www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
11.06.2003 - 10:15

غسل العار في السويد على الطريقة الكردية
بيلا و فاطمة...نموذجاً


المحامية شهناز أحمد علي

لم تحمل معها ألعابها...ولم يمنحها الشمال سوى قصائد حزن وقهر. فكانت الهجرة مع عائلتها في بداية انتفاضة آذار، التي قام بها جموع المقهورين من الشعب الكردي في كردستان العراق عام 1991م.
تركت قريتها الوادعة مكرهة...حالمة بحياة سعيدة في أوربا لكن لم يتحقق الحلم... فقد اغتال الدكتاتور طفولتها في الوطن واغتالت عائلتها عشقها للحياة في الغربة.
إنها قصة (بيلا أتروشي) الفتاة الكردية التي دفعت حياتها ثمناً للتخلف التاريخي المعشش في عقول ونفوس أبناء شعوب الشرق عموماً.
فقد ذكرت صحيفة (الشرق الأوسط) الصادرة في لندن في عددها 11/4/2001 وتحت عنوان ( المؤبد لكرديين من العراق عن أول جريمة شرف في السويد).
إذاً كان لرجلين كرديين الفضل في ارتكاب أول جريمة شرف في تاريخ السويد أكثر بلدان العالم تحضراً، وكرها للعنف. حيث اتفق العم والخال معاً على قتلها ـ لغسل العار الذي لحق بالعائلة المهاجرة ـ عندما علما أنها على علاقة مع شاب سويدي في عام 1999.
فقد انتشرت منذ عدة أعوام ما يسمى " جرائم الشرف " وغسل العار بين أفراد الجالية الكردية الموجودة في أوربا وكانت عدة فتيات ضحية القتل والدفاع عن الشرف وآخرهن " فاطمة شاهين والـ " البالغة من العمر ستة وعشرين عاماً من أكراد تركيا، على يد والدها. حيث تركت فاطمة العائلة وعاشت مع حبيبها ورفضت الزواج على الطريقة المخطط لها من قبل العائلة.
بعد قتل فاطمة قالت وزيرة الاندماج السويدية منى ساهلين(( إنها تشعر بالجبن لأنها أغمضت عينيها ولم تعالج موضوع فاطمة وال بحزم وجرأة)).
لماذا تشعرين بالجبن أيتها السيدة الفاضلة...بل ليشعر كل رجل كردي بالجبن حين تطلب المرأة الكردية من الشمس أن تكتب لمقاماتهن الشامخة! قصائد البطولة ومواويل الشرف والنزاهة ... والمرأة الكردية ليست مصدر خزي والعار لأحد .  قصة (بيلا) و(فاطمة) ـ والدفاع عن الشرف ـ العائلة..العشيرة.. القبيلة..قصص قديمة قدم التخلف والتزمت الذي يتصف به الموروث التاريخي لشعوب الشرق عموماً ومنهم شعبنا الكردي وهي حالات استثنائية.
إن طرحنا لموضوع حساس كهذا، يمكن أن يثير حفيظة الكثيرين، ولكن آن الأوان لبدء الحوار حول المقدسات التي تتحكم في مصيرنا وحياتنا بشكل موضوعي بعيداً عن التطرف ،الانفلات والانغلاق معاً.

      فقد حرمت جميع القوانين الوضعية، ولائحة حقوق الإنسان ممارسة العنف الجسدي ضد الإنسان أي كان جنسه( امرأة، أو رجل) ناهيك عن أن العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع السويدي تختلف اختلافاً كلياً عن العلاقات السائدة في المجتمع الكردي، فعندما هاجرت العائلة من كردستان العراق إلى السويد كانت (بيلا) طفلة في التاسعة من العمر، فحتماً تنشئتها الفكرية والنفسية تأثرت بالمجتمع السويدي الذي عاشت فيه منذ سن مبكرة، وحتماً سيختلف وعيها وسلوكياتها الاجتماعية عن وعي الفتاة التي تعيش في المجتمع الكردي المحافظ.
إن النقاش في موضوع مقتل الفتاة الكردية في السويد تحت ذريعة الدفاع عن الشرف ليس بقصد الدفاع عنها أو الوقوف ضدها،فهيئة الأمم المتحدة حتى الآن لم تسطع إقناع كل الدول المنضوية تحت رايتها للتوقيع أعلى اتفاقية( الحد من جرائم الشرف في الشرق الأوسط).
ولكن حتى الشريعة الإسلامية شددت كثيراً في شروط تحقق جريمة الزنا تفادياً لعقوبة التصفية الجسدية المقررة شرعاً لهذه الجريمة علماً أنها تساوي بين الرجل والمرأة في العقوبة. وحتماً الخال والعم اللذان قاما بتنفيذ تلك الجريمة البشعة يتمتعان بالجنسية السويدية ويعيشان في المجتمع السويدي ويمارسان حياتهما الاجتماعية كما يريدون ، دون حسيب أو رقيب.
فتلك الجريمة لم تغسل العار بالدم، فالعار الحقيقي يكمن في هذه الحالة المشخصة في عدم الرجوع إلى الوطن حتى بعد انتصار الشعب الكردي في كردستان العراق وتمتعه بالحرية،  العار هو العيش على حساب شعوب ومجتمعات ناضلت كثيراً حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من تحرر ورقي. وبالرغم من ذلك نحاول أن نصدر تخلفنا وعلاقاتنا الاجتماعية البائدة  إلى تلك المجتمعات التي آوتنا ذات يوم ووفرت لنا الحماية من قمع الأنظمة الفاشية والدكتاتورية الغاصبة لكردستان.
إن مثل تلك الأعمال الإجرامية تؤثر سلباً على الكرد الموجودين في الدول الأوربية وتقلل من نسبة التعاطف والتضامن مع القضية الكردية وتسيء إلى سمعة الشعب الكردي الاجتماعية والحضارية وبالتالي السياسية.

