www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
10.08.2003 - 19:57

القامشلي تقيم حواراً وطنياً ديمقراطياً بشأن وضع الأقليات في سوريا

سليمان يوسف يوسف*

ايلاف، 09.08.2003

 تشهد مدينة (القامشلي) ،أكبر مدن الجزيرة السورية، التي يتميز سكانها بالتنوع القومي والديني والإثني والثقافي ، منذ فترة نشاطاً ثقافياً وسياسياً مكثفاً وحواراً وطنياً ديمقراطياً بين مختلف الفعاليات السياسية والقومية والثقافية التي تزخر بها هذه المدينة المتميزة في كل شيء عن باقي المدن السورية. هذه الحوارات تأتي في اطار ما تشهده سوريا من انفتاح و حراك (سياسي/فكري، ثقافي /اجتماعي)، استعداداً لما قد تشهده سوريا من تحولات سياسية واقتصادية،واستحقاقات وطنية جديدة في المرحلة المقبلة بعد هذا المخاض السياسي الذي قد يولد عنه (جمهورية سورية) جديدة.
وبتاريخ (8- 8 – 2003)  أقيمت ندوة حوارية بمبادرة من( حزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا) استجابة منه للدعوة التي أطلقها الأستاذ (أيمن عبد النور)- معد (النشرة الإلكترونية) التي يجمعها من الصحف ومواقع الانترنيت، العربية والعالمية، ويقوم بتوزيعها على آلاف المثقفين والكتاب والمهتمين السوريين، داخل الوطن وخارجه، عبر بريدهم الإلكتروني- . إذ كان قد طرح(أيمن عبد النور) في نشرة سابقة مجموعة من الأسئلة للنقاش حول (الوضع الكردي) في سوريا . وقد حضر الندوة ممثلين عن مختلف القوى السياسية في المدينة، بمن فيهم أحزاب الجبهة والمعارضة والمنظمة الآثورية الديمقراطية.
بداية نؤكد على أهمية مثل  هذاه اللقاءات  الوطنية ، بين مختلف التيارات السياسية والحركات القومية، التي لا بد من أن  تساهم في تفهم كل طرف لمشاكل وهموم الطرف الآخر، إذ ثمة خلل ما في العلاقة وفي كل الاتجاهات، خاصة بين الطرف العربي والأطراف الأخرى من الأكراد والآشوريين والأرمن  وغيرهم من قوميات سوريا. يعود هذا الخلل في الجزء الأكبر منه إلى نظرة الإستعلاء القومي والسياسي الموجودة عند العرب باعتبارهم القومية الغالبة والحاكمة ممثلة بحزب (البعث العربي الاشتراكي) الذي يرفض حتى الآن إجراء أي حوار جاد مع القوميات الأخرى حول حقوقها القومية في سوريا، طالما بقي الموقف الرسمي للدولة رافضاً الاعتراف بوجود أقليات قومية غير عربية في سوريا، لذلك  وقعت (مسالة القوميات ) في سوريا، كغيرها من القضايا الهامة، ضحية الحلول (الإيديولوجية) والمواقف المتعصبة لحزب البعث الحاكم. لا شك أن (العهد الجديد) في سوريا بدأ يتعامل بإيجابية أكثر من العهد القديم مع الحالة القومية، ويتسامح مع بعض أشكال  النشاطات السياسية والثقافية والاجتماعية العلنية لهذه القوميات. لكن كل ما يطرح ، حتى الآن،عن وضع الأقليات في سوريا ، لا يخرج عن كونه، محاولات فردية وبمبادرة شخصية، من جهات غير رسمية في الحكومة السورية.
لا شك هناك (مشكلة كردية) في سوريا ، كذلك هناك (مشكلة آشورية) ، أو (مشكلة أقليات)، بقدر ما هناك (مشكلة عربية) وجميعها أضعها تحت عنوان واحد هو (( مشكلة حقوق الإنسان  والديمقراطية والحريات العامة) الغائبة في سوريا.
