25.03.2003 - 00:55
أمريكا
والعراق:
هيهات أن يكون
السلام في سهولة
الغزو
وضعت
القدم في
المتر الأول
من المستنقع..
والقادم أعظم
صبحي حديدي
s.hadidi@libertysurf.fr
مع تساقط
الرشقات
الأولي من
صواريخ كروز
الأمريكية
علي بغداد،
وضعت
الولايات
المتحدة قدميها
في المتر
الأوّل من
المستنقع
العراقي، وهي
توشك بالتالي علي
التوغّل أبعد
ــ وأعمق
وأعقد ــ في
مياه أخري غير
ضحلة، حيث
المفاجيء
والطاريء
واللامتوقع
واللامحسوب،
أو حيث يكمن
صندوق باندورا
دون سواه، إذا
شئنا اللجوء
إلي كتاب
الرموز
الغربية.
العين لا
تقاوم المخرز
بالطبع،
والأشدّ سهولة
في هذه
المغامرة
الأمريكية
الإمبراطورية
ـ
الإمبريالية
هو الإنتصار
العسكري: شتّان
ما بين الآلة
العسكرية
الأمريكية
الأقوي
والأعتي،
والآلة
العسكرية
العراقية الصدئة
العتيقة. سهل،
أيضاً، أن
تخترع واشنطن
عشرات
الذرائع التي
تجعل الحرب
خياراً وحيداً،
أو تجعل هذا
الخيار أمراً
خارجاً عن
إرادة البيت
الأبيض، بل
ومفروضاً علي
الرئيس
الأمريكي الذي
يكره الحرب
ولا يجنح إلا
للسلام! خذوا،
مثلاً، قرار
الولايات
المتحدة قصف
يوغوسلافيا
في العام 1999:
إمّا أن
تسلّموا
كوسوفو، ومن
ثمّ البلاد
بأسرها،
للغزو
الخارجي، أو
هي الحرب. أو
مثال
أفغانستان في
العام 2001: إمّا تسليم
أسامة بن
لادن، أو
الحرب. أو
العراق اليوم:
إمّا رحيل
صدّام وابنيه
وأعوانه
الأقربين، أو
الحرب.
غير أنّ
الأوحال
الحقيقية في
المستنقع
العراقي لا
تبدأ من حيث
يبدأ الشطر
العسكري في
برنامج الغزو
الأمريكي، أو
من اكتمال
الحجة الأمريكية
في تغليب
الحرب علي
الدبلوماسية،
بل من حيث
تنتهي أعمال
هذَين الشطرين
تحديداً، حين
يتوجب علي
الغازي
مواجهة الحقائق
الأخري ـــ
الصلدة
الصعبة
العسيرة، الأشدّ
إثقالاً
للكاهل من
حقائق القتال
ــ ومعالجتها
واحدة تلو
الأخري. وما
يجعل هذه المهامّ
شائكة أكثر
فأكثر، هو
حقيقة أنّ
الولايات المتحدة
وضعت المجتمع
الدولي،
ممثلاً في
الأمم
المتحدة
وأقرب
الحلفاء
الأوروبيين،
وراء ظهرها
تماماً...
وبالكثير من
الغطرسة
والتصغير
والتحقير.
ونعرف ــ من
تجارب الحروب
كافّة، وحروب
الولايات
المتحدة
خصوصاً
وتحديداً ــ
أنّ كسب الحرب
لا يعني البتة
كسب السلام:
السلام
بمعناه
الأعرض
المركّب،
الذي يتجاوز
وقف إطلاق
النار
وانتهاء
الأعمال
العسكرية،
والذي لا يعني
ما هو أقلّ من
استثمار
نتائج الحرب
لصالح القوّة
الظافرة، في
المستويات
الجيو ـ
سياسية
والإقتصادية
في البدء، ثمّ
في المستويات
الأخري
التالية،
المباشرة
وغير المباشرة.
و السلام
العراقي الذي
تسعي إليه
الولايات المتحدة
متعدد الأوجه
نظرياً،
ولكنّه عملياً
يخصّ الملفات
الثلاثة
التالية:
النفط العراقي،
الإستيطان
العسكري،
التحويلات
السياسة التي
اصطُلح علي
تسميتها بـ
تغيير النظام
.
