www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
11.01.2004 - 13:41

بمناسبة مرور 10 سنوات على سجن النائبة ليلى زانا: تركيا وحقوق الأكراد : هل من جديد تحت شمس أتاتورك ؟

طارق حمو
tariqhemo@amude.com

كانت العيون تترقب الفتاة الكردية الشابة ليلى زانا وهي تتقدم بخطوات ثابتة وجريئة نحو منصة إلقاء قسم الولاء للجمهورية التركية تحت قبة البرلمان التركي( 2/3/1994 ) ، وكان الصمت المقلق يٌخيم على الجمع إلى أن بددتها ليلى لحظة نطقها قسم الولاء بتلك اللغة المحرمة في تركيا: الكردية ! ، بل لم تكتف ليلى زانا بذلك بل راحت تتفوه بألفاظ تابوية محرمة من عيار :" أقسم بأني سأعمل لمصلحة تركيا وكردستان!!" ، و"أجتهد في سبيل توطيد العلاقات الأخوية بين الشعبين الشقيقن الأتراك والأكراد !".
ولم تكن النائبة زانا تٌنهي كلماتها حتى عّم الصراخ قاعة البرلمان التركي وهاجت جموع النواب الأتراك وهجموا على النائبة الشابة لتكميم فمها ومنعها من متابعة حديثها باللغة الكردية ، وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة ، على الأقل حتى ساعة كتابة هذه السطور، التي يتكلم فيها أحد النواب باللغة الكردية(اللغة الثانية في تركيا ، التي يتكلمها أكثر من 15 مليون إنسان والممنوعة من التداول العلني تحت طائلة الإعتقال والتعذيب ) داخل قبة البرلمان التركي ، أما زانا فقد أٌقتيدت إلى خارج البرلمان وواجهت تهم كبيرة من نوع :" الدعوة للإنفصال بشكل علني وإهانة المشاعر القومية للأمة التركية" وبالتالي : الخيانة العظمى  لمبادئ مؤسس الجمهورية مصطفى كمال باشا أتاتورك .
ليلى زانا الفتاة الكردية الريفية (المولودة في بلدة سيليفان القريبة من دياربكر في 3/5/1961 م) و التي لم تكن تفقه من اللغة التركية شيئاً حتى لحظة القبض على زوجها وإبن عمها السياسي الكردي مهدي زانا رئيس بلدية مدينة ديار بكر كبرى مدن كردستان تركيا ( 1977ـ1980) بتهمة" تشجيع الإنفصال ومحاولة تقسيم تركيا" ( وهي التهمة/اللعنة التي تٌلاحق كل المناضلين الأكراد في تركيا ، وحتى هذه اللحظة ..) ، وسٌجنّ على أثرها 9 سنوات ، بقيت ليلى خلالها وحيدة مع طفليها حيث إجتهدت في التعليم وتحصيل المعرفة فتعلمت اللغة التركية ونجحت في متابعة دراستها الثانوية والجامعية ، من ثم بدأت تميل إلى السياسة والخوض في الشأن الكردي العام وذلك عبر ممارستها عدة نشاطات في صفوف الحزب الكردي الشعبي ، حيث كانت تتلقى دعماً كبيراً من جماهير دياربكر وغيرها من مدن كردستان تركيا لما كانت تحمله من مزايا نضالية وفدائية تميزت بها شخصيتها رغم صغر سنها في ذلك الحين ، وكذلك كانت تجد تأييداً جماهيرياً كبيراً عرفاناً لدور زوجها النائب مهدي زانا الذي سجنته الطغمة العسكرية الإنقلابية في بداية الثمانينات ، فبدأت الشابة ليلى تندمج في الحياة السياسية التركية شيئاً فشيء حتى لحظة ترشيحها من قبل الحزب الكردي إلى الإنتخابات البرلمانية التركية عن منطقة دياربكر وبدعم جمهور الحزب الشعبي الكردي . ولم تكن مغامرة ليلى السياسية بالأمر السهل أو اليسير خصوصاً وأن المؤسسة العسكرية التركية كانت قد قامت للتو بالإنقلاب على الحكم المدني ( ضمن سلسلة الإنقلابات الدائمة التي تقوم بها كل 10 سنوات بحجة التدخل لحماية إرث أتاتورك أو علمانية الدولة) وبدأت في شن حملات إعتقالات عشوائية في صفوف القوى الديمقراطية في تركيا من قوى اليسار التركي والمناضلين الأكراد ، ولم يكن للمدنيين الذين تسلموا الحكم بعد الإنقلاب العسكري أي قدرة على الخروج من تحت وصاية وإشراف المؤسسة العسكرية أو التصرف بشكل أٌحادي في المسائل القومية الحيوية بدون الرجوع إلى مجلس الأمن القومي وأخذ الضوء الأخضر من ممثلي المؤسسة العسكرية التركية ، فقد ألقي القبض عدة مرات على زانا ورفاقها في ظل التضييق الدائم على الناشطين الأكراد وخصوصاً العاملين في المناطق الكردية التي كانت الدولة قد أغلقتها وأعلنت فيها القوانيين الإستثنائية وأحكام الطوارئ منذ إندلاع المواجهات المسلحة بين حزب العمال الكردستاني ( الذي أعلن حرب التحرير الشعبية) والجيش التركي عام 1984 م ، فقد ألقي القبض على زانا في عام 1988 م ولمدة 59 يوماً لاقت خلال تلك الفترة تعذيباً شديداً سبب لها لاحقاً مشاكل صحية كثيرة نتيجة التعذيب وظروف الإعتقال السيئة في السجون التركية ( التي هي الأسوأ عالمياً ، حسب تقارير المنظمات الحقوقية المختصة في أوروبا وأميركا) . وكانت زانا مواظبة على العمل السياسي في صفوف حزب الشعب الكردي الإجتماعي حتى تاريخ فوز الحزب وإجتيازه خط ال10% والوصول إلى البرلمان التركي وذلك بالتحالف مع بعض القوى اليسارية التركية .

