18.12.2002 - 00:30
كل الاجندة
الامريكية تشير
الي ضرورة
اضطلاعها بدور
اكثر حسما:
تركيا تصفي حساباتها مع: العرب والاكراد و... النفط!
طارق حمو*
tariqhemo@amude.com
القدس - 16.12.02
المراهنون من العرب، الذين صفقوا وهللوا لتسلم ياشار ياكيش حقيبة وزارة الخارجية التركية، عن حزب العدالة والتنمية الذي اكتسح الانتخابات التركية الاخيرة، بدعوي ان السيد ياكيش صاحب خبرة في العلاقات التركية ـ العربية، وقد عمل سابقا في السفارة التركية في بلدين عربيين، وبذلك (وحسب النمط من التفكير الفرادي الطاغي علي التحليلية العربية) فان السيد ياكيش، وزير الخارجية التركي الجديد سيعمل علي تحريك ودفع ركود العلاقات الهشة والمريضة بين العرب وتركيا، وكأن السياسة (الثابتة بقدر المصالح الثابتة) لدولة كبيرة وذات موقع جيو ـ استراتيجي هام مثل تركيا، سيطرأ تغيير عليها باحتلال شخص مثل ياكيش او غيره لهذا المنصب او ذاك، ونفس اولئك المهللين، وبسرعة صاعقة هذه المرة، اصيبوا بصدمة كبيرة من تصريحات وزير الخارجية التركي الاخيرة بعد لقائه نائب وزير الدفاع الامريكي، والمتضمنة امكانية السماح للقوات الامريكية بالانطلاق والكر من القواعد العسكرية التركية في انجرليك وديار بكر، وباتمان، واعطاء الضوء الاخضر (وان بدا خافتا وخجولا في بداية الأمر) للولايات المتحدة بالسماح لاستقدام 180 الف جندي امريكي، تحضيرا للضربة العسكرية القادمة ضد العراق، والتي يبدو ان الولايات المتحدة قد استقرت اخيرا علي جدوي تسديدها من الجهة الشمالية وبمساعدة لوجستية وعسكرية كبيرة تلتزم تركيا بتقديمها وتأمين سبل امدادها وتوصيلها الي حين اكتمال نجاح العملية كلها والقضاء علي نظام الرئيس العراقي صدام حسين وتعيين حاكم عسكري او رئيس عراقي، حسب ما تراه واشنطن آنذاك مناسبا للحال. والأكثر من ذلك، وبالاعتماد علي المعلومات المتسربة والمتاحة حاليا في السوق الاخبارية التركية، فان تركيا تسلمت طلبا رسميا من الولايات المتحدة بالسماح لها بنشر اكثر من 100 الف جندي امريكي والمســــــاهمة بحوالي 30 الف جـــــندي لضمان تســــهيل عملية الغزو وضبط الحدود في حال تدفق اللاجئين العراقيين تحت ظروف الحرب والقصف الي الحدود التركية ـ العراقية (انظر صحيفة Hurrayet التركية). بول وولفيتز، نائب وزير الدفاع الامريكي، دشن في زيارته هذه، كما يبدو، الصيغة النهائية للسيناريو الاخير والمختار في الحرب ضد العراق، فبعد زيارة رئيس اركان الجيش التركي الجنرال حلمي اوزكوك للولايات المتحدة في الشهر الماضي، والذي فاوض الامريكان حول الفوائد والاستحقاقات التي ستجنيها تركيا من هذه الصفقة، نيابة عن الشعب والحكومة والبرلمان التركي، وهي ضربة اخري لأولئك المصفقين والمراهنين علي دور الحكومة التركية، الجديدة، وحزب العدالة والتنمية (والذي لم يفلح زعيمه ذو الشعبية الكاسحة، من الحصول علي حقيبة او حتي.. صفة نائب) في تغيير دفة السياسة الخارجية التركية تجاه الدول الجارة، وكان اوزكوك اكثر صرامة وصدقا وشجاعة مع النفس، لحظة وصوله من جولته، اذ صرح بان الجيش (حامي حمي العلمانية والجمهورية الاتاتوركية) لن يسمح او يتسامح ابدا مع القوي الرجعية والانفصالية التي