19.05.2003 - 10:06
الى من
تهمه هذه
الشهادة
التأريخية
النادرة
الحاكم
طه بابان*
يوم (14/5/2003)
زارني احد
الحكام
المتقاعدين
من ديوان
وزارة العدل
للنظر في امر
اعادته الى
الخدمة، جرنا
الحديث في
جلستنا تلك
الى المصير
الرهيب الذي
انتهى اليه
برزانيو مجمع
"قوشتبه" في
اواخر عام 1983 وكيف
جمعوا من ذكور
القبيلة من
تتراوح اعمارهم
بين 15-60 سنة
ثمانية الاف
ومائة وخمسون
فرداً كي
يدفنوا احياء
في رمال
البادية الجنوبية
وكيف قدر لي
التعرف على
شخصية عربية التقى
في حينه،
عندما كان
يعمل في مدينة
الديوانية،
مسؤولا بعثيا
هناك كان
واحداً ممن حضروا
عملية الدفن
وقد ثبتّ
افادته بأمانة
في
كتابي (عالم
الكرد المرعب)
ص 154-156.
ولكم
تصور مبلغ
دهشتي عندما
قال ذلك
الحاكم: ولماذا
تلك الشهادة؟
فأنا شخصياً
حضرت بحكم
وظيفتي كحاكم
تحقيق في
السماوة
عملية دفن
مماثلة أكثر
شناعة مما
ذكرته ومن
الآن الكلام
لذلك الحاكم:
في عام 1989
وبينما كنت
منهمكاً في
عملي اذا بجرس
التلفون يرن،
فوجدت في
الطرف الاخر
مدير امن
المحافظة
طالباً مني
موافاته في
مكتبه فهناك
مهمة كما قال
لي تستوجب
مشاركتي فيها
بصفتي
الرسمية
كحاكم دون انه
يقول لي نوع
المهمة. عندما
التقتية في
مكتبه لم اجده
وحيدا بل كان
معه عدد اخر
من المسؤولين
الاداريين
والحزبيين.
وبمجرد دخولي
مكتبه نهض من
مكانه قائلا
لمن حوله
لنذهب.
بعد ان
ركبنا عدداً
من السيارات
ومعهم طبعاً
عدد كبير من
الاتباع
والحماية
توجهوا الى
خارج المدينة
متجهين الى
صحارى
البادية
الجنوبية حيث
سلكنا طريق
معتقل نقرة
السلمان
السيئ الصيت.
طوال
الطريق لم
نتبادل أي
حديث وقد
احجمت بدوري
عن توجيه اى
سؤال او طلب
توضيح ففي ظل
النظام البعثي
البوليسي
تتخذ حتى
الامور
الاعتيادية
طابع السرية
المشوب
بالحذر
والحيطة مما
يدفع بالانسان
غريزيا الى
السكوت
والترقب..
كم
استغرقت
الرحلة؟ ساعة
ساعتين لا
ادري بالتحديد
فلم اعد للوقت
اهمية ولكن في
مكان ما من
الطريق
انحرفنا الى
الجهنة
اليمنى وبعد
ان قطعنا عددا
من
الكيلومترات
من تلك
البراري ظهر
عن بعد عدد من
السيارات من
نوع القلاب
وماكنة
حفر(شفل)
والاخيرة قد
احدثت في
الارض حفرة
دائرية كبيرة
بعمق مترين
وقطر لا تقل
عن عشرين مترا
وكانت من
السعة بحيث
كانت تدخل
الحفرة وتخرج
حاملا معها
كميات كبيرة
من التراب
بسهولة ويسر..
وبعد
ان اكملت
الحفارة
عملها ارسل
مدير الامن في
طلب القلابات,
وقد فاتني ان
اذكر وجود عدد
كبير من
الجنود
المدججين
بالسلاح لا
يقل عددهم عن
خمسين جنديا
مع آمريهم..
ما حدث
بعد ذلك يصعب
على الانسان
وصفه.. لقد كان
حدثا فريدا لم
يقدر إلا لقلة
قليلة في
العالم
مشاهدته..