في 8/12/1996 حكمت محكمة أمن الدولة التركية بالسجن مدة عشر سنوات على النائبة الكردية ليلى زانا ورفاقها( خطيب دجلة ، أورهان أردوغان ، سليم ساداك) وذلك بتهمة "التآمر على الدولة والعمل على تمزيق الجمهورية التركية والإنفصال عنها والنيل من شرف الأمة بالتكلم بلغة أجنبية غير مفهومة داخل قبة البرلمان التركي "! ، وقد كان مضى على توقيفهم بالتهم الآنفة الذكر سنتين . تقول زانا وهي تصف الأيام القليلة التي سبقت إعتقالها في رسالة كتبتها للسيدة دانييل ميتران أرملة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران وصديقة الشعب الكردي " ...في 2/3 عندما وصلتٌ إلى البرلمان أعٌلمت بأن رئيس حزبنا خطيب دجلة موقوف ، وبعد لحظات قٌبض على زميلنا أورهان كذلك ، كان الضغط علينا شديداً أضطررنا معه على البقاء داخل البرلمان يوماً كاملاً ، وفي اليوم التالي جاؤوا وإقتادونا إلى محكمة أمن الدولة ...في 17 آذار قررت المحكمة توقيفنا إلى حين البت في{قضيتنا} .. أمي العزيزة أنا سعيدة جداً لمخاطبتك إياي بإبنتي ، إنه لأمر عظيم ومدعي للفخر أن يمتلك الإنسان أماً رائعة مثلك نذرت نفسها للدفاع عن حقوق شعب مناضل ، لقد كان بإمكاني إختيار الطريق السهل الذي لا يكلفني سلوكه أي ضريبة ، ولكني لم أفعل  ...أعرف أن الثمن المترتب علي غال جداً ، لكني مع ذلك قبلت هذا الثمن من أجل الوصول إلى الحرية والإخوة الحقة ، أعلم ما تقاسونه من مشاق من أجلي لذلك لن أطيل ، ...آمل أن أكون عند حسن ظن شعبي والمناضلين من أجل حرية الشعوب أمثالكم ، دمتم ...والسلام من إبنتكم ليلى " .
 

قضية النائبة الكردية السجينة في سجون الطغمة العنصرية في أنقرة هزّت كافة القوى الديمقراطية في العالم وأعادت إلى الأذهان قضية الأكراد المنسيين في كردستان الشمالية التي إبتلعتها تركيا الكمالية لحظة تفسخ وإندثار الإمبراطورية العثمانية ، ففي رسالة تضامنية من كلوديا روث ، رئيسة كتلة أحزاب الخضر في البرلمان الأوروبي جاء مايلي ( عندما تعرفتٌ عليك للمرة الأولى وسمعت حديثك عن حقوق الإنسان وضرورة تحقيق العدالة ، حينها أحسستٌ بمدى فداحة غياب العدالة المستقلة والحقوق المدنية في بلد ما ، تأثرتٌ كثيراً بجوابك القاطع على سؤالي : كيف يستطيع المرء ممارسة نضال سلمي ينشد حقوق الإنسان وهو يرى الآخرين من حوله يتساقطون قتلى ؟ ، كان ردك هكذا { ثمّة من يتقدمون الصفوف الأمامية دائماً عندما يغيب رفاقهم هناك} ، لقد لاحظتٌ إبتعادك عن الحديث حول وضعك الصحي ، في ذلك الحين لم تفعلي ذلك ، وأراك اليوم ـ وأنت في سجن أنقرة ـ أيضاً تتمادين في إنكار آلامك ...
في بداية 1994 م كنت في السجن ، ولم يكن من المسموح لي بزيارتك ، وقد كنت شاهدة على متابعة تلك القضية التي اّشتهرت ب" قضية الخيانة العظمى" ، كنت جالسة في المقدمة ، كم كان بودي أن أتمكن من مصافحتك ، لكن وجود الحرس بيننا حال دون ذلك ، لكني رأيتك في المساء على شاشة التلفزيون ، لفت إنتباهي وجهك الطفولي وبرأتك ، شعرت بالحزن العميق والغضب عندما سمعتٌ الإدعاء العام يٌطالب المحكمة بإنزال عقوبة الإعدام بك وبرفاقك... سمعته كذلك يقول إنه يحترم كلبه أكثر ما يحترمكم .
عزيزتي ليلى ، جلّ أمنيتي أن أراك في وقت قريب تحت قبة البرلمان : مكانك الطبيعي ، وثمة شيء آخر أحلم به : أن أراك ذات يوم تتحدثين تحت قبة البرلمان الأوروبي وبعد أن تٌنهين حديثك يفز سفير الجمهورية التركية على حين غرة ويشد على يديك وصوته يعلو الجمع :{ كم كنت أتمنى رؤية الكثير من أمثالك في دولتنا} ! )*.

