www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
07.03.2003 - 09:15

المسألة الكردية في العراق:
أولى مسوغات الحرب وآخر موجبات الحل


د. رضوان علي
newrax@wanadoo.fr

بين القائمة الطويلة للأسباب المبررة لشن الحرب على العراق، في التفسير الأمريكي البريطاني، كانت تبدو لفترة طويلة، تلك التي تتعلق بالمسألة الكردية، كأكثرها منطقية وتماسكا بل وأكثرها مصداقية لقطاعات واسعة من أوساط الرأي العام العالمي. ولكنها لم تكن ولا في أية مرحلة، بالدرجة المطلوبة من المسوغة في نبرتها على لسان كبارا لمسئولين الأمريكيين والبريطانيين، إذا لم نقل إنها كادت أحيانا تخطأ هدفها، حينما تطلق لإضفاء طابع أخلاقي لحمية أسعار نار الحرب. فإقحام العامل الكردي في جلبة الحرب للانتقام من النظام العراقي لم يوازيه تأكيدات منصفة وبأية وتيرة من الحدة أو الحزم على الخصوصية القومية للمسألة الكردية لتوخي نتائج مقتضبة في مرحلة ما بعد الحرب، ولم يتعدى مستوى الطرح الأمريكي الرسمي للمسالة بمحتواه مستوى النصوص الشفهية والإعلامية العامة العابرة. وحتى في حالات المخاطبة المباشرة للطرف الكردي ومؤسساته لم تكن التعابير المستخدمة بالشفافية والمعنى المطمئن لهما كرديا.  والسؤال المحير اليوم الذي يتردد على السنة المراقبين هو: هل "الاستقلال" الكردي الواقعي، facto De المصان جوا، (صحيح، بالكاد في بعض المراحل)، من الدولتين المذكورتين، على مدى السنوات العشر الأخيرة، كان يحتاج إلى هذه العناية الشاقة والمكلفة سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا... إذا لم يتوج باعتراف صريح وواضح بـ"الفيدرالية الكردية"، الأمر الذي يتمتع بشريعة تامة وبإجماع كردي لا شك فيه؟  وهل هناك من ضمانات واتفاقيات بين الأكراد وأمريكا في هذا الخصوص وخارج العلاقات العرضية والآنية المفروضة بسبب حالة الاستعداد للحرب؟

ولكن مهما كان الجواب بشكله ومحتواه ونبرته ووقعه وحسمه...غامضا وغير مستشفا، إننا نستطيع اليوم القول، وبدون مغالاة، إن استخدام "الخروقات الكردية" للنظام العراقي كسبب من الأسباب في هذه المرحلة، وعلى ضوء ما يتسرب عن الاتفاقات الأمريكية ـ التركية بهذا الخصوص، ليس إلا "حقا يراد به باطلا" فالمسألة الكردية، بحقائقها المريرة "والسمجة المذاق" والمراد بها "تمليح" الطبخة الجاهزة واستطابتها، إذا أدت في نهاية المطاف إلى الإذعان" بالحل التركي" للمسألة الكردية في العراق سوف لن يفسر من قبل العالم باجمعه إلا كأطول سيناريو ولأكبر مؤامرة تهدف الكيان الكردي في التاريخ.

ولكن لندع جانبا مسألة السوابق التاريخية الكردية والتي تعدت أرقامها وأحجامها، أعماقها وأبعادها...كل المعهود سابقا ولاحقا... لنتلمس بعضا مما يطبخ من جديد على النار الكردية. نعم إن المسألة الكردية في العراق بما تشكله بعض تفاصيلها وصور معاناتها من تكويرات ناتئة وحادة في وخزها للشعور الإنساني، قد تكون صالحة للاستعمال لفترة ابعد لإيجاد غطاء أخلاقي ومعنوي للحرب، ولكن واضح أيضا، بان الجانب الإنساني لهذه المسألة غير كاف لدفع "المايسترو" في هذه الجوقة نحو إنجاز مقتضيات حل مرض لجميع الأطراف "ذات العلاقة"، ويكون للأكراد الحد الأدنى "الفيدرالية". طبعا ليس سهلا مطلقا مشاركة دولة معادية لتلك الدرجة للحقوق الكردية كتركيا للبت في نتائج ما بعد الحرب، للخروج برؤية واضحة ولحل مقبول كرديا. وبالعلاقة مع ذلك يحق لنا أن نتساءل مرة أخرى عن الاحتمالات المستقبلية وعن مدى إمكانية استمرار الجهود الرامية للم شمل جميع "منتفعين" و"يتامى" الحرب تحت المظلة الأمريكية الواحدة؟؟