لنعود إلى الموضوع ثانية والضحية "فاطمة" فقد اهتز المجتمع السويدي بكل كيانه لهذا الحدث، ومر الحدث في المجتمع الكردي ككل الأحداث الكبيرة والصغيرة معاً ...بصمت...وصمت.. 
والمقصود بالمجتمع الكردي، هنا المثقف الكردي، السياسي الكردي، المرأة الكردية، المنظمات النسائية الكردية الكثيرة، في الوطن..وفي أوربا.
باستثناء مقال يتيم للكاتب الكردي" نزار آغري" نشرته جريدة الحياة الصادرة في يوم لثلاثاء 12شباط 2002 العدد /14209/.
رفع آغري صوته بخجل وسرد القصة بهدوء... دون طرح أي وجهة نظر خاصة أو عامة يناقش فيها مفهوم..(جرائم الشرف، وغسل العار) سواء بالتأييد أم الرفض، بل من يقرأ المقال يلاحظ إنه يدافع وبشكل غير مباشر عن تخلف شعبه من خلال سرده لقصص فتيات شرقيات كثيرات يعانين في المجتمع الأوربي من ملاحقة الأهل والعائلة لهن وتهديدهن بالقتل لأنهم تمردوا على المفاهيم الاجتماعية الشرقية،(( فتيات من إيران...المغرب ...باكستان...إلخ))
واختاروا طريقة العيش كما يريدون في تلك المجتمعات التي ترى في مثل هذا الأمر حرية شخصية.وفي المقال أيضاً تطرق لوجهة نظر المجتمع السويدي " وزيرة الاندماج السويدية" ووجهة نظر المجتمع النرويجي( موقف رئيس أساقفة النرويج)،(وزير العدل النرويجي).
(( جلست والدة فاطمة على يسار النعش محاطة ببعض أولادها وكانت تحدق في الفراغ ولم تظهر أي تجاوب مع الخطابات العديدة خصوصاً أنها لا تتقن اللغة السويدية، ولكنها بكت عندما عزف شاب كردي مقطوعة كردية حزينة بعنوان "فاطمة" )).
زين نعش فاطمة بعشرة آلاف قرنفلة بيضاء...ومازالت والدة فاطمة تعيش في شوارع أوربا مكرهة حالمة بالرجوع إلى كردستان تركيا ذات يوم...لتسقي بدموعها الشجرة المزروعة عند شاهدة قبر"مم وزين" في جزيرة بوطان...وحتماً أم  فاطمة لا تحلم بكردستان فيها عنف و قتل ...بعد أن تشردوا في عواصم العالم من أجلها...هي وآلاف العوائل من كردستان تركيا هاربين من الطغمة العسكرية المضطهدة للشعب الكردي.
 والد فاطمة....سلم نفسه للشرطة السويدية رافعاً جبينه وكأنه أتاتوترك الذي بنى الدولة التركية ناسياً لماذا؟!
كان يعيش في شوارع الدول الأوربية مطروداً من وطنه الأم.
في الألفية الثالثة...مازال الكرد يحرسون أفكارهم المقدسة التي تهدم يوماً بعد يوم، أهم الأسس الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتحضرة من المساواة ، الحق...والعدل والخير.
  ولايمكن أن يكون سلوك فرد ما عار للعائلة، وفي الوقت نفسه الاضطهاد الذي يتعرض له شعب عظيم وكبير منذ آلاف السنين ليس بعار؟!
فالعار أن لا يتمتع شعب يزيد تعداده عن أربعين مليون نسمة بحق تقرير مصيره بنفسه، العار أن يمنع شعب كامل من التحدث بلغته الأم ويحرم من حقوقه الثقافية والاجتماعية والسياسية.
إن إثارة هذا الموضوع لم يكن بدافع الدفاع عن الفلتان والتحرر الجنسي فالقضية الكردية وتحرر شعبنا وحتى تحرر المرأة غير مرتبط برأينا بهذه المسألة، ولكن يحق لنا التساؤل، في مجتمع، كالمجتمع السويدي وفي عصر كعصرنا هذا لماذا تقتل فتيات كرديات تحت ذرائع متعددة، هل هذا هو "الوعي" الذي يتمتع به الشعب الكردي ويناضل بهذا الوعي  ليؤسس للعدالة في المستقبل ويبني دولة حضارية تعوضه حرمانه التاريخي من الحرية؟!
سؤال مازال قائماً عن علاقة التحرر الاجتماعي بالتحرر القومي والسياسي وخاصة عند الذين يعيشون في كنف مجتمع غربي مختلف عن مجتمعنا الكوردي؟

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]