ففي مسعي
السيطرة علي
النفط
العراقي،
الإحتياطيّ الأوّل
في العالم كما
تقول أحدث
التقديرات، لا
تكتفي
الولايات
المتحدة بهدف
واحد يتمثل في
تأمين
حاجاتها إلي
الطاقة فحسب،
بل تريد إكمال
طوق السيطرة
غير المباشرة
علي نفط السعودية
والكويت،
والامساك
تالياً بورقة
ضغط اقتصادية
ـ سياسية
كونية حاسمة
يطلق عليها
جوستن بودر
تسمية الفيتو
النفطي . وفي
الترجمة
العملية
لأبجدية هذه
السيطرة،
يصبح في وسع
الولايات
المتحدة أن
تضغط علي
اقتصاديات
دول منافسة
(مثل أوروبا
واليابان)، أو
مرشحة
للمنافسة مستقبلاً
(مثل الصين
وروسيا
والهند).
وفي ملفّ
الإستيطان
العسكري تدرك
الولايات المتحدة
أنها بحاجة
إلي التواجد
العسكري،
الدائم والكثيف
والمستقرّ،
في منطقة
الشرق الأوسط.
لكن واشنطن
تدرك، من جانب
آخر، أنّ
استمرار تواجدها
الكثيف في
السعودية
والكويت
تحوّل إلي عبء
سياسي علي آل
سعود وآل
الصباح، وبات
بمثابة حاضنة
خصبة لتفريخ
مشاعر العداء
للولايات المتحدة،
واستيلاد
المزيد من
نماذج أسامة
بن لادن،
وتعريض أمن
النظامين
الحاكمين
لمخاطر مباشرة.
وهكذا فإنّ
قرار غزو
العراق
واحتلاله يعني،
أيضاً،
الاستيطان
فيه عسكرياً
إلي أمد طويل
وربما أبدي
(في حسابات
واشنطن علي
الأقلّ)،
وتخفيف العبء
عن دول
الخليج،
وحراسة الدولة
العبرية عن
بُعد، وإحكام
القبضة علي
المنطقة
بأسرها
عملياً.
ويبقي الملفّ
السياسي، وفي
بعض حيثياته
العجيبة
المتناقضة ما
يحلم به
رجالات
الرئيس (من أصحاب
مشروع قرن
أمريكي جديد ،
ومن أمثال بول
ولفوفيتز
وريشارد بيرل
خصوصاً) حول
تحويل العراق
إلي دولة ـ
أمثولة ، حاملة
للقِيَم
الأمريكية (في
طبعتها
الرجعية أو
النيو ـ
محافظة)،
وناقلة لـ
فيروس الديمقراطية
إلي أربع رياح
الشرق الأوسط.
والأسابيع
القليلة
الماضية دفعت
بهذا النقاش
إلي الكواليس
بعض الشيء،
ليس لأنّ
أصحابه فقدوا
الإيمان به
(عن حسن نيّة
أو سوء طوية)،
بل لأنّ الأولوية
القصوي في
أشغال
الإدارة كانت
ممنوحة
لاعتبارات
التمهيد
العسكري علي
الأرض، وإنقاذ
ماء وجه
الحليف
الأبرز، رئيس
الوزراء البريطاني
توني بلير.
وحتي تسقط
الموجات
اللاحقة من
الـ 3000 صاروخ كروز
التي وعد
البنتاغون
بإسقاطها علي
العراق، أي
حتي تتوغل
واشنطن في أمتار
إضافية من
المستنقع
العراقي،
وتغرق أكثر
فأكثر في
أوحال أعمق،
في وسع المرء
أن يرصد مأزق
الغزو
الأمريكي في
العراق من
خلال ملفّ
أوّل، أبسط
وأكثر وضوحاً
في المعطيات،
هو ملفّ
الأكراد في
شمال العراق.
ها هنا سوف
تتكشّف أوراق
الغزو
العسكري في
اثنَين علي
الأقلّ من
الملفات
الحاسمة
(النفط،
والوعد
بالديمقراطية)،
وها هنا سوف
تبدأ أوحال
المستنقع العراقي
في الإطباق
علي قدمَي
المارد
الأمريكي،
القادم
مدججاً بكلّ
أثقال
الغطرسة
وأحمال
التكنولوجيا
العسكرية
البربرية.
والأكراد في
شمال العراق
يسيطرون علي
مساحة تبلغ 83
ألف كم مربع،
أي ما يقارب
مساحة دولة
أوروبية مثل
النمسا، تشمل
الحدود
الشمالية
للعراق مع
سورية وتركيا
وإيران.
والقوّات
العسكرية
الكردية،
ورغم تسليحها
الخفيف، تشكل
جيشاً حقيقياً
مدرّباً يبلغ
تعداده نحو 65
ألف عسكري تحت
إمرة مسعود
البارزاني
زعيم الحزب
الديمقراطي الكردستاني
، ومثل هذا
العدد
تقريباً تحت
إمرة جلال
الطالباني
زعيم الإتحاد
الوطني
لكردستان .