جاءت
القلابة
الاولى وقد
اعطوا
لسائقها التعليمات
بان يعطي
مؤخرتها
للحفرة بحيث
لا تفصل
مؤخرتها عن
حافة الحفرة
بأكثر من نصف
متر ثم امروا
سائقها
بتفريغ
حمولتها
فشرعت مقدمة بدن
القلابة
بالارتفاع
رويدا رويدا..
لقد صعقت وقلت
في سري يا ربي
ما الذي اراه؟!
لقد كانت
حمولتها
كائنات
بشرية!!
وكانوا حصرا
من النساء
والاطفال
فانزلقوا
جميعا الى داخل
الحفرة وكان
صياحهم يرتفع
الى عنان
السماء عندما
كانوا
يرتطمون بقاع
الحفرة او من
الخوف
القاتل.. وحذت
القلابتان
الاخريتان
حذو الاولى،
عندئذ شرع
الجنود
المحيطون
بالحفرة باطلاق
الرصاص عليهم
الى ان سكتوا
جميعا ثم امروا
سائق الحفارة
باهالة
التراب عليهم
وكان بعضهم
يتلوى من
الالم او من
نزعهم الاخير
وربما كان
فيهم تصنع
الموت بامل ان
ينجو بنفسه
ولكن قبروا
أحياء!!..
وبعد
ان تنهد
الحاكم
تنهيدة عميقة
قال ان اشد ما
آلمني كان
صبيا في التاسعة
او العاشرة من
عمره تمسك
بمؤخرة القلاب
وبقي متدليا
لا يقبل فكاكا
فتناول مدير
الامن رشاشة
احد الجنود
فاطلق عليه
النار ووقع هو
بدوره ايضا
الى حفرة
الموت متضرجا
بدمائه.
وبعد
انتهاء
العملية طلب
مني مدير
الامن تنظيم
محضر ابين فيه
اننا حضرنا
تنفيذ حكم
الاعدام
بالمذكورين
في هذه القاعة
التي تبدأ باسم
فلان وتنتهي
باسم فلان
وكان عددهم(1500) شخص!
ووقعنا على
هذا المحضر..
وبعد
ان استرد
الحاكم هدوءه
سألته عن هوية
المعدومين؟
قال انهم
كانوا من كرد
بادينان وانا
اقول ارجح
الظن انهم
كانوا ضحايا
عملية الانفال
الثامنة التي
جرت في تلك
المنطقة من
25/آب الى
6/ايلول/1988 كما ابديت
للحاكم
استغرابي عن
كيفية
استيعاب ثلاث
قلابات لهذا
العدد الكبير,
اجاب الحاكم:
ان القلابات
لم تكن من
النوع الشائع
الذي نراه انها
من نوع آخر
اطول من النوع
المعتاد
بثلاثة مرات
وربما اكثر.
كما
طلبت منه وصف
حالته
النفسية عند
مشاهدته لتلك
العملية
الرهيبة
قفقال: انها
لا توصف ولكني
لأشهر بعد ذلك
فقدت شهيتي
للاكل
وانتابتني
حالة ارق حادة..
واضاف
الحاكم وهذا
مهم للغاية
انه قادر على
التعرف على
مكان الحفرة
التي جرت في
داخلها المذبحة
اذا اريد منه
ارشادهم
اليها .
وختم
السيد الحاكم
كلامه قائلا:
كنت في حينه
والى ساعة
تحرير العراق
من قبضة صدام
الدموية ألعن
حظي العاثر
الذي جعلني ان
اشاهد دون
غيري تلك
الجريمة
البشعة التي
لانظير لها في
عالمنا
المعاصر..
ولكن الآن
وبعد تحرير
العراق اختلفت
نظرتي الى
الموضوع
واقول: لو لم
اشاهد انا تلك
الحادثة ربما
لا يكون من
بين المشاهدين
الاخرين واحد
روى خبر تلك
الفاجعة الى
المجتمع
البشري كما
افعل انا الآن
ولفه النسيان
الى الابد.
وانا
اقول ان هذه
الشهادة في
غاية الاهمية
والوثوق
لانها صادرة
عن حاكم اقتيد
بحكم وظيفته
قسرا لمشاهدة
تلك المذبحة
وخاصة انه لا
يزال قادرا
على التعرف
على مكان المذبحة.
*طه
بابان :حاكم
تحقيق في
مدينة
السليمانية
|