26.05.2003 - 21:51
نحو
عراق
ديمقراطي
فيدرالي....
نوري بريمو *
شهد
التاسع من
نيسان لهذا
العام 2003 ميلادي
، حدثاً
تاريخياً
بارزاً لا
يمكن وصفه سوى
بالكبير، فقد
سقط صدام حسين
الذي يُُعتبر
أحد أبرز
جلاّدي القرن
العشرين ,
وأصبح مجرّد صفحة
مطوية من
التاريخ
البشري , بعد
أن تقهقر هو
ونظامه البائد
بلا مقاومة ,
أمام حرب
أحادية
الجانب , شنتها
عليه قوات
التحالف
الدولية
بقيادة الولايات
المتحدة
الأمريكية ,
فانتقل
العراق بعد
ذلك إلى مرحلة
جديدة , مرحلة
يمكن
تسميتها
بإعادة إعمار
ما تم هدمه
أثناء حكم صدام
وما جرى
تدميره خلال
الحرب
الأخيرة .
فانفتحت
بذلك صفحة
عراقية جديدة
, ستكون على
الأغلب
مغايرة
بمستجداتها
وبأحداثها
المتلاحقة عما
كان يجري هناك
إبان الحكم
الشمولي لحزب
البعث , في ذلك
البلد الذي
لقي الويلات
وانهارت كل
قدراته
المادية
والمعنوية
والسياسية ,
عندما كان
يحكمه نظام
صدام الذي أبى
أن يترك السلطة
إلاّ بعد أن
دمر العراق
بلداً وشعباً
وحضارة , ليس
هذا فحسب بل
جلب ولا يزال نذر
الحروب
ومختلف
المخاطر
لجيرانه و
لمنطقة الشرق
الأوسط
بأكملها .
فبجبروته
المطلق أحكم
قبضة حكمه المطلق
لأكثر من
ثلاثين عاماً
على شعوب
العراق , حيث
أباد نصفها
وزرع اليأس والفتنة
والفقر وسط نصفها
الآخر , وبشموليته
اللامحدودة
حوّل العراق
إلى سجن جماعي
زج فيه مئات
الآلاف من
العراقيين
نساءً وأطفالاً
وشيوخاً ...الخ ,
ليس هذا فحسب
بل و أقام المئات
من المقابر
الجماعية
الموزعة في
العديد من
الأماكن التي
لازال يبحث
عنها و
يكتشفها أهل
العراق بشكل
يومي بعد أن
تحرروا من نير
الطاغية .
وبعنصريته
اللامحدودة
أذاق شعبنا الكردي
في كردستان ,
طيلة سنوات
حكمه البغيض ,
مختلف أشكال
القتل
والتدمير
والتهجير
والتعريب
والفتك
الجماعي
بمختلف
الأساليب
وبشتى صنوف
الأسلحة بما
فيها
السموم
الكيميائية
المحرّمة
دولياً .
وبفروسيته
المعروفة شن
حربه العدوانية
على جارته
إيران
الإسلامية ,
مستنزفاً بذلك
قدرات العراق
طيلة ثمان
سنوات
متواصلة , متكئاً
حين ذاك على
شعار حماية
الحدود
الشرقية للأمة
العربية ...!؟ .
ولم
يتوقف طغيانه
داخل حدود
العراق , بل
تجاوزها متوسعاً
, متحدياً
بذلك الإرادة
العربية ,
ليصل به الأمر
إلى احتلال
الكويت الذي
هو بلد عربي
شقيق وآمن ,
فانتهك فيه
برفقة أزلامه
كل الحرمات
والممتلكات ,
حيث سرقوا
ونهبوا
وقتلوا وأهانوا
وأسروا ...الخ ,
وذلك بشكل
إباحي لم
يسبقه مثيل في
تاريخ
الإحتلالات
الأجنبية للبلدان
, وأهل الكويت
خير شاهد على
ما حدث في بلدهم
من أهوال
آنذاك .
أما
طلقة الرحمة
التي أطلقها
ذلك النظام
على نفسه
والتي أوصلته
إلى أجله
النهائي , فقد
كانت إصراره
على تحدّي
الإرادة
الدولية , بما
فيها قرارات
هيئة الأمم
المتحدة , حيث
لم يذعن لقرار
مجلس الأمن
رقم 1441
القاضي
بتسليم
العراق للأسلحة
الكيميائية
التي بحوزته ,
إلى لجان
التفتيش
الدولية , حتى
أنه لم يكترث
بذلك القرار
ولم يعترف
باستحواذه
على ترسانة من
الأسلحة غير
التقليدية
التي كان
يمتلكها ,
وبذلك فقد أعطى
المبرّر
للحلفاء بشن
تلك الحرب
الدامية , التي
حرّرت الشعوب
العراقية من
العبودية لكنها
أدت في الوقت
ذاته إلى
تدمير البنية
التحتية في
العراق .
