www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
07.07.2003 - 23:29

براعم الكرد في دمشق

نوري بريمو *

هنيئاً لكم أيها الكرد السوريون إطلالة أطفالكم الذين حملوا معهم الورود واللافتات وصيحات الحرية والسلام إلى دمشق ,وقدّموا فيها في يوم الطفل العالمي لوحةً إنسانية رائعةً أو مشهداً سياسياً بارعاً قلّ مثيله في تاريخ سوريا الحديث , حيث قام صغارنا بفعلٍ كبير عجز الكبار عن أدائه تحت أسقف الرقابة و الأحكام العرفية وقانون الطوارئ ,مواجهين بذلك إرادة الشوفينيين وهر وات شرطتهم التي وقفت دون خجل حاجزاً معيقاً أمام وصولهم إلى مقرّ اليونيسيف ليقدّموا للمسؤولين فيها تهانيهم وتبريكاتهم المحمًلة بآمالهم وأمانيهم وطموحاتهم المشروعة والبريئة في آنٍ واحد.

هنيئاً لكم ...لأنّ أبناءكم الذين هم أحفاد كاوا وميديا وهنانو, قد اخترقوا جدار الصمت السوري رغم الأجواء الأمنية المخيفة التي حوّلت اعتصام البراعم إلى ملحمة مرعبة ومريبة, وأشعلوا في هكذا ظرفٍ سياسي صعب، شُعلة وهّاجة أضاءت الشارع الكردي وقد تضيء الشارع السوري عموماً لتثبت لكل أبناء سوريا بأنّ الفعل السياسي هو فعل ممكن وواجب بل وينبغي تفعيله في كل يوم وساعة ودقيقة ,وذلك وفق الأشكال الحضارية والسلمية والإيجابية الممكنة والمتوفرة ... , اخترقوا ذاك الجدار رغم الظلام و كثافة الغيوم المتلبدة في الأفق السياسي السوري الراهن في ظل غياب الدور الفاعل لأية معارضة وطنية ديموقراطية تذكر , حيث الكلُّ لازال منشغلاً بأخبار العراق وفلسطين ولبنان والمغرب والمشرق وأقاصي الدنيا وأدانيها, ليس هذا فحس بل وأنّ البعض منهم يبدي تحفظه من هكذا أنشطة حقوقية مواطنية تحت حجة (الخطر) الداهم بالبلد ...متناسين بذلك أهمية وحاجة البلد إلى تكثيف الحراك السياسي العام والمشترك والذي لا بد منه بالنظر إلى رداءة أحوال المواطن في هذا الوطن.

هنيئاً لكم ... لأنّ مسيرة أطفالكم أو أكبادكم الذين أشرقوا شوارع الشام بمَشْيَتهم الكبريائية فيها , قد أكّدت على إنسانيّة إنساننا الكردي وعلى مدى وطنية قضيتنا التي سنؤكد لاحقاً للجميع بأنها ذات منبت وانتماء سوريين رغم ما يُلْبِسها الغير من أثواب مختلفة وما يُلَبِّسونها منْ تُهَمٍ وارتباطات (خارجية) , وعلى أنّ حلها الديموقراطي العادل هو في دمشق وليس في أنقرة أو بغداد أو طهران , وقد أكدت أيضاً على حيوية شعبنا وعلى مدى قدرته الكامنة على الاستيقاظ من مرقده رغم الغبن والمحرومية , لينطلق كالعادة وبهمّةٍ جديدة وطاقة حركية فاعلة وإيجابية , لخلق حاضرٍ أفضل ونحو غدٍ حافلٍ بالحقوق و والاستقرار.

