www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
15.02.2004 - 18:10

كردستان العراق: درامـا من الطـراز الأول - هل يعيد التاريخ نفسه...؟!

نوري بريمو *

بين سقوط إمبراطورية ميديا الكردية قبل الميلاد بآلاف السنين... ووقوع جريمة 1 / 2 / 2004 البشعة في مدينة أربيل ( هولير ) بعد الميلاد بآلاف السنين أيضاً ... تمتد دراما إنسانية مظلمة وظالمة إلى حدّ يجوز وصفها بأنها من الطراز الأول حزناً ومرارة ومعاناةً , أو يمكن تسميتها بمسلسل مكتظ بالأحداث والحلقات المؤلمة التي قلّ مثيلها في التاريخ البشري..., هي حكايةٌ طويلة لأرض جرى حرقها وتجزيئها وتفجيرها ولطخها بالدماء مراراً و تكراراً ..., وقضية عادلة لشعبٍ لاقى و لا يزال القهر والتنكر والاضطهاد والتمييز العنصري والقتل الجماعي و التدمير الشامل والخ ... وهي ملحمةٌ تاريخية كثيراً ما تغنى بها الشعراء و كتب حولها المؤرخون و المستشرقون و الساسة , وحلّق تحت سقف غيوم ظلماتها الداكنة خيال الفنانين والمبدعين , فشكلوا بمجملهم و بإمكانياتهم المتواضعة طاقةً كامنةً أسّست مع مرور الأيام بحلوها ومرّها لمشروع قومي كردستاني وحملت معها عبر تعاقب الأزمان ثقافة قومية إنسانية ديموقراطية ذوَّدت حاملها الذي هو الإنسان الكردي شعوراً متراكماً وقوياً بالغبن والحرمان والفاقة , مما جعلته يزداد صبراً وإصراراً على التمسك بنصرة حكاية أرضه والدفاع عن قضية شعبه , ومما جعلته يتفاخر بقوميته ويحترم في الوقت نفسه كل الأقوام الآخرين على اختلاف منابتهم ومذاهبهم وخلفياتهم المعادية منها والصديقة .
... الدراما هي قضية شعبٍ منكوب حاول أن يتعرّف بجَلَده وبأساليبه المتاحة على كيفية التصدّي لمكائد الأعداء والدفاع عن ذاته الإنسانية والقومية بشتى السبل والوسائل لنيل حقوقه وتقرير مصيره بنفسه , وأراد أن يرسم بشق الأنفس مستقبله القومي والسياسي تارةً بالأساليب الديموقراطية السلمية و مرّات كثيرة بالانتفاضات والثورات وببحور دماء أبنائه الذين لم يبخلوا يوماً بالتضحية وتقديم قوافل الشهداء والقرابين البشرية البريئة التي حرّم الله قتلها ... إلاّ أنه لم يتمكن يوماً من نيل ما أراد وما حاول و رسم وناضل من أجله ... لكنّه بالمقابل نال الكثيرين من الأصدقاء والمصداقية والعزّة و الشموخ ... و النيل الأكبر لهذا الشعب المضطهد هو أنه يمتاز بصفحة نظيفة وناصعة البياض بين جيرانه وسائر شعوب المعمورة حيث لا دماء ولا مقابر جماعية و لا هجمات همجية ولا غارات عرقية خاضها ضد أية جهة أخرى , رغم أنه كان يتعرّض في كل دهر وسنة وشهر ويوم لمختلف صنوف القهر والعدوان .
... والقضية هي نفسها دراما شعب كردستان الموزع بين دولٍ متجاورة عديدة وفي الشتات ... الشعب الذي ما هان على أبنائه يوماً أن تبقى أمتهم مغتصبة , ولا لانت لديهم عزيمة الدفاع عن النفس والكرامة القومية , على الرغم من قسوة الأعداء وثقل جبروتهم وتلاحق مكائدهم ... الشعب الذي أصبح مضرب المثل في خوض الثورات و الانتفاضات و في مناهضة الشوفينية و الاستبداد والتعرّض للقصف بالسلاح الكيميائي وللتفجير بالكلاب المفخخة وللخنق بالغازات و التصدي لشتى أشكال العنف البشري و التمييز العنصري التي دأبت القوى الغاصبة له على ارتكابها ضده طيلة الفترات الماضية ...الشعب البريء الذي أسماه البعض شفقة به : بشعب الله المحتار نظراً للحيرة الدائمة التي غاص ويغوص فيها حتى هذه اللحظة التي حالفته فيها الظروف الدولية ليقف على صخرة بدلاً من تلك الرمال المتحرّكة لازمت حراكه فيما مضى والتي كانت تنقله بل وتزحلقه بين هذا وذاك وهنا وهناك .
