www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
25.02.2003 - 17:12

لم ينسوا بعد حكمتهم الذهبية "لا أصدقاء سوى الجبال"
الأكراد: هل ستتمخض الحرب الحالية عن تحالف إستراتيجي بين الأكراد والأميركيين؟

طارق حمو*
tariqhemo@amude.com

إيلاف- 25.03.03

الحلقة الأخيرة من مسلسل الذرائع والحجج التركية تعرض هذه الأيام مشاهدها الأخيرة، إذ صحت الأخبار التي تقول بدخول بضعة آلاف من جنود القوات الخاصة التركية إلى الأراضي الكردية، تكون تركيا قد قطعت كل الشكوك و" المراهنات" على ماهية دورها وبالتالي نواياها تجاه المناطق الكردية الخارجة عن سيطرة بغداد منذ 13 سنة، أولى هذه الحلقات بدأت بذلك العزف العتيق ( والموزع دائماً على نوتات جديدة..) حول سعي الأكراد إلى إقامة دولة كردستان والتأثير المعنوي/التأصيلي المغلف بنوع من" الشرعنة" الأخلاقية على أكراد تركيا المتطلعين منذ أكثر من 80 سنة إلى الإستقلال و" فك الإرتباط" مع الجمهورية التركية الأتاتوركية.
العقدة التركية هذه، والتي ظهرت ساطعة بثقلها الهائل ودورها المحوري في تسيير السياسة الإستراتيجية التركية العليا ( التي ينظمها ويسيرها مجلس الأمن العسكري، بغض النظر عن ماهية وخلفية الحكومة المدنية).بدأت أكثر قرباً من التحقيق في ظل التوتر الذي يطفو على سطح العلاقات التركية- الأميركية بعد رفض الأتراك الطلب الأميركي في نشر 63 ألف جندي أميركي في الأراضي التركية، و تأمين الإمدادات اللوجستية لهم، وفي ظل الرفض التركي ( المشوب بحنق أميركي حقيقي) تترقب تركيا التطورات الميدانية من جهة علاقة ودور القوات الكردية في الحملة الأميركية الحالية على العراق، إذ أن الدور الذي تنوي القوات الكردية الإضطلاع به، إلى جانب الأميركيين، تجعل تركيا تتحفز وتهتز من أعماق أعماق إيديولوجيتها( ذاك الهز الذي يدعو رجلاً مثل صباح الدين جقمق أوغلو، وزير الدفاع السابق إلى دعوة تركيا لقتال الولايات المتحدة نفسها، إذ ما صممت على تقسيم العراق والسماح بتكوين دولة للأكراد)، فالمشاركة الكردية، بالأعداد التي تملكها من قوات البشمركة ( ما يقرب من 80 ألف مقاتل) تجعل من الهواجس التركية، حقيقة على أرض الواقع لامرد لها، كيف لا والولايات المتحدة هي المتواطئة وصاحبة الضوء الأخضر هذه المرة؟.
الرفض التركي للطلب الأميركي بالسماح لإستقدام 63 ألف جندي أميركي بهدف فتح جبهة ثانية من الشمال ضد القوات العراقية، يتضح خلفياته ومسوغاته لحظةً بعد الأخرى، فالأميركان الرافضين لدخول الأتراك إلى إقليم كردستان وتطبيقهم ل" أجندتهم" الخاصة، المتمثلة بنزع أسلحة قوات البشمركة الكردية وإلغاء الإدارة التي أنشأها الأكراد منذ 13 عاماً وظلت تشكل لتركيا صداعاً مزمناً، والسيطرة على مدينتي كركوك والموصل الغنيتين بالنفط في العمق الجنوبي لكردستان العراق( ولذلك كان الأتراك قد باشروا مبكراً بإستنباط عدة حجج مختلفة : " الإتفاقية التاريخية" في5 حزيران 1926 بينهم وبين البريطانيين حول الحصة التركية في نفط كركوك، حماية الأقرباء التركمان من مذابح محتملة على يد الأكراد، لجم اللاجئين من التدفق على الأراضي التركية..الخ) سوف لن يسمحوا للأتراك بتبديد ما صنعوه على الجبهة الجنوبية، وخلق الفوضى في العراق بدخولهم في قتال قد يطول كثيراً( لوعورة بيئة كردستان، والخبرة الميدانية الهائلة لقوات البيشمركة الكردية) مع الأكراد العراقيين، بما يؤدي إلى فشل المخطط الأميركي وغرقه في عماء الفوضى التركية- الكردية، ذاك المخطط/ النموذج الذي تعتبره واشنطن، فاتحة خير(أو يجب أن يكون كذلك) لتوسيعه وتمديد مساحة تطبيقه إلى دول أخرى، في إطار السياسة الإستراتيجية الأميركية الجديدة بعد 11 سبتمبر، ومشروع الحرب الإستباقية ضد البؤر والمنابع التكوينية للإرهاب العالمي، كما إن ليس من عادة واشنطن، والحق يقال، توزيع غنائمها على أصدقائها بهذا الشكل السخي، سيما وإن هؤلاء "الأصدقاء" قد مارسوا للتو إبتزازاً مكشوفاً توجوه في النهاية بلطمة ( لا) كبيرة عرقلت الكثير من الحسابات الميدانية وأثرت في التكتيكات المستقبلية للحرب قد تكلف الأميركان ضحايا وخسارات مؤلمة ومكلفة.