هنيئاً لكم ...لأنّ براعمكم التي تفتحت في العاصمة فجأةً وأطلقت صيحاتها كالبلابل المغرّدة ,قد استطاعت على حين غرّة أن تعبّر ببراءة الأطفال وبطلاقة الرجال عن حقيقة الوجود الكردي و أن تثبت للقاصي والداني مدى رداءة الواقع وجسامة الألم وحجم الطموحات , وقد حاولت أن ترسم بعفوية الصغار وعنفوان الشباب أسس ومعالم طريق التصدّي الحضاري لكل ما يعيق مسيرة الكرد صوب حقوقهم الديموقراطية العادلة , وليتعالى الزخم النضالي الكردي مرّةً أخرى ولتتحطم أصفاد الركود الذاتي وعوامل الضعف ومظاهر التخلف , ولتنطلق عربتنا النضالية من جديد ووفق منهج جديد وبأساليب جديدة تخوضها الأجيال الجديدة بخطىً راسخة نحو مستقبل آمن ينشده ويسعى من أجله كل أبناء الكرد التواقين إلى العيش اللائق بهم وبأبنائهم في هذا البلد الذي ما دمنا نحيا فيه فسنحاول قدر المستطاع تعزيز الحراك فيه لتطويره ودفعه نحو حالة حقوقية أفضل يتحقق في كنفها المزيد من العدالة والمساواة وإلغاء انتهاك حقوق الإنسان عربياً أكان أم كردياً أم غير ذلك.

في احتفالات يوم الطفل العالمي في سوريا... قابل أطفال الكرد عقلية السلطات بالورود والزغاريد والأناشيد وبعض اللافتات التي تضمّنت بعضاً من حقوق أطفالنا في التعلّم بالكردية واستعادة جنسيتهم السورية ومن أجل طفولة سعيدة وخالية من الاضطهاد والتمييز والتفرقة ..., و رفض الأطفال أنْ يكونوا إلاّ رُسُلاً للمحبّة والتآخي والسلام , وأبَوا ألا يرفعوا إلاّ راية الحرية بمنتهى المرونة والهدوء بعيداً عن كل مظاهر (الشغب) والفوضى حتى اللحظة الأخيرة من الاعتصام إذ أنّهم لم ينجرّوا وراء جملة استفزازات شرطة مكافحة الشغب التي حاصرتهم قرابة ساعة كاملة من الزمن , فدفع الأطفال الثمن غالياً حينما جرى اعتقال عدداً من ذويهم الذين رافقوهم إلى هناك, ليثبتوا للجميع بأنّ لحريّة الشعوب ثمنٌ غالٍ وبلوغها لا يمكن أن يأتي إلاّ بالعمل والنضال , ودرب نيل الحقوق المغتصبة لن يكون مفروشاً بالورود والرياحين بل بالأنشطة والتضحيات , وصدق قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش حينما قال : إنّ الحقّ يؤخذ ولا يعطى وما من حقّ يموت وكان وراءه مُطالب ...فلنطالب وفق الممكن والمستطاع كي لا تموت حقوقنا وكي لا يندثر وجودنا . إذاً هو وحده النضال السلمي لا يخاف من القوننة والطوارئ والأحكام العرفية... ، هو وحده يلغي ثقافة الخوف في بلادنا التي تحوّلت إلى بلاد الخوف كما وصفها الأستاذ رياض الترك... ,هو الحراك الديموقراطي وحده سيتصدّى للقهر والتمييز وينفض عنّا غبار الغبن والتجاهل والحرمان... , هو وحد الدافع الذاتي الأهلي سيبقى رمزاً لرفض الإذعان لمشيئة تلك الجهات التي يحلو لها إغتصاب حقوقنا الضائعة بين سندان ضعفنا ومطرقة قوتهم.