والحكاية هي حكاية كردستان العراق التي استعادت أخيراً جزءاً من حريتها و سيادتها القومية على أثر انتصار قوات الحلفاء في حرب الخليج الثانية عام1990 , يوم قامت الانتفاضات الكردية وتم انتخاب برلمان وتشكلت حكومة للإقليم على أثر الهجرة المليونية الكردية... إيذاناً ببدء مرحلة كردستانية جديدة حظيت بقرار صادر عن مجلس الأمن يؤمّن الأمن و الحماية الدولية للإقليم من بطش نظام صدام البائد ....لتبدأ معها تلك المنطقة ( إقليم كردستان ) رحلتها الديموقراطية في مسيرة إعادة بناء إدارية – اقتصادية – سياسية صعبة للغاية , لكن يبدو أنها تجربة متكاملة بكل أساليبها و أهدافها و مراميها و أحلامها و دبلوماسياتها المعتمدة و التي يسير وفقها القادة وأصحاب القرار هناك بنجاح قلّ مثيله في منطقة الشرق الأوسط برمتها .
فمع قضية الشعب هذا و حكاية الأرض هذه , تكتمل أجزاء معالم الصورة الدرامية , وتتجّدد معها بمرور الزمن وتلاحق المستجدات حيثيات الحاضر و آفاق المستقبل , ومع توفر مستلزمات الارتقاء إلى وضع كردي أفضل يصبح للولادة الجديدة طعم و لون و رائحة مميزة لطالما انتظر وحلُم أبناء الكرد تذوّقها و استنشاقها و التلذذ بطعمها طيلة تعاقب المراحل و العصور التي كانت مجحفة و صعبة للغاية .
ومع القضية هذه والحكاية هذه ....تتجذّد ذكريات الماضي المأساوي و تتعمق و تبرز المعيقات و العراقيل الذاتية منها و الموضوعية , و تكثر معها المخاوف على الحاضر من أشرار و مستخبيات المستقبل الذي لا زال يكتنف مضامين و خفايا لا زالت مجهولة و مخيفة للغاية , لكن بالمقابل يتوضح لدى الجانب الكردي الإصرار على المناشدة و المطالبة بالحقوق المشروعة و تتلاحق محطات العمل و النضال التي تتولد معها مفردات ومرادفات وثوابت جديدة للكفاح والخطاب السياسيين اللذان باتا الأقوى و الأصعب في زحمة الركام الدولي المتطور والمخيف والمخفي في آن واحد وفي زمن مفعم بالخطط والسيناريوهات كهذا الذي نعيشه أي أمام أسوار عصر العولمة الذي لا يرحم القوم الضعفاء والجهلاء , وفي خضم النضال من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان الذي بات مدخلاً يسيراً وقوياً يغزو العالم في كل الاتجاهات ليجعل من بقاع المعمورة كلها فسحة واسعة تتمتع بمستجداتها كل الشعوب بالحرية و الديموقراطية اللتان باتتا حاجتان بشريتان قد تصبحا في المستقبل القريب , أكثر طلباً وإلحاحاً من الطعام و الماء و الهواء ....الخ .
لكن ....بعيداً عن الإنشاء النظري و المقدمات النظرية لا بد من العودة إلى جانب بات مهماً جداًً , كونه يلف القضية و القصة اللتان نحن بصددها من كل الجوانب , إذ لا بد من التأكيد بأن الأخطر في مسألة الأمر الواقع هو الرضوخ له و قبوله كما هو , و قد أثبتت معظم تجارب شعوب هذه الدنيا عقم مثل هذا الأداء الذي يعتبر استسلام بحد ذاته و استجابة لما تفرضه الظروف المحيطة بالأفراد و الجماعات , فالقبول بواقع الحال الكردي الحالي الرديء بشكله و مضمونه وبقوالبه الجامدة , سيؤثر بشكل سلبي على شتى مناحي حياة الإنسان الكردي و خاصة السياسية منها .