 من هنا أقول: أن حل (المشكلة الكردية) و (مشكلة القوميات) بشكل عام  في سوريا يرتبط بشكل مباشر بقضية الديمقراطية والحريات العامة، وبمسألة حقوق الإنسان وإحقاق الديمقراطية في المجتمع التي تعني  تأمين الحقوق والحريات السياسية الفردية والجماعية، وإمكانية ممارستها وتوفير الضمانات الحقيقية للدفاع عنها وحمايتها من كل انتهاك أو اختراق، وإتاحة الفرصة لكل مواطن المشاركة في الحياة السياسية دون تمييز على أساس القومية أو الدين أو الانتماء السياسي. وهذه تتطلب نشر ثقافة الديمقراطية وتعميم مبادئ حقوق الإنسان  في المجتمع، وإنهاء ثقافة  أو سياسة إقصاء الآخر التي من شأنها أن تلغي (الشعب والوطن والتاريخ). أن الوحدة الوطنية لا تكتمل ولا تتعافى ، ولا تقوى إلا بتحقيق المساواة التامة ،في الحقوق والواجبات ، بين جميع قوميات وفئات وشرائح الوطن الواحد( سوريا)، وبكل أسف هذا غير محقق اليوم في المجتمع السوري.
لا جدال على أن (الحركة الكردية) في سوريا استطاعت إيصال خطابها السياسي إلى غالبية القوى الوطنية و طرح مطالبها للبحث والنقاش من قبل بعض هذه القوى.مستفيدة بذلك من مجموعة من العوامل المحلية والإقليمية والدولية.في مقدمتها حالة الانفراج الداخلي في سوريا وتصاعد الأصوات المطالبة بضرورة إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي،  ومن ثم ، ربما هي أهم العوامل،تطورات (الحالة العراقية) وانفجار مسألة القوميات كإحدى تداعيات الحرب على العراق وبروز (المشكلة الكردية) بقوة على الساحة العراقية وتأثير ذلك على وضع الأكراد المتواجدين في الدول المجاورة للعراق بالطبع منها (سوريا).
لكن أن يبادر البعض، وربما بتوجيهات غير رسمية، من جهات معينة في الحكومة السورية، لطرح (الملف الكردي) في سوريا في هذه المرحلة تحديداً دون غيره من ملفات (الأقليات القومية) وبعيداً عن الحل الديمقراطي الجذري والصحيح لمشكلة القوميات،لا بد من أن يكون طرحاً ناقصاً معبراً عن رؤية قاصرة لجوهر مشكلة القوميات في سوريا،وغالباً  الهدف منه  هو امتصاص ردة فعل (الشارع الكردي) في سوريا الذي بدأ يتفاعل مع الحالة الكردية في العراق.وتؤكد ،هذه المبادرات الفردية الميتة،على أن (العقل السياسي العربي) ما زال يتعامل مع (القضايا السياسية) بردة فعل على الأحداث ويخلط السباب بالنتائج،من غير أن يخوض في جوهر القضايا والبحث عن حلول صحيحة ونهائية لها.
قطعاً، ليس تقليلاً من شأن الأكراد في سوريا عندما أقول : أن النظر للمشكلة القومية في سوريا على أنها (مشكلة أكراد) هو تبسيط وتسطيح للقضية وليس حلاً لها وينطوي على كثير من (المغالطات) السياسية و الديمغرافية للواقع السوري وتجاهل لحقائق التاريخ.إذا كان الأكراد استطاعوا تصوير ذاتهم كأقلية قومية مضطهدة وكسب تعاطف بعض القوى السياسية في سوريا، وهذا من حقهم، لكن في حقيقة الأمر أن (الآشوريين) في سوريا هم أكثر فئات المجتمع السوري معانات و عرضاً للظلم والحرمان، خاصة إذا أخذنا العمق التاريخي والحضاري للآشوريين(سريان/كلدان) في سوريا والمنطقة. كذلك هم أكثر الفئات تضرراً من حالة غياب الديمقراطية ،  وعدم حل مشكلة القوميات حلاً ديمقراطياً عادلاً  لأنهم (الحلقة الأضعف) في المجتمع السوري. ليس بالضرورة أن يكون هذا الاضطهاد (سياسياً) بالمعنى الحرفي للكلمة أو اضطهاداً مقنوناً من قبل الدولة.