إنّ العمل الكردي الجماعي هو خير خطاب ينبغي الالتزام به في هذه المرحلة التي هي خير المراحل , نظراً للمعطيات المتوفرة وللمناخات السياسية الدولية والإقليمية القادمة إلى بلدنا ومنطقتنا "الشرق أوسطية " بشكل عام , وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه لولا تكاتف جهود عدّة أحزاب كرديّة سورية ( اليساري واليكيتي الكردي والاتحاد الشعبي والوحدة الديموقراطي "يكيتي" ) لما تمكّنَ أولئك الأطفال من تجميع شملهم والقيام بتظاهرتهم السلمية تلك , ولما استطاع نشاطهم أنْ ينال هذا القدر من النصرة والتضامن والدعم من قِبَل أوساط واسعة من مناصري حقوق الإنسان هنا وهناك, وهذا ما يثبت عكس رأي السيّد نزار آغري الذي أكنّ له فائق الاحترام, في مقالته المعنونة تحت عنوان : أطفال سياسيون وسياسيون أطفال ...!؟ ,حيث أنه وقع في خطأ عندما وصف مساندة الأحزاب لأطفال الاعتصام بوصف غير دقيق حينما قال:..."هاهنا يجري استغلال الأطفال وتوظيف براءتهم في مشاريع تتخطى مداركهم وأعمارهم , والمسؤولون الحزبيون إنما يختبئون خلف الأطفال"....."
غير أنّ المطالبة بحقوق الطفل لا يتطلّب استعمال الأطفال كورقة ضغط سياسية, والسلوك الذي اتبعته الأحزاب لا يعدو كونه اعتداءً مكشوفاً على حقوق الأطفال وإساءة استغلال لهم ولأوليائهم من أجل غايات سياسية وفي ممارسة لا تخلوا من انتهازية "...., وهنا لا بدّ من أن أهمس في أذن الأخ نزار لأقول له : ما هكذا تُطْلَقْ الأحكام يا أستاذنا الكبير...! وإذا كنت كاتبٌ من أبناء جلدتنا وتحكم في هكذا شأن إنساني وفق هذا الشكل اللامنطقي ... فكيف سيكون حكم الآخرين ...! على الأقل كُنْ منصفاً يا أخي ...فإنْ لم يكنْ مسموحاً لأحزابنا حشد الأطفال والرجال والنساء الكرد في الفعل النضالي المقبل , فَمَنْ هي الطاقات التي ستعتمد عليها في العمل من أجل تحقيق مشروعنا القومي الديموقراطي الذي نحن وأنت بصدد الدفاع عنه وإنجازه ,هل المطلوب أن نستورد بشراً من غير أبناء وبنات الكرد ليتحمّلوا عوضاً عنّا أعباء وتبعات النضال من أجل قضيتنا...؟!, أم أنّ لديك نظرة أو اشتراطات أخرى قد تجهلها أحزابنا...؟!, أم ماذا يا سيّد آغري الكردي ...؟!, أعتقد بأنّ الجواب واضح وتعرفه أنت أيضاً , على كلّ حال يمكن إدراج ما بدر منك في عداد الرأي الآخر وما علينا سوى احترامه .

لقد أثبت أطفال الكرد هذه المرّة بجدارة وبالتطابق بين القول والعمل على أنّ القضية الكردية تكبر بحجم الفعل السياسي لأبنائها والأبناء هم أيضاً يكبرون بكبر قضيتهم التي يكدحون من أجلها , فلكلّ طرفٍ إذاً مصلحة وفائدة في تقوية الطرف الآخر وبتطبيق هذا المبدأ ستسير المعادلة السياسية الكردية وفق منحاها الصحيح وسيصبح لشعبنا المضطهَد حصصاً أوفر لنيل الحقوق , خاصة وأنّ بوادر الإصرار على متابعة الأنشطة العملية المشتركة تبدو متوفرة بل وقد تتلاحق يوماً بعد آخر مادام الاضطهاد قائماً ومادام التمييز موجوداً , ويبدو أنّه كلّما اشتدّ الحصار وتفاقمت الأمور و ازدادت الضغوطات سيبقى النضال هو الحافز المشجّع والخيار الوحيد أمام الكرد لاستعادة ما افتقدوه ماضياً وما يفتقرون إليه حاضراَ وما يتطلّعون إليه مستقبلاً.