وحيث أنّ الشمولية والإرغام قد تستطيعان إغتصاب إرادة الإنسان و رهنه و إرهابه بشكل مؤقت , لكنهما لن تقدرا على تبديل ما في داخله من رؤى و تطلعات و مشاعر ولن تنالا من إرادته في الدفاع عن كرامته و حقوقه و وجوده قيد أنملة .
ولما كان الكدح من أجل نيل الحقوق و تحديد الاستراتيجيات و الأهداف هو حق و واجب و مشروع لكل الأفراد و الجماعات , فالتصميم على فعل ذلك ينبغي أن يكبر و يزداد زخماً , خاصة عندما يتعلق الأمر بمصير وقضايا الشعوب , فالشعوب تكبر بقضاياها المصيرية و العكس أيضاً هو صحيحٌ دون شك .
وبما الأكراد شعبٌ يحظى بوجود تاريخي لا يمكن لأحد نكرانه لا هنا و لا هناك , فإنه من الطبيعيّ جداً أن يرفض واقع الحرمان القومي الذي يعانيه و أن يناضل من أجل إثبات كيانه و إعادة ترتيب أموره من جديد , أي أن يتحرك صوب حقه في تقرير مصيره بنفسه ومن أجل مستقبل يحقق آماله وطموحاته التي بقيت مكبلة و مكبوتة منذ أغبر الأزمان .
ولذلك فالحركة السياسية الكردية يجب أن لا ترضخ لأي ضغط أو ممارسة فوقية أو ثقافة شمولية قد تتّبع بحقها لتخويفها وعرقلتها و حرفها عن مسارها النضالي الذي ينبغي أن تسير فيه وفق المطلوب و المتاح مستفيدة في ذلك السياق من الدروس و العبر الذاتية المليئة بالمعيقات و المخططات التي استهدفتها وحاصرت حراكها لحظة بلحظة , حتى كادت في بعض المنعطفات أن تحرف مسارها أو تنهي فعلها النضالي الذي استمر و تواصل رغم كل محاولات الأعداء في كل المراحل التي اعترضت السبيل .
واليوم والعالم يحيى في هذا العصر الذي عصف على المعمورة بكمٍ هائلٍ من العلوم و المعارف و المتغيرات , و بالنظر إلى ما جرى و يجري في أفغانستان بزوال حركة الطالبان الظلامية وفي العراق بعد سقوط نظام بغداد البائد , وما قد يجري في المنطقة الشرق أوسطية وفي العالم عموماً , لا بد من أن يحدّد شعب كردستان العراق ما يريد مرحلياً ومستقبلياً , فالفيدرالية الجغرافية ـ السياسية التي أقرها برلمان كردستان العراق بالإجماع , هي أنسب صيغة قد يرتضي بها الكرد و يتحملها الوضع القائم في العراق .
وإنّ أي انتقاص من هذا المطلب المتفق عليه بين القيادات الكردية و المعارضة العراقية قُبيل و بُعيد سقوط صدام سيغير من اتجاه مسيرة بناء العراق الجديد , فإن تم الاتفاق على ما كان متفق عليه سابقاً فإن العراق سيسير صوب مستقبل أفضل و أكثر ألفة و سلاماً و إن لم يحدث الإتفاق لا سمح الله فإن أهل العراق سيغوصون حتى أذنيهم في مستنقع لا أول له و لا آخر, وسيتعرض العراق برمته للمجهول والضياعية, وهذا ما لا يرتضيه الكرد في هذا الظرف بالذات و في أي ظرف آخر قادم .