وهذه القوّة
تكتسب مغزاها
العملي حين
نتذكّر أن عدد
قوّات تحالف
الشمال في
أفغانستان لم
يكن يتجاوز
الـ 5000 مقاتل
عند بدء الحرب
الأمريكية
ضدّ الطالبان.
ومنذ عام 1997،
وبموجب قرار
مجلس الأمن
الدولي رقم 986
حول النفط مقابل
الغذاء ،
يتلقي
الأكراد
أموالاً
وفيرة من
عائدات بيع
النفط
العراقي،
الأمر الذي
جعل منطقة
الحكم الذاتي
هذه كياناً
مستقراً سياسياً
ومزدهراً
اقتصادياً.
لكنّ الأكراد
يشكلون معضلة
حقيقية في
المخطط
الأمريكي
لغزو العراق،
ولعلّ الأيام
القادمة سوف
تبرهن أنهم
المعضلة
الأكثر
تعقيداً
وديمومة،
وذلك لأسباب
جيو ـ سياسية
متعددة. وأوّل
الأسباب أنّ الأكراد
ليسوا
مستعدين
للتنازل عن
المكاسب التي
أنجزوها في
كردستان
المصغّرة
هذه، والأرجح
أنهم سوف
يقاتلون
بشراسة ليس
دفاعاً عنها
فحسب، بل
أيضاً من أجل
الحصول علي
حصّتهم من
الكعكعة
العراقية حين
يأتي أوان
اقتسامها.
وهذه المرّة
لن يقبل
الأكراد
خيانة ثانية
من آل بوش،
بعد الخيانة
الأولي
الشهيرة التي
وقعت في فبراير
1991، حين دعاهم
جورج بوش الأب
إلي التمرّد
علي الرئيس
العراقي
صدّام حسين،
ثمّ تخلي
عنهم. وهم
اليوم يرددون
الحكمة
الشهيـــرة:
إذا
خدعتَنـــــي
مرّة، فالعيب
عليك. أمّا
إذا خدعتني
مرّتين،
فالعيـــب
عليّ .
وفي الواقع
يدرك الأكراد
أنّ تاريخهم
الحديث هو
سلسلة من
خيانات الغرب
لمطامحهم
المشروعة في
تقرير المصير
وتأسيس
دولتهم
القومية. ففي
العام 1918 نصّت
مباديء
الرئيس
الأمريكي
وودرو ولسون
علي حقّ تقرير
المصير لكلّ
الأقليات غير التركية
في ظلّ الدولة
العثمانية.
وفي العام 1920
نصّت اتفاقية
سيفر علي
إقامة دولة
كردية، لكن
اتفاقية
لوزان للعام 1923
ألغت بنود
اتفاقية سيفر
وتمّ توزيع
المناطق التي
يعيش فيها
الأكراد علي
تركيا وإيران
والعراق وسورية
والإتحاد
السوفييتي.
وفي العام 1924
اعترفت بريطانيا
بحقّ الأكراد
في تأسيس دولة
مستقلة، دون
أن تتخذ أي
خطوة عملية في
هذا السبيل. وفي
عام 1975، وبعد أن
توصل العراق
إلي تفاهم مع
إيران بموجب
اتفاقية
الجزائر،
تخلّت إيران
والولايات
المتحدة
(وبناء علي
نصيحة مباشرة
من وزير
الخارجية
آنذاك هنري
كيسنجر) عن دعم
الأكراد. وفي
العام 1988 سكتت
الولايات
المتحدة
وبريطانيا عن
قصف بلدة
حلبجا
الكردية بالغازات
السامة،
بذريعة أنّ
المصالـــــح
الحيوية
الأمريكية
تقتضي الحفاظ
علي استقرار النظام
العراقي.
السبب الثاني
الذي يجعل
الأكراد
معضلة حقيقية
في التخطيط
العسكري
الأمريكي هو
حقيقة أنّ
أحلام
الأكراد في
حقّ تقرير
المصير
وإنشاء دولة
مستقلّة هي
بمثابة
كوابيس
كارثية بالنسبة
إلي تركيا،
الدولة
الحليفة
للولايات المتحدة
والعنصر
الأساسي في
مخططات غزو
العراق. لكنّ
واشنطن لا
تستطيع في
واقع الأمر
تغيير الكثير
من معطيات هذا
الملفّ، لأنّ
الأتراك لن
يتخلوا عن
الحقّ في
توغّل قوّاتهم
داخل العمق
العراقي ـ
الكردي
(بذرائع عديدة،
علي رأسها منع
تدفق
المهاجرين
إلي الأراضي
التركية)، في
حين أنّ
القوات
الكردية سوف ترفض
هذا التوغل
التركي
وتعتبره
احتلالاً عسكرياً
مباشراً،
ولسوف تقاتل
بشراسة لصدّه وإيقافه.