 فكيف تطلق واشنطن يد أنقرة، والحال هذه، في شمال العراق الغني بالنفط لتستحوذ عليه بهذه السهولة، وتنكل بالأكراد: حلفائها الجدد والضمان الأقوى في المعارضة العراقية ( بكل تنافراتها و...إرتباطاتها المعقدة!!) في نجاح الإنموذج العراقي الديمقراطي الواعد ؟، هذ الإنموذج الذي عاندت واشنطن من أجل خلقه الرأي العام الدولي وأغلبية مجلس الأمن الدولي، الغطاء الذي كان بمقدوره شرعنة هذه الحرب وإعطائها المسوغ الأخلاقي التي تفقده الآن ( بعكس الحرب الأولى عام 1991م).
 والحال إن العسكر في تركيا وإلى هذه اللحظة قد خسروا الرهان الذي تخبطوا كثيراً في إختياره، فلا الأكراد القادمين للتو من عاصمتها أنقرة للتفاهم و" تبديد المخاوف التركية" سوف يتنازلون بالسهولة التي لاتكلفها الغالي، والغالي جداً عن مناطقهم الحيوية في العراق، ولا المعارضة العراقية ( الضعيفة، لكن الشرعية تماماً) سوف تسكت عن مطامعها في إحتلال جزء من الوطن العراقي وضمه ( بشكل أو بآخر) إلى خارطتها، وهي الحالة التي ستخلق الفوضى الشاملة في المنطقة، سيما وإن دولاً إقليمية ستتدخل بدورها لعدم تمدد الأتراك في المناطق الحيوية للعراق ( إيران التي لا تخفي أبداً طموحاتها )، هذا ناهيك بالطبع عن واشنطن التي تعد العدة وفي جعبتها الكثيرمن الأجندة، التي لا تريد لأحد أن يتدخل في عرقلة تطبيقها أو التأثير السلبي على سيرها.
الأميركيون قالوا إنهم لن يغدروا بالأكراد هذه المرة، كما حدث في 1975 م في إتفاقية الجزائر التي وضعت حداً قاتلاً لثورتهم المتقدة ضد النظام العراقي، وكان صدام حسين الرئيس الحالي، وياللسخرية، هو الطرف العراقي فيها، وكما حدث كذلك في عام 1991 حينما أوزعوا للأكراد بالثورة، وفي منتصف الطريق تخلوا عنهم وتركوهم لمصيرهم تحت رحمة قنابل الحرس الجمهوري العراقي ومبيدات " علي الكيمياوي"، الأمور تبدو، هذه المرة، وكأنها تسير بإتجاه آخر إذ إن الولايات المتحدة، وإن طلبت من القوات الكردية التريث في هجومها على المحافظتين الكردييتين كركوك والموصل، فإنها كذلك أرسلت رسالة واضحة للأترك المتحفزين على الحدود العراقية الدولية، بخطورة تدخلهم، بشكل فردي يدخل المنطقة في دوامة مواجهة كبيرة بين الأكراد والأتراك قد تمتد إلى تركيا نفسها، في ظل إعلان حزب العمال الكردستاني التركي إستعداده لإستئناف العمليات العسكرية ضد الأهداف التركية إذ هي أقدمت على إحتلال إقليم كردستان العراق ( وردّ ذلك بشكل غير مباشر على لسان الزعيم الكردي المعتقل عبد الله أوجلان، الذي حذرّ الأتراك من حرب بينهم وبين الأكراد قد تطول مائة سنة في حالة إحتلالهم لكردستان)، هذا فضلاً عن الإمداد الدبلوماسي الذي سيتلقاه الأكراد من الإتحاد الأوروبي( الذي أوصدّ، للتذكير، بابه نهائياً في وجه تركيا بعد إفشال الأتراك خطة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في توحيد شطري جزيرة قبرص المقسمة بين الأتراك واليونانيين، والتي سينظم شطرها اليوناني نهاية هذا العام للإتحاد، وكذلك إغلاقهم لأكبر أحزاب الأكراد في تركيا ومنع أكثر من 40 شخصاً من قادته مزاولة العمل السياسي لمدة 5 سنوات) والموقف الألماني والفرنسي الصلب في رفض أي تدخل تركي والذي جاء الأخير في هيئة رسالة أبرقها شيراك للزعيمين الكرديين في إلتزام فرنسا بدعم التجربة الكردية في الأقليم، أمام هذا كله ترى هل ستقف تركيا مكتوفة الأيدي وهي ترى الأكراد ( أعداء وجودها) يتقدمون يوماً بعد الآخر من هدفهم الفيدرالي/الإستقلالي، أم إنها ستتدخل بكامل الرعونة، كعادتها دائماً، وتضع المساحة الكردية الشاسعة في دوامة حرب ملتهبة، قد تدوم، كما قال أوجلان، مائة عام ؟، لكن قبل كل هذا وذاك، هل ستقف الولايات المتحدة متفرجة على الأتراك وهم يقضمون ثمار "إنتصاراتها"، أم إنها ( وفي ظل مستوجبات خططها الطموحة لإعادة تشكيل المنطقة، التي تعج بثقل جغرافي هائل للأكراد) ستنحاز، هذه المرة للأكراد....حلفائها الجدد؟!!، يبدو أن الأيام لن تتأخر، هذه المرة، في الرد علينا.

* صحافي كردي يقيم في المانيا

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]