تهدد قيم الجمهورية ووحدة البلاد. والحال ان حكومة السيد عبد الله غول تعرف جيدا عدد الاوراق وحجمها وقوتها الفعلية في ظروف وشروط اللعبة الجارية حاليا في المنطقة، داخليا واقليميا، وتعرف يقين المعرفة ان امكانية الاناطة بأي دور حساس ومؤثر، وخصوصا في ملف العلاقة مع امريكا، غير مسموح به من قبل المؤسسة العسكرية، لذلك لا تجد الحكومة بدا من الانكفاء علي الشأن الاقتصادي والايحاء بأنها تعمل جاهدة للحصول علي اكبر قدر ممكن من المساعدات الاقتصادية والغاء الديون الامريكية والاوروبية المترتبة علي تركيا ولسان حالها يقول المشاركة ستتيح لتركيا ـ اذا ما وقعت ـ فوائد جمة ستغنيها وتضعها في وضع سياسي وتفاوضي اكثر مناسبة وراحة في نزاعاتها مع خصومها التقليديين. فعلي الصعيد الاوروبي: سمع العالم كله تصريح وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، في دعم بريطانيا لتوجهات تركيا للدخول في النادي الاوروبي، وان بريطانيا ستدعم هذه التوجهات بقوة وستعمل علي اقناع شركائها في المجموعة بهذا الشأن، وهو ما سبقته تصريحات الرئيس الامريكي جورج بوش حول شعور واشنطن بالارتياح اذ ما اقدمت اوروبا علي فتح باب العضوية امام تركيا. واستطرد بوش ان اوروبا ستكون اكثر قوة مع تركيا، وسيضمن لها ذلك رفاهية ودفعا اقتصاديا اكثر، وتأتي هكذا تصريحات وقبل القمة الاوروبية في كوبنهاغن 12/12 / 2002، لتزيد في الموقف التركي قوة، وتوصل رسالة مباشرة لتلك الدول المعارضة او غير المتحمسة لانضمام تركيا الي النادي الاوروبي. تركيا اذن، والحال هذه، تعلم جيدا كيف تتفنن في حبك خيوط اللعبة وارسالها بشكل افقي هنا وعمودي هناك، لتستقطب اكبر قدر ممكن من الغنائم والخيرات التي ستتلقفها البطون الجائعة لملايين الاتراك، (بعض المصادر تتحدث عن مساعدات هائلة تبدأ بدفعة اولية قدرها 800 مليون دولار) امام هكذا وضع، لن تدخر تركيا اي جهد في تسيير وبعث دبلوماسية استقطاب المكاسب من كل الشركاء والخصوم: الاتحاد الاوروبي وامريكا والعرب، فقضية قبرص طبعا، ستجد حلا منصفا ومرضيا في آخر الأمر، وستضمن لتركيا ـ كما بقيت خلال السنين الماضية ـ مكانا مريحا في الطاولة اكثر راحة في مواجهة احد الد خصومها: اليونان، (وساعة كتابة هذه السطور، كانت المناقشات والمفاوضات جارية بين وزيري خارجية تركيا واليونان للتوصل الي صيغة مناسبة ومتوافقة حول مستقبل ومصير هذه الجزيرة الصغيرة التي قسمتها وفرقتها صراعات البلدين). ويبقي ان الاتفاق او تقديم التنازلات من كل طرف لردم فجوات خطة كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة، قد تبدو كافية وكفيلة بالتوصل الي اتفاق تاريخي ينهي هذا الصراع الدامي، ويوحد الشطرين لينضما وتركيا الي الاتحاد الاوروبي. ومن جهة اخري، فتأمين الدعم التركي الحيوي لجحافل القوات الامريكية والمشاركة بقوات خاصة تركية تعد بعشرات الآلاف، ومن جهة (الشمال العراقي) سيضمن لتركيا هناك مكانا طالما حلمت، وسعت للدخول فيه بكل الطرق، منطقة كردستان العراقية لضمان تحقيق هدفيها الاستراتيجيين (وهما اكثر اهمية وحيوية من اي موضوع آخر)، عدم ضمان قيام دولة كردية حين سقوط نظام صدام حسين والسيطرة علي آبار نفط كركوك