> رغم المتغيرات الكبرى التي تشهدها الساحة العالمية الآن( إندثار أغلب الأنظمة العنصرية والتضييق على الديكتاتوريات القائمة ) ، إلا أن أحوال الأكراد في تركيا لا يبدو أنها تشهد أي تحسن ملحوظ (ناهيك عن التغيّرالبنيوي المنشود في تكوينية الإيديولوجية الأتاتوركية المؤسسة للدولة ... ) ، فرغم بعض الترقيعات هنا وهناك والتي تٌسمى بالإصلاحات( المفروضة من قبل الإتحاد الأوروبي كشرط لدخول تركيا الإتحاد) ، إلا إنها تبقى ناقصة وغير مكتملة ، والدليل حال النائبة الكردية ليلى زانا المسجونة منذ 10 سنوات بسبب التعبير عن هويتها الكردية فقط  ، كما من الملاحظ عدم وجود رغبة تركية ذاتية لحل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً/تصالحياً ، وكل الخطوات التي خطتها تركيا بإتجاه الإعتراف بالأكراد وحقوقهم هي في واقع الأمر تحدث تحت ضغوطات ومتابعة من الإتحاد الأوروبي ، وهي في أغلبها قوانين ووعود شفاهية لا تترجم إلى واقع عملي ملموس كما تواجه تطبيقاتها رفضاً كبيراً من مؤسسات الدولة.
والحال إن الإتحاد الأوروبي يقيس تقدم تركيا في درب الديمقراطية وتطبيق مقاييس كوبنهاغن بمدى التطبيقات العملية للقوانين الديمقراطية وليس سنها أو تحسينها أو إبتداع قوانين جديدة تبقى أسيرة الحيز النظري فقط . وتبقى تركيا ، وفي إنتظار نهاية 2004 موعد البت في طلب بدء مفاوضات الدخولية ، أمام مسٌتحقات حقيقية قد تٌعيد تشكيل العلاقة المحاورية داخل الدولة( العسكر+ النخبة العلمانية+ مراكز القوى والنفوذ الإقتصادي ) والحزب الإسلامي الحاكم ، وتٌعطي الأكراد حقوقهم وتبث في مفاصل الشمولية التركية المتحجرة نسغاً ديمقراطياً جديداً ، عندها فقط قد يبدو ثمة شيء جديد يتراءى تحت شمس أتاتورك المشرقة على تركيا منذ 80 عاماً !!.

* الفقرات من الرسائل مقتبسة من مقالة باللغة الكردية للزميل الإعلامي فرهاد أحمي .

القدس العربي 16 /12/2003

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- طارق حمو: جديد الإيديولوجية الشمولية: أخيراً: الإعتقال الإستباقي! (24.11.2003)
- طارق حمو: حكمة" لا أصدقاء سوى الجبال" مازالت نافذة: جلب عسكر تركيا أو الطعنة الأميركية الرابعة في الظهر الكردي! (17.10.2003)
- طارق حمو: جاهزون للقتل!!. (25.08.2003)
- طارق حمو: في سوريا، الدومري شاهداً: إصلاحات برسم المنع ... (06.08.2003)
- طارق حمو: أثبتت أن الإيديولوجية الشمولية ما زالت في عنفوان بطشها... سورية: عودة محكمة أمن الدولة الإستثنائية وأكذوبة الإصلاح!! (29.07.2003)
- طارق حمو: عن مجلس الحكم الإنتقالي في العراق - الأكراد وحكماء العراق (26.07.2003)
- طارق حمو: الأكراد والجمهورية التركية : إعادة الحسابات القديمة ، دائماً وأبداً (15.07.2003)
- طارق حمو: الوحدة الوطنية... عندما تفرض من الخارج (26.05.2003)
- طارق حمو: البازار التركي بين الجيش والاسلاميين: هل تبدأ الحرب بمجازر تركية ضد الاكراد؟ (15.03.2003) (pdf)
- طارق حمو: لم ينسوا بعد حكمتهم الذهبية "لا أصدقاء سوى الجبال" (25.02.2003)
- طارق حمو: اكراد العراق وشبح العودة الي المربع الأول! (21.02.2003)
- طارق حمو: الحكومة التركية ومأزق الحرب الأمريكية ضد العراق (19.01.2003)
- طارق حمو: كل الاجندة الامريكية تشير الي ضرورة اضطلاعها بدور اكثر حسما: تركيا تصفي حساباتها مع: العرب والاكراد و... النفط! (18.12.2002)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]