والأمر
ببساطة سوف
يعني خلق جبهة
قتال ثانية
تضع الأكراد
في مواجهة
الأتراك، بدل
جبهة القتال
الأولي التي
ينبغي أن تضع
الجميع في
مواجهة صدّام
حسين.
السبب الثالث
تختصره كلمة
واحدة: كركوك.
فهذه المدينة
تعتبر أورشليم
الأكراد ،
لأنهم
استوطنوها
منذ آلاف
السنين،
ولأنّها
احتوت علي
الكثير من
فصول تاريخهم
القديم
والوسيط
والحديث،
ولأنها
العاصمة الحتمية
لأية دولة
كردية مستقلة
قادمة. والحقّ
أنّ الأكراد
لا يطمعون في
احتلال
كركوك، الواقعة
اليوم تحت
السيطرة
المركزية
العراقية، لأسباب
تاريخية ـ
ثقافية فحسب،
بل لأسباب اقتصادية
أيضاً
وأساساً ربما.
ذلك لأنّ
منطقة كركرك
هي أقدم وأغزر
مواقع
استخراج
النفط العراقي،
ويعلم الجميع
اليوم أنّ
احتياطيها يبلغ
01 مليارات
برميل علي
الأقل. وليس
مستبعداً، بالتالي،
أن ينخرط
الأكراد
أنفسهم في
اقتتال داخلي
من أجل
السيطرة علي
المدينة
وثرواتها النفطية
الهائلة. ومن
المعروف أنّ
الوئام الحالي
بين الحزبين
الرئيسيين،
الحزب الديمقراطي
الكردستاني و
الإتحاد
الوطني
لكردستان ،
يخفي خلافات
حادّة
وجوهرية
دفعتهما في الماضي
إلي مواجهات
مسلحة دامية
أسفرت عن
الكثير من الخسائر
البشرية
والخراب
المادي.
غير أنّ ملفّ
كركوك لا
ينتهي هنا في
الواقع، لأنّ
تركيا لا تقلّ
عن الأكراد
طمعاً في
ثروات المنطقة،
وهي تعتبرها
أبرز الخطوط
الحمر التي لا
تسمح للأكراد
بتجاوزها.
والأتراك لهم
ذرائعهم التاريخية
والثقافية
التي تجعلهم
يبررون أطماعهم
في المنطقة،
لأنّ كركوك
تضمّ أكثر من 350
ألفا، وأنقرة
تتحدّث عن
مليون،
تركماني
يعودون في
أصولهم إلي
الأرومة
التركية
ذاتها، بل ويعتبرون
كركوك
عاصمتهم
التاريخية
أيضاً! وفي كلّ
حال، إذا كانت
تركيا لا
توافق أبداً
علي مبدأ قيام
دولة كردية
مستقلة في
شمال العراق، فإنها
بالتأكيد لن
تسمح للكيان
الكردي الحالي
بحيازة أرض
تحتوي علي
ثروات خرافية
تجعل من
الأكراد قوّة
اقتصادية
عظمي علي صعيد
إقليمي.
ولهذا لم يكن
غريباً أن
يتبلغ
الأكراد،
وعلي لسان
المندوب
الأمريكي إلي
مؤتمرات
المعارضة
العراقية
زلماي
خليازاد، أنّ
واشنطن لن تسمح
للقوّات
الكردية بأيّ
تحرّك عسكري
خارج مناطق
السيطرة
الحالية من
جانب أوّل،
وأنها من جانب
ثانٍ تتمني أن
لا يعرقل
الأكراد الخطط
العسكرية
التي تتمّ
بتنسيق
أمريكي ـ تركي
داخل الأراضي
العراقية.
والأخبار
اليوم تقول إنّ
القيادات
الكردية وضعت
نفسها تحت
تصرّف القوات
الأمريكية
الغازية، حتي
قبل أن تدخل هذه
شبراً واحداً
في منطقة
الحكم الذاتي.
ذلك يعني أنّ
علي الأكراد
أن يسكتوا
تماماً عن التوغل
العسكري
التركي في
أراضيهم،
الأمر الذي سترفضه
جملة
وتفصيلاً
جميع فصائل
الشعب الكردي
علي اختلاف
تياراتها
السياسية
والعقائدية.
ومن جديد،
الأشدّ سهولة
هو دحر القوات
العراقية في
الموصل
وكركوك، دون
قتال حقيقي
ربما. الأشدّ
صعوبة فرض
السلام هناك،
في كردستان المصغرة
تلك، فكيف
بالعراق كلّه؟
|