لكننا لن نستبق الأحداث ولن نقفز على المراحل للتأكيد على أن كل ما سينطوي عليه الحرب من نتائج وخيمة على الشعب العراقي بكافة قومياته وطوائفه، سيصل ذروته بالنسبة للاكراد، إذا كانت تركيا صاحبة حق في البت فيه وتملك صوتا هاما في إقرار النتائج وتتدخل في رسم الخريطة الجديدة الداخلية" للعراق الموحد" بعد أن فشلت كل استفزازاتها للوقوع بالأكراد في فخ "الاستقلال"! إن الحديث الخافت على"مائدة المفاوضات" بين أمريكا وتركيا على مستقبل العراق في الكواليس، لم يعد سرا لأحد، وتنفي مواده الأولية من حيث المبدأ، حتى صيغة الحكم الذاتي، الذي انتزعه الأكراد بضحايا غالية ومنذ أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما ومن صدام حسين نفسه.

فهل تتدارك جميع القوى الوطنية في المعارضة العراقية العربية والكردية والتركمانية والآشورية .بكل طوائفهم ومذاهبهم مدى الخطر المحدق بهم جراء هكذا سيناريو؟

لنتوقف قليلا وبشيء من التأني والتروي على هذه الناحية التي تتطلب فهمها الكثير من التريث والجلد.
إن المضطلعين على خفايا وثنايا الملف التركي وحساباته "التاريخية" الوهمية في الشمال العراقي يدركون إن خلفية المخاوف المعبرة عنها رسميا ليست إلا طنين من ضوضاء الطموحات المستترة، وهي ليست اقتصادية محضة (الطمع التاريخي في آبار البترول لكركوك والموصل؟!) أو سياسية محضة ( حماية تركمان العراق وإيجاد سند لهم في حال تعرضهم لمجازر كردية؟!) أو أمنية داخلية محضة( لإيجاد منطقة تامبونية عازلة في الجانب العراقي لمنع تسرب عناصر المقاومة الكردية ـ التركية لشن هجمات على تركيا..؟!) أو كما في آخر الترنيمات، إنسانية محضة ( بغية إغاثة موجات اللاجئين المحتملة على اثر الحرب..؟!) وأخيرا إن مرد ذلك كله ليس بالتأكيد التسريبات الأولية للخطط ألمعلنه في الصحافة في نية الجيش التركي لتصفية حساباته مع عناصر حزب العمال الكردستاني، المعروف اليوم بـ (كادك)، الذي كما يبدو، كان وجوده بذلك الشكل لا يخلق لتركيا إزعاجا شديدا، أو على الأقل كانت لا تسعى لمواجهته هناك منذ أكثر من أربعة سنوات!.. بل إن كل تلك الحقائق ليست إلا ذرائع اصطناعية، مدروسة وممهدة لها منذ زمن للخروج بنتيجة واحدة: تكملة الجوانب "القانونية والتاريخية والمعنوية والسياسية... لغاية الوصول إلى الظرف المناسب للانقضاض على جوهر المسألة التي تؤرقها وتقلقها: وجود كيان دولة فيدرالية كردية على حدودها، الأمر الذي سيصبح مرجعا ومكسبا تاريخيا لجميع الأكراد ومثالا ليحتذي به أكراد الدول المجاورة، ولما لا تركيا نفسها مستقبلا ؟...

 ولذلك نجد في رواية" الدعوة التركمانية" لتركيا، وبسردها النموذجي التركي،  تشابها إلى حد التطابق مع الصيغة "القبرصية" للتآزر القومي التركي والتي تقضي فصولها الأولى بالتدخل من منفذ "التضامن" في الشؤون الداخلية... وتنتهي بخلق حالة الأمر الواقع بالاحتلال الدائم، ليتطلب خروجها، إذا استدعى الأمر ذلك، اتفاق دولي باشتراك من الأمم المتحدة؟!  وإذا حدث ذلك، لا سمح الله، فسيكون بمثابة تحقيق أسوأ ما يمكن أن يلحق بالعراق من أذى وهو: التقسيم الحقيقي.  وعندها سيشهد العالم اجمعه تحقيق الطور الثاني من الأهداف البعيدة "للبانتركيزم" في المنطقة، كامتداد واضح المعالم للنزعة الطورانية الجديدة في القرن الواحد والعشرين، وذلك في النزوع الدائم نحو الهيمنة المطلقة في حدود" الدولة ـ الأمة" وإتباع سلوك"العسكرتارية " القديمة ـ الجديدة في حل الخلافات، وفي ديمومة البقاء في السلطة، عن طريق "خصخصة" مقاليد الحكم.