ولذا فإن المطلوب من مختلف مكوّنات وقوى الشعب العراقي المتعدد الأعراق والفئات والطوائف , وخاصة الأكثرية العربية منها وعلى الوجه الأخص مجلس الحكم الحالي , أن تضع أولاً وأخيراً مصلحة عراقهم الجديد فوق أية اعتبارات داخلية أو إقليمية أو دولية , وأن تتنبه جيّداً لما يلف حول عنق العراق وكردستان من مكائد وأفخاخ محليّة وإقليمية من قبل هذه الجهة أو تلك وليس من مصلحتها البتة أن تنخدع أو تنجرّ وراء بعض الشعارات العروباوية المفرٌقة التي تروّج لها وتبثها كالسموم بعض الجهات السوداء التي لا تريد للعراق الجديد سوى الأضرار والأذية والدمار , حيث يجري الآن تعبئة الشارع العراقي التائه والغائص حتى أذنيه في حيرة يمكن تشبيهها بمستنقع لا أول له ولا آخر , والذي قدّم بحوراً من الدماء البشرية الطاهرة والخارج لتوّه مجروحاً من بين مخالب  نظام صدام الدموي الذي لم يسلم أيّ عراقي من ظلماته وشروره , والتواق الى العيش الديموقراطي اللاّئق , والمترقّب بحذر وتفاؤل صوب غد أفضل ..., بالثارات والاختلافات والعداوات العرقية والطائفية التي ستلحق أفدح الخسائر بالجميع دون استثناء , وتجري محاولات شحن العراقيين المجروحين عبر العصور بأفكار وثقافات عدوانية تحّض بعض الفئات ذوات النفوس الضعيفة على القيام بأعمال إجرامية بشعة تخلّ بالأمن وتستهدف إرادة وحياة السكان المدنيين الآمنين وحتى الذين كانوا أصدقاء الأمس , والأمثلة على مثل تلك الأعمال الإرهابية كثيرة وفاضحة ومؤلمة جداً : كمقتل آية الله محمد باقر الحكيم وتفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد والهجمات الانتحارية المتلاحقة على الكثير من مقرات الشرطة الراقية والمحلاّت التجارية والشوارع المزدحمة بالناس العاديين والعديد من دور العبادة والأماكن الدينية المقدّسة وقتل وتهديد أشرف أشراف العراق و...الخ , وقد جاءت العمليتين الوحشيتين الأخيرتين في اليوم لأول من عيد الأضحى واللتين تعرّضت لهما مدينة أربيل الآمنة والتي أودت بحياة أكثر من مائة شهيد ومثلهم جرحى من خيرة القيادات الكردية والتي استهدفت الإرادة الكردستانية والعراقية بأن واحد , بمثابة إثبات عملي لكل غيارى العراق والعالم , على أنّ قوى الظلام والإجرام تحمل أشد الحقد والكراهية للعراق والعراقيين , ليس هذا فحسب بل وترسم وتخطط لهم الكثير من الشرور تحت حجة ويافطة ( حماية وحدة العراق ) التي باتت كلمة حق يراد بها باطل , خاصة وأنهّ كما يقال : بأنّ أوراق التوت لا ولن تستطيع أن تستر عَورات اللصوص والمجرمين ومصاصي الدماء البشرية , فالأيام القادمة ستتكفل بتعريتهم وستثبت بأنهم منافقين وجبناء ومعادين لكل أهل العراق بعربهم واكرادهم وباقي أقلياتهم القومية الأخرى .
وللعلم فإنّ الحالة الانتقالية الصعبة التي يعيشها أهل العراق وكردستان , بكل أعراقهم وأطيافهم السياسية والدينية في هذه الأيام , هي حالة خلاص من الطغيان لا جدال حولها , وهي جولة نصر حقيقية حتى ولو كان بلدهم محتلاّ من قبل الأمريكان , لكنها ـ أي تلك الحالة الانتقالية بين عسف البعث بحضور صدام الذي رحل وفوضى الشارع بغياب الأمن والنظام والاستقرار ـ تبقى بحاجة ماسة من قبل أولئك الأهل المنكوبين سابقاً و المنتصرين حالياً , إلى المزيد من التحابب والالتحام ببعضهم , فكراً وسلوكاً وممارسة وانتماءًً , و إلى الابتعاد قدر الإمكان عن الإفتراقات والشعاراتية والأنانية التي قد تنسيهم ويلات الماضي المأساوي المشترك الذي جمعهم ولمّ شملهم ضد المظالم وفي مختلف المحن , والتي قد تخبئ لهم في نفس الحين تحت عباءتها أي نوع من أنواع الغدر والخيانة بشركاء الأمس الجريح , خاصة و أنّ كل قوى الشعب العراقي المتضررة من جور النظام المخلوع , قد أجمعت في كل الاجتماعات والمؤتمرات والمحافل الجماعية التي تم عقدها خارج العراق فيما مضى وفي داخل مجلس الحكم الانتقالي مؤخرا ً, قد أكدت على الإتيان بعراقٍ ديمقراطي فيدرالي جديد و خال من الاضطهاد والعنصرية , وهذا يعني أن هنالك عقوداً ومواثيق وطنية عراقية مكتوبة ومجبولة بدماء الشهداء الأبرار قد تم اعتمادها جمعاً وطوعاً , وهي التي تفرض على الجميع ضرورة الوفاء بها والالتزام ببنودها , وعدم الخذلان بالأخر أو التآمر ضده والتخلي عنه مهما كانت الظروف والحجج والمبررات .