فهذا الاضطهاد مصدره بشكل أساسي نابع من طبيعة المجتمع الشرقي/الإسلامي ذات الموروث الثقافي المتخلف، فكون الآشوريين أقلية (قومية ودينية)، هم يعانون من اضطهاد مزدوج، قومي/ديني. من الطرف  العربي والكردي معاً اللذان يشتركان في الانتماء الديني وهو (الإسلام) بأشكال وطرق مختلفة ومتعددة، بعضها مباشر وبعضها الآخر غير مباشر، مما يشكل ضغطاً نفسياً واجتماعياً على الآشوريين يدفعهم للهجرة من مناطقهم وقراهم إلى خارج الوطن، هذه الهجرة بقدر ما هي نزيفاً وطنياً ، هي تشكل تهديداً حقيقياً للوجود الآشوري في  سوريا والمنطقة عامة.
ربما  فشلت (الحركة الآشورية) في تصوير (الواقع الآشوري) والتعبير عن معانات الآشوريين في سوريا، ويعود هذا الفشل لأسباب ذاتية وموضوعية عديدة، منها تعود لطبيعة (المجتمع الآشوري) الذي يعاني من الانقسام الطائفي والمذهبي( آشوريين/سريان/كلدان)، وسيطرة الشعور الديني على الانتماء القومي لدى الآشوريين عامة، ثم (عقدة الخوف) من (العمل السياسي)، خاصة في أجواء غياب  الديمقراطية وانعدام الحريات السياسية.كل هذا منع الآشوريين من تكوين قوة سياسية وقومية منظمة ومتماسكة تتبنى قضاياهم في المجتمع.لكن فشل الحركة الآشورية في أداء دورها لا يبرر مطلقاً أن يُهمل وضع الآشوريين أو تجاهلهم من قبل أية جهة كانت في سوريا.
متطلبات حل مسألة القوميات في سوريا:
  أول ما يتطلبه حل (مسألة القوميات) في سوريا هو أن تقدم الحركة السياسية لكل قومية مشروعها السياسي وتصوراً واضحاً محدداً لما تريده وتطلبه من حقوق قومية، وأرى أن هذا غير محقق أو منجز من قبل معظم الحركات القومية، لنأخذ الأكراد مثلاً مطاليبهم تتراوح من الحقوق الثقافية إلى الحكم الذاتي لما يدعونه بـ(كردستان سوريا).  كذلك بالنسبة لـ(الحركة الآشورية) في سوريا لم تقدم تصوراً واضحاً محدداً لما تريده من حقوق قومية للآشوريين في سوريا. لهذا من الأهمية والضرورة أن توحد   فصائل (الحركة الكردية) خطابها القومي  وتتفق على مضامين ومفردات هذا الخطاب و ما تريده للأكراد من حقوق قومية. وكذلك  الأمر بالنسبة لـ(الحركة الآشورية) ،  وبما  لا يتعرض مع  ثوابت (الوحدة الوطنية) ومبادئ العيش المشترك تحقيقاً لشعار( سوريا وطن الجميع و القامشلي َمثل للعيش المشترك بين القوميات) .بالمقابل مطلوب من الغالبية العربية الحاكمة التخلي عن نظرة الإستعلاء القومي والسياسي،ووقف سياسة التعريب، اتجاه الأقليات ، وإزالة تهمة الإدانة الدائمة عنها والتشكيك بولاء وانتماء الأقليات وإخلاصها للوطن، والمبنية على الظنون والأوهام الأيديولوجية للقوميين العرب ليس إلا.
ثانياً: أقامة الدولة العلمانية التي تقوم على مبدأ (فصل الدين عن الدولة) أو (فصل السياسة عن الدين) وسن القوانين والتشريعات المناسبة لروح العصر والتطور الاجتماعي والثقافي الذي تحقق في سوريا وتكفل الحريات العامة والفردية وحرية الاعتقاد والرأي للمواطن، وبناء مؤسسات المجتمع المدني ووضع دستور جديد للبلاد يقر بالتعددية القومية والسياسية والدينية في سوريا ويضمن حق التمثيل الصحيح والعادل لهذه الأقليات في جميع سلطات ومؤسسات الدولة، بحيث  تبرز جميع مكونات وأنواع  الطيف الاجتماعي والثقافي والسياسي الموجودة في المجتمع  في الهوية السورية.
 
* الكاتب من  سوريا/ مهتم بالأقليات

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]