www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
29.07.2003 - 21:59

أثبتت أن الإيديولوجية الشمولية ما زالت في عنفوان بطشها... سورية: عودة محكمة أمن الدولة الإستثنائية وأكذوبة الإصلاح!!

طارق احمو*
tariqhemo@amude.com

إيلاف- 29.07.03

من تلك التهم العجيبة التي أرفقها القاضي العسكري في دمشق بملف القياديين الكرديين مروان عثمان وحسن صالح قبل إرسالهم لحضرة محكمة أمن الدولة الإستثنائية : تهمة محاولة إقطتاع جزء من أراضي الجمهورية العربية السورية وإلحاقها بدولة أجنبية مجاورة!!، وكذلك التهمة العتيدة المشهورة تلك : إثارة النزعات الطائفية والعنصرية والإضرار بالوحدة الوطنية للشعب السوري ( لا يدري المرء ما هي هذه الوحدة الوطنية التي تمنع ملايين المواطنيين من الحديث بلغتهم وممارسة ثقافتهم ؟)، والحال إن حيثيات ومداخل هذه التهم تأتي هذه المرة و تستند، مثل كل المرات التي سبقتها، على خلفية إيديولوجية ومنهجية تنبع من صميم الإرث والفكر الإيديولوجي البعثي الذي بٌني على الإتجاه الأوحدي في التفكير والممارسة، فمنذ اليوم الأول الذي سيطر فيه البعث السوري على الحكم في البلاد وهو يمضي على نفس الخط الذي رسمه الآباء المؤسسون للحزب، الخط المنسوخ عن بقايا عصور النهضة القومية في أوربا والتي جاءت في موجاتها الإمتدادية الأولية(مع حماسة وحساسية الظرف الزمان مكاني في أوروبا ذاك الزمان) بطرق شمولية لم تخلو من شوفينية وإقصائية برزت واضحة في أكثر من مرة ومجال...، الخط هذا عٌني في إنكار القضايا الداخلية البالغة الأهمية وعزاها ( ثم أوكل حلها فيما بعد على ذلك الأساس..) إلى الأمن ، الذي برّزت الإيديولوجية البعثية( الشق السوري...) في تطبيق مفرداته بطرق قاسية نالت كثيراً من كرامة المواطن السوري وأدت إلىتأجيل حلول تلك القضايا إلى أجل غير مسمى و بقدر المستطاع.
الواقع الكردي في سوريا لا يختلف في سوء حاله عن الواقع الكردي العام ولكنه يمتاز بسطوة إحتواءه من قبل الأجهزة الأمنية في المناطق الكردية في سوريا ( وهي لمن لا يعرف، تعريفاً، مناطق تسري فيها القوانين الإستثنائية، ويعود فيها السلطة الحقيقية لأجهزة الأمن والمخابرات). ورغم جهود الحركة السياسية الكردية في سوريا تأطير المشكلة الكردية داخل الأجندة الداخلية والوطنية للحركة الديمقراطية العامة في البلاد إلا أن الدولة لم تغير من نظرتها وتفاسيرها للمسألة من وجهة النظر الأمنية البحتة رابطة بذلك المطاليب الكردية في المناطق الشمالية من البلاد( إقليم كردستان سورية) بالحركة التحررية الكردية المسلحة في أجزاء كردستان الأخرى (وعليه تأتي مشروعية حضور الإجتماعات الدورية مع كل من أنقرة وطهران والمتعلقة بتطورات القضية الكردية في المنطقة ) فالإمتدادات الديمغرافية والجغرافية للشعب الكردي في المربع الكردي المقسم بين هذه الدول تجعل من النظرة والتعامل الإقليمي من لدن هذه الدول على أساس أمني يأخذ فيه التعاون والتشاور الدائم مكانه القصي. ولا يبدو في أفق الحل الوطني، من شاكلة طروحات القوى السياسية الكردية، شيء يذكر حتى هذه اللحظات. لذلك ولتأكد القوى الكردية من ان الدولة السورية لن تغير مواقفها البنيوية تجاه الموضوع الكردي فإنها غيرت من أساليب عملها وصعدت من نشاطاتها ضد الواقع الظالم الذي تفرظه الدولة ومؤسساتها على أكرادها ( القومية الثانية وأصحاب اللغة الثانية في سوريا)، فكانت المظاهرة الكردية الأولى والتي نظمها حزب يكيتي الكردي في سوريا ( الذي يحمل حالياً لواء القراءة الكردية الجديدة للواقع الداخلي والإقليمي ) في يوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ورفع مذكرة للمطالب الكردية لرئيس مجلس الشعب السوري تتضمن مجموعة من النقاط التي تتعلق بالأكراد : 1ـ إعادة الجنسية السورية للمواطنين الأكراد والتي سحٌبت منهم في الإستثناء العنصري عام 1962 م ( وهي حالة فريدة من نوعها في العالم، يعيشها أكثر من 200,000 كردي في سوريا )
2ـ إعادة الأراضي التي وزعتها الدولة على المواطنين العرب بعد طرد أصحابها الكرد، أو ما يعرف بالحزام العربي في منطقة الجزيرة، وقد كانت السلطات السورية قد جلبت بعض العشائر العربية من محافظة الرقة لتوطنهم في المناطق الكردية في مستوطنات أقيمت خصيصاً لهم، بعد طرد الأكراد منها.
