وهو اتجاه يقضي بديهيا على ذاتية الإنسان، أسمى مخلوقات الله، وأحسنها تقويماً، والقضاء بالتالي على أسمى خصوصيات التجربة الدينية، إلا وهي علاقة الذات الإنسانية الحرة والمخيرة مع الغيب والسماء، فالفكر الذي يسوغ العنف لأي سبب كان، إنما هو فكر يتجه نحو تحويل الإنسان إلى مجرد قاتل أعمى، دموي، وحشي وهو فكر مريض ينطلق ضمنياً من (حق مطلق) يتصور امتلاكه، يجيز ويبرر له أن يفعل ما يشاء دون الالتفات إلى أي وازع أخلاقي إنساني، وهو يسعى في المحصلة الأخيرة إلى تشكيل مجتمع وإنسان مسير، مخالفاً بذلك أيضاً أسمى الأسس في التعاليم الدينية والتي تؤكد على تمييز الإنسان من خلال نعمة العقل التي وهبها الله له. فهل يشكل العنف الوسيلة الحقيقة لتمتين وتقوية الدين والأخلاق والفكر والوطن؟
هناك مسببات عديدة تعمل على إنتاج العنف في مقدمتها الأهواء السياسية والمصالح الاقتصادية وشهوات التسلط والسيطرة، وهي أسباب تتلاشى أو يمكن معالجتها من خلال تجسيد حياة ديمقراطية حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل بالآخر والتعددية الفكرية والسياسية وحرية الاختيار والاعتقاد. أما مسألة تحوير الدين إلى سبب الممارسة العنف والإرهاب بحجة حمايته والقضاء على الإلحاد والتعامل مع الحاضر والمستقبل بقياسها على الماضي، المُتخيل أصلاً، فإن ذلك يضعنا أمام إشكالية كبيرة ومعقدة تفترض تساؤلاً حقيقياً في مواجهتها، هل أن قتل الإنسان لمجرد الاختلاف في الرأي والفكر وطريقة العبادة هو ما يطلبه الله عزّ وجل ويحلله؟ إن اختلاف الآخر في طريقة العبادة وشكل الاتصال الروحي مع الله لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال مبرراً لممارسة العنف والإرهاب تجاهه والكتب السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم مليء بالبراهين الحقيقية التي لا تقبل التقويل أو التأويل في هذا الجانب.
يبقى أن نعرف أن ما يقود الى العنف في المجتمع هو إنعدام القدرة على تحديد فاصل بين الأفكار والقناعات والمعتقدات وبين الأشخاص الذين يعتنقونها وعدم القدرة على تقبل تلك المعتنقات كونها مخالفة لمعتنقاتنا وبالتالي فهي تقف بالضد ومعادية وأصحابها هم أعداء لنا مما يبرر وجوب حتمية تصفية هؤلاء الأعداء، وللقيام بهذه التصفية لابد من إيجاد مبررات تُقنع الجماهير بشرعية عملية التصفية ولخلق تلك المبررات لابد من سوق أطنان من الاتهامات الايديولوجية والنازية والتفكيرية بحق أولئك الأشخاص، لتغدو عملية التصفية محكمية الشكل في النهائية بل وحتى سماوية الشكل، كي لا تساور القائمين بها أو منفذي عملية التصفية ومؤيدوها أية شكوك حول مدى صوابية العمل أو أي شعور بالذنب أو الخطيئة، فهم ليسوا سوى أدوات أرضية تفعل ما تأمر به السماء.
ما من شك في أن التغيرات الكبيرة التي أفرزتها التطورات العالمية المتسارعة منذ بدايات سقوط الكتلة الاشتراكية وتداعيات حرب الخليج الثانية وإفرازاتها والمسألة الفلسطينية، وبروز نظام القطب الواحد وهيمنة الاقتصاد المعولم وانفتاح العديد من دول العالم والمنطقة أمام المفاهيم المستجدة نتيجة هذه التطورات، ودون الالتفات إلى قضايا مجتمعاتها من مختلف النواحي ودراستها والنهوض بها، تحتل مساحة واسعة من مسببات نشوء وبروز ظاهرة الإرهاب الحالية.