وتمكين الاقلية التركمانية هناك من السيطرة علي المدينة، وحرمان الاكراد من التوسع في المناطق الجغرافية الخارجة حاليا عن سيطرتهم. الاكراد بدورهم، والذين فشلوا في تأمين اي ضمانة امريكية ملموسة تضمن لهم عدم غدر النظام العراقي والزحف العسكري التركي علي المناطق الكردية التي شهدت نموا واستقرارا نسبيا خلال العقد الماضي الذي عاشه الاكراد بعيدا عن سلطة النظام العراقي، ولا تخفي الاجندة الكردية توجسها من النوايا الامريكية تجاه مستقبل المنطقة، حيث تبدو الادارة الامريكية في سعيها المحموم لتقويض النظام العراقي الي بناء تحالفات جديدة تجب كل ما كان قبلها من تحالفات ووعود، فالصيغة الفيدرالية التي طرحها الحزبان الكرديان الرئيسيان في كردستان الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي وافق عليها البرلمان الكردي المحلي باغلبية ساحقة عام 1992م، تواجه هذه الأيام عدة اعتراضات من بعض مجموعات المعارضة العراقية، فضلا عن المعارضة والقلاقل التي تنوي تركيا خلقها في سبيل منع حصول الاكراد علي اي وضع يعطيهم استقلالية ما، يشجع المخزون الكردي الهائل في كردستان الشمالية، الخاضعة تحت سيطرة الدول التركية منذ زوال الامبراطورية العثمانية، عدم الحماس للمشروع الفيدرالي الكردي من جانب بعض قوي المعارضة العراقية، وعدم تقديم الولايات المتحدة اي ضمانة حقيقية وواضحة لتأييد وحماية هذا المشروع، يشير في كل الاتجاهات الي تأكيد وجود ثمة صفقة سرية بين الادارة الامريكية والعسكر في تركيا لا يدري بها الاكراد، ويكونون ـ علي جري العادة ـ آخر من يعلمون. التجارب الكردية مع الولايات المتحدة غير مشجعة بالمرة، فباستثناء حماية مناطق الحظر الجوي من انتقام قوات النظام العراقي، والتي اقترحتها فرنسا واستصدر من اجل ذلك قرار من مجلس الأمن الدولي، فان الذاكرة الكردية تحمل الكثير عن قصص ووعود الامريكان. في سنة 1975م هندس هنري كيسنجر، وزير الخارجية الامريكي آنذاك، اتفاق الجزائر مع كل من شاه ايران، وصدام حسين (نائب الرئيس العراقي في ذاك الوقت) والذي اسفر عن خنق الثورة الكردية واستسلام رجالاتها. المحطة الثانية كانت سنة 1988م حينما هاجمت القوات العراقية مدينة حلبجة الكردية بالمبيدات الكيماوية، مخلفة اكثر من 5000 شخص قضوا تحت سمع وبصر الامريكان وبتواطيء دبلوماسي واضح، رغم كل المناشدات والتحركات الدولية آنذاك، اما المحطة الثالثة والاقرب، وبالتالي الاكثر استخلاصا للعبرة والدرس، فكانت سنة 1991م حين قامت القوات الكردية (البيشمركة) بانتفاضة عارمة ضد القوات العراقية ما لبثت ان سحقت من قبل الاخيرة، بعد سحب الغطاء الجوي ووقف الزحف الامريكي (معطية بذلك المجال لقوات الحرس الجمهوري العراقي في قمع القوات الكردية). امام هكذا ذكريات مرة، وامام ما يتراءي رويدا رويدا خلف الأكمة، لا تملك القيادات الكردية سوي ان تشد من ازر بعضها البعض، وتوحد ما لديها من قوي وامكانات استعدادا للدفاع عن مكتسبات السنوات الماضية، فليس من المعقول ابدا، التخلص من نظام قضي علي مئات الآلاف من شعبه، لاستبداله بآخرين مستوردين، لن يأخذوا برأيه، او حتي، لن يعترفوا بوجوده اصلا!
* صحافي كردي
مقيم في
المانيا
|
|
|