وإنّه من دواعي التفاؤل بالمستقبل بأنْ نجد غالبية الرأي العام الكردي بما فيه أكثرية الأحزاب السياسية يدعو إلى ضرورة التلاقي وتوحيد الصفوف التي شتتتها عوامل وظروف عديدة , وتأتي دعوة حزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سوريا "يكيتي" الأخيرة إلى عقد مؤتمر وطني كردي في سوريا والتي لاقت ترحاباً جماهيرياً واسعاً ,من ضمن تلك الدعوات المطلوب تلبيتها في هذه الأيام بإلحاح , وإنّ الثقة باقتراب انعقاد مثل هكذا مؤتمر تحضره كافة الأطراف المعنية تزداد يوماً بعد آخر , بالنظر إلى ما تحمله أجيالنا الحالية من أفكار ومواقف جديدة تحث كل الأطراف التي كانت متخالفة فيما مضى ,أنْ تتحابب وتعقد صلحاً فيما بينها لتسير معاً جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف مهما اختلفت المواقع والانتماءات ...مؤمنين واثقين بأنهم بأجمعهم باتوا يبحرون معاً على ظهر سفينة تُبْحِرُ في بحرٍ واسعٍ وبعيد , فإنْ هي غرقت غرقوا فيها جميعاً وإن هي رست على شاطئ الأمان رسوا معها جميعاً.

وأخيراً لا بد من التأكيد بأنّ شعبنا الكردي في سوريا, بأطفاله ورجاله وبمختلف فعالياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والدينية...الخ , هو شعب محب للتآخي الإنساني ويريد الخير والرخاء لكل شعوب هذا البلد بعيداً عن مختلف مظاهر التمييز والتفرقة , وسيسعى بهدوء وبأساليب سياسية حضارية بالتعاون مع باقي فعاليات طيف المجتمع السوري التي لا زالت تبدي لأسباب مرفوضة من قِبَلِنا تخوّفها من أي فعل سياسي كردي وتتهرّب من التفاعل مع الجانب الكردي فتبتعد بذلك عن الدور الوطني المطلوب منها أداءه ... نحو مرحلة سوريّة أكثر ديموقراطية، حيث تتوفر فيها كل استحقاقات المواطنة للجميع دون أية استثناءات, ولا بد من التأكيد بأنّ أجيالنا القادمة ستبقى رسلاً للسلام والمحبة والتلاحم بين الشعوب رغم الامتناع الذي يبديه الجانب الآخر أي العربي ,ورغم ضعف أدائها وإمكانياتها وسوء أحوالها و ما يتعرّض له شعبنا من مظالم , لن تفرّط أبداً بأي حق من حقوقها.

بقي أنْ نقول بأنّ مفتاح حل المسألة الكردية في سوريا هو في متناول يد السلطة السورية وهو بمنتهى السهولة والأمان , خاصة إذا ما استطاعت أن تتخلّى عن سياسة التنكّر تجاه الكرد وإذا ماعترفت بوجودهم كثاني أكبر قومية في البلاد ومنحتهم حقوقهم الديموقراطية المشروعة ضمن إطار وحدة البلاد, ذلك من شأنه أن يعيد المياه إلى مجراها الطبيعي و يعزّز وحدة ومنعة وتطوّر سوريا التي هي بأمس الحاجة إلى التحديث والتطوير وضمان حقوق الإنسان , وإلى ضرورة الاستفادة من الدور الوطني الإيجابي للكرد الذين كانوا ولا يزالون شركاء بُنّاؤون في هذه الأرض التي يعيشون عليها منذ قدم التاريخ , وبالتالي يصبح من حقهم الطبيعي أن يساهموا في أي حوار أو حراك أو نشاط يهدف إلى الإعمار والبناء والإصلاح.

* عضو اللجنة السياسية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سورية (يكيتي)

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- نوري بريمو: الشعب الكردي: قضية إنسانية وحركة ديمقراطية (09.12.2002)
- نوري بريمو: الهجرة و ضياع الشباب (25.12.2002)
- نوري بريمو: المبادرة التي أطلقها ... (27.01.2003)
- نوري بريمو: نحو عراق ديمقراطي فيدرالي.... (26.05.2003)
- نوري بريمو: لماذا هذه المعزوفة ..؟! (29.05.2003)
- نوري بريمو: لماذا هذه الدّعْوَة ...؟ (29.06.2003)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]