فالتطورات والمتغيرات السياسية المشارة إليها أنفاً والآفاق المدركة لها، تفترض اليوم التوقف عند ظاهرة الإرهاب والعمل على صياغة تعريف واضح ومحدد له وتدويل هذه الآفة باعتبارها أخطر المعوقات التي تواجه تطور البشرية باتجاه تجسيد مبادئ وقيم حقوق الإنسان والمساواة الاجتماعية القومية، وضرورة تمييزه عن مختلف أشكال النضال المشروع للشعوب المغبونة والمضطهدة في سبيل حرياتها وحق تقرير مصيرها. ووجوب تفعيل مبدأ حق التدخل بمختلف الأشكال السياسية والعسكرية والاقتصادية مرفقاً بالشرعية الدولية المساندة لها في الشؤون الداخلية للدول التي تعاني من اضطرابات وصراعات أثنية وعرقية وأزمات سياسية واجتماعية، بل وحتى العمل على إعادة صياغة خارطة القوى والأنظمة السياسية الحاكمة في العديد من دول العالم والتي تستند في بقائها على دفات الحكم، على ما يسمى اصطلاحا بأنظمة الشرعية الثورية وإحياء مفهوم الوصاية الدولية على غرار عملية المشاركة الدولية في حماية شعوب كل من كوسوفو وتيمور الشرقية وكوردستان العراق والتي حالت دون تعرضهم لخطر الابادة الشاملة جراء الممارسات الإرهابية والقمعية، التي إزدادت وتيرتها بدايات العقد الأخير من القرن المنصرم، من قبل الأنظمة الحاكمة فيها.
في الختام لابد من ذكر نقطة تتعلق بتاريخ الشعب الكوردي، وهي في غاية الأهمية من الناحية التاريخية والمتعلقة بالجانب الديني في حياته، فالأمة الكردية التي تعتبر كأحد أهم الشعوب الإسلامية إضافة للعديد من الأقليات الدينية والطائفية والمذهبية التي تعيش بين ظهرانيها، لم تشهد في تاريخها القديم والحديث أية صراعات دموية ذات طابع وخلفية دينية بالرغم من محاولات القوى المحتلة والطامعة في كوردستان استغلال هذا الجانب وتأجيجه، متجاهلة بأن هذه النقطة هي سر قوة هذا الشعب وليس ضعفه. والتاريخ الكوردي في هذا الجانب غني بالأمثلة التي تشهد على قادة الإسلام من أبناء الشعب الكوردي في معاملتهم لأبناء الديانات والطوائف الأخرى.
هذه النقطة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على القيم الأخلاقية الرفيعة والسمو الإنساني لهذا الشعب ومبلغ حضارته. كذلك فإن نضال الشعب الكوردي في العصر الحديث لم تشبهُ أدنى نقيصة فيما يخص هذه المسألة، ولم يلجأ أبدا الى ممارسة إرهاب المدنيين أو الدولة وإنما مارس نضاله الشرعي في سبيل حقوقه القومية العادلة على أسس مبدئية إنسانية متكاملة مستندا في ذلك على نهج ديمقراطي إنساني أرسى دعائمه منذ ستة عقود الملا مصطفى البارزاني الخالد والذي رفض بشكل قاطع اللجوء الى أية عمليات إرهابية يمكن أن تودي بحياة المدنيين، فللشعب الكوردي الحق في أن يفتخر اليوم بتاريخه الناصع، الذي يخلو من أية ممارسات مخجلة بحق الإنسانية حتى في أحلك فترات الاضطهاد الإرهابي والإبادة العنصرية التي تعرض لها. من دون أن يتمكن حتى ألدّ أعداء كوردستان من نعته بالإرهاب في الحين الذي تتهم دول وأنظمة عديدة لها سمعتها ونفوذها في المنطقة بهذه التهمة، وأن هذا لا يشكل سوى مبعث فخر واعتزاز الشعب الكوردي الذي تربى وتشرب بقيم الكوردايتي الأصيلة.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]