والمطلوب في الحالة العراقية الجديدة التي تنتظرها الكثير من المفاجآت والمخاوف ,هو أن تستفيد مختلف شعوبه من الدروس الماضية وخاصة من تلك التي لقنهم إياها صدام , الذي لم يبخل عليهم يوماً بأي نوع من أنواع القهر و الظلم , ولذلك فإنّ محاولة الاستفراد في فرض الحلول الجاهزة , من قبل أية جهة عراقية داخلية أو إقليمية أو دولية خارجية , بشكل فئوي و فوقي , ستعيد الفتنة مرّة أخرى إلى العراق الذي قطع شوطاً لا يستهان به في هذا المسار الديموقراطي الصحيح , وستتكرر الأحداث الدموية والمأساة ذاتها أو الأبشع منها على الإطلاق  , وسيؤدي ذلك إلى استفراد فلان طرف بالسلطة دون الآخر , وسيبرز أكثر من صدام آخر في ساحة العراق السياسية المعروفة مسبقاً بتعدّد الأعراق والأديان والطوائف , و قد تندَّس إليها أيادٍ غريبة خفيّة و دسائس و تدخلات إقليمية عديدة تتوق إلى الاصطياد في الماء العكر وتسهر وتخطط للّعب بالورقة العراقية التي قد تفيدهم في مرام ٍ أخرى دفينة , مما قد يؤول الوضع هناك من سيّئ إلى أسوء , و مما قد يتم خلق الفتن والإقتتالات الداخلية والمشاكل التي ليس لها لا أول ولا آخر , وهنا بالضبط تكمن المصيبة و يجثم الخطر الذي يتخوف منه كل الغيارى على حاضر ومستقبل العراق وأهله الذين لم يذوقوا طعم الحرية أباً عن جد , والذي ينبغي أن يحسب له كل العراقيين أكثر من مرّة و أكثر من حساب , ويمكن اعتبار جريمتي أربيل بمثابة أول الغيث الدامي لا سمح الله  ...!؟.
ولذلك فمن المهم جداً السعي العاجل إلى عقد صلح عراقي جماعي عام , من شانه أن يطوي صفحة الماضي ويوقف هذا النزيف الحالي ليلتئم على أثره الجرح العراقي الذي ظل ينزف طيلة العقود الماضية , جرّاء حالات القهر والتخوين التي لقيها هذا الطرف من قبل ذاك الآخر .
ولمّا كان لا يحق لأية أغلبية كانت , في أي مكان أو زمان كان , أن تغتصب حقوق أية أقلية مهما كان حجمها وثقلها , ففي الوضع العراقي الراهن ليس من حق الأكثرية العربية مثلاً , الإصرار  كما كان يحدث في الماضي , على اغتصاب حقوق الكرد في العيش في ظل عراق فدرالي , يحقق لكردستان نوعاً من الاستقلالية القومية التي هي حق مشروع تجيزه كل الأعراف والمواثيق العراقية والدولية , ويفرضه عربون ووثيقة الدم التي  تحمل تواقيع كل العراقيين المتضررين أثناء ظلمات العهد الصدامي البائد .