3 ـ إطلاق الحريات في البلاد ورفع القوانين الإستثنائية وقوانين الطوارئ عن المناطق الكردية و السماح للأكراد بإستخدام لغتهم في الدراسة بعد الإعتراف بها كلغة ثانية في الدولة بعد اللغة العربية. هذه المطالب وغيرها لم تلق أي آذان صاغية من السيد عبد القادر قدورة ( او لعل مسؤوليةالخوض فيها كانت فوق طاقاته وصلاحياته!!) بحيث حولها بشكل سريع إلى وزارة الداخلية ليتعامل معها السيد اللواء علي حمود، الذي أصدر أوامره فوراً بإعتقال مقدميها حسين صالح ومروان عثمان ( الشاعر الكردي الرقيق ) وهما في السجن منذ تاريخ 25 /12 /2002 ، وتأتي الأخبار برفع قضيتهما إلى محكمة أمن الدولة الإستثنائية لتزيد الخوف والتكهن بمدى الفداحة التي سيكون عليها الحكم الصادر بحقهما ( الذي قد يصل إلى المؤبد كما قال محاميهما السيد مأمون البني الناشط في مجال حقوق الإنسان)،التعامل السلطوي المتأخر هذا مع الحال الكردي يٌعيد ويجب كل وعود الإصلاح التي قيلت هنا وهناك ولم يتحقق منها شيء إلى هذه اللحظة، فأين الإصلاحات السياسية التي ستطال جميع المرافق الحياتية في سوريا، وستعيد النظر في الكثير من قضايا الحريات العامة ؟ ثم، أين هي الإجراءات الإحترازية التي تنوي الدولة القيام بها لرص صفوف وترسيخ الوحدة الوطنية بعد مشاهدة الإنموذج العراقي الذي تداعت سلطته الحاكمة كأحجار الدومينو بعد ما لقيه العراقيون من ذل ومهانة على يد الكتائب العسكرتارية للحزب والأجهزة الأمنية؟.
الإصلاحات الشفاهية لا تجدي نفعاً، مثلها مثل شعارات "المعركة المصيرية" وذرائع الوحدة الوطنية التي سلبت الناس كل شيء، حتى وحدتهم الوطنية الحقيقية، سوريا تحتاج في هذه الظروف إلى المصالحة والمصارحة الذاتية لكي تبدو منيعة وقوية من الداخل في وجه كل التحديات الداخلية ولن يكون ذلك بدون معالجة الملف الكردي بالطرق الديمقراطية وإنهاء العقلية الأمنية والمؤامراتية تجاه الكرد الذين يشكلون اليوم رقماً أساسياً في معادلة إستقرار منطقة الشرق الأوسط، وبشكل خاص بعد بروز مجلس الحكم الإنتقالي في العراق ومشاركة الكرد العراقيين فيه بشكل قوي على أساس فيدرالي مع المركز العربي في بغداد.
برامج الأحزاب الكردية السورية لا تنص على فصل الأقاليم الكردية عن سورية وإلحاقها بدولة أخرى مثلما جاء في حيثيات ذلك الإتهام التافه، والعريضة التي حملها عثمان وصالح لم تتضمن هذا البند المفبرك، فدخول الأجندة الساسية المدفوعة من بعض القوى المتشددة داخل الحزب والسلطة في سوريا،( والتي أوزعت للإدعاء فبركة هكذا تهمة،و من ثمة أخذ القضية برمتها إلى محكمة أمن الدولة الإستثنائية التي تفتقد لأبسط شروط المحاكم، تمهيداً لإستصدار حكم قاسي و رادع ضد المعتقلين الكرديين ) يجعل من السذاجة الإيمان بمصداقية الإصلاحات التي يدور الحديث عنها منذ زمن بعيد، تلك الإصلاحات التي يبدو إنها لم تصمد أمام الإتجاه المعقد في السلطة، المراهن على قبضة البوليس والمخابرات، الراعي للشمولية والعارف لها وحدها طريقة للتعامل مع شعبها ( رغم كل المتغيرات في العالم، وآخرها الإنموذج العراقي)، فكيف يكون مصداقية الإصلاح سارية والحال هذه، وكيف يصح الإيمان بالوعد الإصلاحي ونكران وقائع يومية تضادده، وتبدو فيما تبدو عليه الآن من إستمرارية، ذات ديمومة خالدة واحدة و أبدية هكذا ؟؟

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- طارق حمو: عن مجلس الحكم الإنتقالي في العراق - الأكراد وحكماء العراق (26.07.2003)
- طارق حمو: الأكراد والجمهورية التركية : إعادة الحسابات القديمة ، دائماً وأبداً (15.07.2003)
- طارق حمو: الوحدة الوطنية... عندما تفرض من الخارج (26.05.2003)
- طارق حمو: البازار التركي بين الجيش والاسلاميين: هل تبدأ الحرب بمجازر تركية ضد الاكراد؟ (15.03.2003) (pdf)
- طارق حمو: لم ينسوا بعد حكمتهم الذهبية "لا أصدقاء سوى الجبال" (25.02.2003)
- طارق حمو: اكراد العراق وشبح العودة الي المربع الأول! (21.02.2003)
- طارق حمو: الحكومة التركية ومأزق الحرب الأمريكية ضد العراق (19.01.2003)
- طارق حمو: كل الاجندة الامريكية تشير الي ضرورة اضطلاعها بدور اكثر حسما: تركيا تصفي حساباتها مع: العرب والاكراد و... النفط! (18.12.2002)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]