وهكذا فان هذه الفكرة ليست فكرة جديدة وليدة الساعة. بل هي معروفة ومنذ زمن بعيد، بل ذائعة الصيت كأشهر نزعة سياسية فلسفية استنتجها كبار علماء "التركولوجيا" المحايدين من غير الأتراك، وكإحدى أهم نتائج هذا العلم خارج المؤسسات الرسمية للدراسات التركية الحديثة، وبالتالي لن تنطلي أهدافها مطلقا على احد. والحقائق على الأرض لا تفند شعرة واحدة في النسيج المتماسك.  فتركيا اليوم، تركيا "العدالة والتنمية" لاردوغان لا تختلف قيد أنملة في أهدافها الاستراتيجية في هذا المنحى عن أهداف تركيا" اليسار الديمقراطي" لاجويد في الأمس، لان مركز القرار في كلا الحالتين لم يتغير وهو دوما "مجلس الأمن القومي".  وهاجس الأكراد والشعوب الأخرى في تركيا كذلك، اليوم كما في الأمس، لم يتغير ولم يتبدل ازائها منذ ولادة تركيا الاتاتوركية والى اليوم، لأنها بكل بساطة لا تقر بوجودهم إلا إذا تنكروا لوجودهم... وهي تركيا نفسها التي تجد في المسألة الكردية بشكل خاص، ضالتها وتحديها التاريخي الأكبر ولا تدخر جهدا في استماتتها وإجهاضها وتفريغها من محتواها منذ بداية هذا القرن والى الآن.

ولذلك ليس عجبا كون"الخروقات الكردية" كسبب من الأسباب "الموجبة" للحرب في خطط المارد الأمريكي، لم تدر لفترة طويلة بالفائدة المرجوة. فهنا لا آلية ترددها في رأس قائمة الأسباب المحرضة للحرب ولا استمرارية استثنائية موقعها ووقعها على النفس في خلق الزخم المعنوي الحافز لكسب تأييد الرأي العام الرسمي والشعبي، لم يفيد، لا في إزالة الغموض المعتاد للخطة الأمريكية المستقبلية ولا في تلطيف الاكفهرار المعتاد على وجه الشريك التركي المتحالف، والذي يشبه دوره في الكثير من تفاصيله، خرافة "الذئب المعسل لصوته" " والمتقنص لدور الأم  للتقرب من"الخرفان" في الحكايات الفولكلورية... ليفتحوا له الباب... ولينهمهم واحدا بعد الآخر. ولا اعتقد بان الترنيمات والشعارات المرافقة، "كموسيقى تصويرية" لهذه الحكاية المراد بها قبل كل شيء "الحذر من التمويه والخداع"...للتغني بالمستقبل المشرق للمنطقة " ودولة الموديل"... تستطيع إن تؤدي إلى تناغم وانشراح حتى بين أعضاء الجوقة نفسها مهما كان المايسترو بارعا وماهرا.

 وأكراد العراق أيضا لم يكتشفوا الخطط التي تبييتها تركيا لهم صدفة، وهم المندفعين لكسب رضائها مكرهين منذ أن ضاقت بهم جغرافيا توزع الأصدقاء في المحيط الطبيعي ليرضوا بدفع جزأ من"حيائهم" ثمنا لصيرورة تكدر التسميات والمسميات والقبول بخلط المحاسن والمهان والمآثر في ذروة اندفاعهم وراء المبادئ... واجترعوا مذعنين عتل "تحالفهم" كإجراء في حكم الضرورات... وهم الذين يدفعون ثمن جلف إيديولوجية جيرانهم القومية، والجاهدة سرا وعلنا وعلى مراحل، وخطوة خطوة نحو القضاء التام على كل أشكال "النعرة الكردية" أينما كانت، سواء في أرضها، أم في دول الجوار، أو" حتى في أفريقيا أو بلدان ألواق ـ واق!!" كما كان وما يزال القادة الأتراك يستهترون جهرا وعلنا!  نعم إن استراتيجيتها السياسية القديمة، المجددة لزيها على يد غلاة اليمين القومي والمكتسية لعباءة "الإسلام المعتدل" لا تريد للمنطقة الكردية خيرا، وتستعد الآن لتنفيذ المرحلة الأخيرة في خطتها للقضاء على إنجازات العشر سنوات الأخيرة في كردستان العراق بعد أن أضعفت مقاومة "أكرادها" الذاتية داخليا بالمؤامرات الخبيثة... وذلك كله ليس من وراء ظهر أمريكا بل بالالتفاف والتحايل عليها، أو الأصح إرغامها تحت وطأة فاعلية موقعها الجغرافي ووظيفية عضويتها في الناتو وحساسية تحالفها مع إسرائيل. والانكى من ذلك إن جنرالاتها يهدفون اليوم للحصول على مردود إضافي، وثمنا باهظا جدا لاستصدار قرار جديد من " برلمانهم المسلم جدا" يسمح بالانتشار الأمريكي في البلاد،( حوالي ستة مليارات من الدولارات)، فلم يكف ذلك على ما يبدو " كثواب لخشوع النواب المسلمين". ولا نعرف إلى أي مبلغ سيرتفع المزاد في بورصة القيم النادرة.