وعندما يطالب شعب كردستان بالفيدرالية الجغرافية , هذا لا يعني أبداً أنهم يركضون وراء نصيبهم في (غنائم ما بعد الحرب الأمريكية على نظام البعث في العراق ) .. ! ؟ , وإنما هم في الأصل أصحاب هذا الحق المشروع  في السيادة الذاتية على هذه المناطق التي توارثوها تباعاً عن آبائهم وأجدادهم منذ القدم , ليس هذا فحسب بل ودافعوا عن سيادتها في كل المراحل والأزمنة وبمختلف السبل والوسائل التي توفرت لهم , ولذلك فقد أقرّ برلمان كردستان المنتخب منذ أكثر من عشر سنوات مضت بالنظام الفيدرالي , وأجاز لنفسه بالسيادة على إقليم كردستان منذ ذلك الحين وحتى الآن , وهو يعتبر في هذه المرحلة أن الفدرالية هي إرث قومي تاريخي مكتسب بالدم , ولذلك لا يمكن التنازل عنه على الإطلاق , مهما بلغت حدّه الدفاع عنه ومهما ارتفعت الأصوات التي تتهم الكرد زوراً و بهتاناً بتقسيم العراق أو بالإساءة إلى وحدته التي بات يتباكى عليها الكثيرون , في هذه الأيام ليلاً و نهاراً .
ويبدو أنّ شعب كردستان العراق الذي خاض رغم خضوعه لحصار مزدوج ، تجربة ديموقراطية فريدة من نوعها في عموم الشرق , سوف لن يتنازل هذه المرًة عن حقه في تقرير مصيره بنفسه , والذي يكمن حالياً في الفدرالية , وذلك مهما بلغت درجة الهجمات القومجية والإرهابية عليه , خاصة وأن حق الشعوب في المقاومة من أجل نيل الحقوق هو حق مقدّس ومشروع .
ويبدو أيضاً بأن تعقّل العراقيين وإقرارهم من تلقاء أنفسهم  بهذه الحقيقة واعترافهم بفدرالية كردستان, سيضع الحل الأسلم والنهائي لهكذا مشكلة إنسانية تخصّ أكثر من خمسة ملايين إنسان , بقيت مشتعلة وعالقة منذ القدم , وسيجلب للعراق المزيد من التآخي والاستقرار والديمقراطية , وسيضمن لشعوبه الأمان والطمأنينة والسلام , على أرضية حوار الحضارات وتآلفها لا تخالفها , والذي سيؤدي بالضرورة إلى شراكة وتفاهم الشعوب فيما بينها , وبذلك سيؤسّسون معاً لعراق ديمقراطي فدرالي موحّد وقادر على استعادة عافيته وإعادة الحياة الطبيعية إلى ربوعه التي لطّخها و لوّثها نظام الحكم السابق , على طريق الإسراع في التوصل إلى  حالة الاستقرار الداخلي التي هي حاجة انتقالية عراقية ماسة لا بديل عنها , لإنهاء أيّ تدخُّل خارجي قد يدوم إذا ما دامت و تواصلت النزاعات الداخلية التي ينبغي لها أن لا تحصل أبداً مهما كانت النوايا والدفوعات والدوافع .
ويبقى المهم في الأمر هو أن لا يسمح العراقيين الشرفاء لذلك التاريخ الأسود بأن يعيد نفسه لا عراقياً ولا كردستانياً , وأن لا تتكرر الدراما المأساوية نفسها مرّة أخرى , وأن يعمل الجميع من أجل بناء عراقهم الفدرالي الجديد وفق أسس ومقاساة توافقية جديدة تخدم الصالح العراقي العام.

*عضو اللجنة السياسية في حزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي )

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- نوري بريمو: براعم الكرد في دمشق (07.07.2003)
- نوري بريمو: لماذا هذه الدّعْوَة ...؟ (29.06.2003)
- نوري بريمو: لماذا هذه المعزوفة ..؟! (29.05.2003)
- نوري بريمو: نحو عراق ديمقراطي فيدرالي.... (26.05.2003)
- نوري بريمو: المبادرة التي أطلقها ... (27.01.2003)
- نوري بريمو: الهجرة و ضياع الشباب (25.12.2002)
- نوري بريمو: الشعب الكردي: قضية إنسانية وحركة ديمقراطية (09.12.2002)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]