ولكن برأينا، الأهم من هذا وذاك هو إن المسألة الكردية في العراق في إطارها العام ما تزال تحتفظ بنضارة مشروعها ومشروعيتها و رصانة حقها وأحقيتها واتزان مطالبها. وهذه نقاط ايجابية تستحق تسجيلها بالمناسبة لقادة الأكراد العراقيين، حيث إنهم اظهروا للعالم اجمع نضجهم وقدرتهم بالتطلع لقيادة شعبهم بدراية وحنكة رجال الدولة، رغم كل سلبيات الأعوام الماضية...و رغم كل الصعوبات والمؤامرات التي حاكت وتحاك ضدهم في الداخل والخارج لحرفهم عن النهج الصحيح الذي اختاروه وهو المصير المشترك مع العرب والدولة الحقوقية الديمقراطية المعترفة بحقهم في تقرير المصير بالصيغة الفيدرالية الاتحادية...  وربما جزئيا لهذا السبب أيضا تلقى مسألتهم السياسية اليوم بعض الفتور "من بعض مؤيديها" في جانب المؤازرين للحرب وتؤجج في نفس الوقت شحنة من الحماس في جانب المعارضين للحرب. وبهذه السمة "السلبية ـ الايجابية" النادرة في الانتشار والتنامي وبحكم ما تملكها من عنا صر أخرى تضرب جذورها بعمق في الجغرافية والتاريخ... أصبحت حقا كورقة "الكاشف للأثير" عن نوعية النوايا النصفية والخفية والضمنية والمستترة والوهمية والعدائية، الصادقة والكاذبة...الخ لمستخدميها أو المتذرعين والمتدرعين بها، المقاتلين من اجلها والمولجين بقتلها..

وإذا كانت هناك أسباب أخرى تجعل من المسألة الكردية في العراق ـ إحدى أولى الأسباب "الشكلية" الدافعة للحرب وآخر واقل المسائل" الجوهرية" المستوجبة للحل ـ  في حسابات واشنطن والتحالف الذي تقوده " المحتاج للتعاضد"، هي بكل بساطة ضآلة حاجة الاخيرة لمعالجة جذرية للمسألة الكردية المتقاطعة خطوطها جزئيا مع مصالح حليفتها الاستراتيجية تركيا. وهو ما تثبط عزيمتها وتقاعسها في البحث عن إمكانيات بالنوعية والحجم المطلوبين في المرحلة الراهنة على الأقل. وما نبشها مع الحلفاء المعلنين والكمونيين لها في السطح على حجج شكلية في القانون والسياسة الدولية...إلا لإسعافهم في رغبتهم في عدم "الارتطام بعمق" المسألة الكردية. وألا فأية تفسيرات لهذا الشح والندرة في كيل اطروحاتهم ومواقفهم فيما يخص مصير الأكراد العراقيين ووضعهم القانوني بعد الحرب، وأية موجبات ومبررات لهذا السخاء والدعم( المادي والسياسي والعسكري واللوجيستي) على الجانب المعارض لهم، وعدم ممارسة أي ضغط ملموس للقبول بمطلبهم الأساسي الوحيد وهو تكريس "وضعهم القانوني الفيدرالي الحالي" ضمن عراق ديمقراطي موحد ؟؟. إنها مسألة تستحق الوقوف مليا عندها والإجابة عليها بشفافية وإخلاص!

وأخيرا يجب أن لا ننسى، إذا كانت مسألة حجم وموقع الحركة الكردية بهذا الشكل من الترتيب والتصنيف المتناقض في حسابات مختلف الدول، فهو يفسر جزئيا نوعية المساعي الذاتية للأكراد أنفسهم في العراق والعالم ككل وانعكاسا لحضورهم السياسي والدبلوماسي والتنظيمي والعسكري... ولوزنهم وقوتهم الفعلية والكمونية على الأرض. و هذه الصيغة الواهية "المهيأة " يجب أن لا تحبط العزيمة بل تدفع الجميع نحو المزيد من المجاهرة بالحقائق، والمزيد من الحضور الجسور على كل الأصعدة للتأثير على نوعية "الاتفاقات الجاهزة" وإبراز الطاقات الحقيقية لإحباط المخططات المحاكة في دبلوماسية الظل، والمرتكزة على ذهنية عهود الحرب الباردة.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]