ورغم
ما رافق هذه
الحرب من ضجيج
إعلامي
إقليمي صاخب
مؤيد لشعب
العراق
ظاهرياً ولصدام
ضمنياً , وما
كان يبديه
وزير إعلام
النظام محمد
سعيد الصحاف "
العلوج " من
خلال إطلالات
فروسوية
ومشاهد
بطولية , أشبه
ما تكون
بالكوميديا
السوبرمانية ,
و التي كانت تعتبر
بمثابة (
إضاءات ) أو
بالأحرى
إفتراآت إعلامية
وهمية , أوهمت
الشارع
العربي
بالنصر الموعود
والأكيد
لسيده
المهزوم ,
إلاّ أن خبر سقوط
صدام قد أكد
صدق مقولة: إن
البئر يكذب
الغطاس... , فقد
انهار ذلك (
الجبار )
بقوله والمهزوز
بفعله , رغم
استنجاده بكل
الفرسان من أمثاله
ورغم
مراهناته
اللامحدودة
على قوات حرسه
الجمهوري
وفدائيي صدام
وميليشيات
البعث وجيش
القدس
ومجموعات
المتطوعين
العرب...الخ .
نعم
انهار النظام
وخسر الرهان
وخسر معه كل
شيء , لأنه كان
شمولياً
استعبد شعب العراق
واستبعده من
المعادلة ,
ليس هذا فحسب
بل بسقوطه
أهان العراق
بأكمله جيشاً
وشعباً وهيبةً
, فلو أنه أعاد
النظر في
حساباته وأعاد
الاعتبار
لشعوب العراق
ووفر لها
الاستحقاقات
المواطنية
المطلوبة ,
لما تباطأت في
تلبية واجب
الدفاع عن
بلدها ضد (
الغازي ) , لكن
يبدو أنّ
الغازي في
الحالة
العراقية هذه
هو نفسه كان
نظام صدام
وليس أية جهة
أخرى , فصدام
هو الذي غزا
العراق منذ أن
اعتلى على عرش
السلطة فيها ,
وهو بذاته
الذي غزا
الكويت
وإيران , وهو
نفسه الذي غزا
كردستان
مراراُ و تكراراً
, وهو الذي
توّج غزواته
بالغزو
الكيميائي
على سكان
مدينة حلبجة
الكردية
الآمنة , وهو
الذي ... الخ .
إن
احتلال
العراق لم
يحدث بمجرّد
أن دخلت قوات
التحالف إلى
العراق و
أسقطت نظام البعث
فيه , وإنما
حدث يوم أن
استباح صدام
بأهل العراق ,
ويوم أن انتهك
شرف أشراف
العراق , ويوم
أن أتلف
الأخضر
واليابس في
بلاد
الرافدين,
ويوم أن خنق
الكرد
بالخردل
والسيانيد ,
ويوم أن أنفل
أهل الجنوب
وأحرق أهل
الشمال , ويوم
أن دفن
المعتقلين
والأسرى وهم
على قيد
الحياة , ويوم ...
ويوم ...!؟ .
...وبناءً
عليه وعلى
انتهاكاته
الكثيرة
لحقوق
الإنسان ,
يحضرنا القول
: بأنّ الحالة الإنسانية
التي يعيشها
أهل العراق ,
بكل أعراقهم
وأطيافهم
السياسية
والدينية في
هذه الأيام ,
هي حالة تحرير
من الطغيان لا
جدال حولها , وهي
جولة نصر
حقيقية ,
لكنها تبقى
بحاجة ماسة من
قبل أولئك
الأهل
المنكوبين
سابقاً و
المنتصرين
حالياً , إلى
المزيد من
التحابب والالتحام
ببعضهم ,
فكراً
وسلوكاً
وممارسة وانتماءًً
, و إلى
الابتعاد قدر
الإمكان عن
الإفتراقات
والشعاراتية
والأنانية
التي قد تنسيهم
ويلات الماضي
المأساوي
المشترك الذي
جمعهم ولمّ
شملهم ضد
المظالم وفي
مختلف المحن , والتي
قد تخبئ في
نفس الحين تحت
عباءتها أي
نوع من أنواع
الغدر
والخيانة
بشركاء الأمس
الجريح , خاصة
و أنّ كل قوى
الشعب
العراقي
المتضررة من
جور النظام
المخلوع , قد
أجمعت في كل
الاجتماعات
والمؤتمرات
والمحافل
الجماعية التي
تم عقدها خارج
العراق فيما
مضى وفي داخل
العراق مؤخرا
ً, وقد أكدت
على الإتيان
بعراقٍ ديمقراطي
فيدرالي حرَّ
و خال من
الاضطهاد والعنصرية
, وهذا يعني أن
هنالك عقوداً
ومواثيق وطنية
عراقية قد تم
اعتمادها
جمعاً وطوعاً
,وهي التي
تفرض على
الجميع ضرورة
الوفاء بها
والالتزام
ببنودها ,
وعدم خذلان
الأخر أو التخلي
عنه .
والمطلوب في
الحالة
العراقية
الجديدة التي
تنتظر تشكيل
إدارة إ
انتقالية
ذاتية جديدة
,هو أن تستفيد
مختلف شعوبه
من الدروس الماضية
وخاصة تلك
التي لقنهم
إياها صدام ,
الذي لم يبخل
عليهم يوماً بأي نوع
من أنواع القهر
و الظلم ,
ولذلك فإنّ
محاولة
الاستفراد في
فرض الحلول
الجاهزة , من
قبل أية جهة
عراقية أو
خارجية , بشكل
فئوي و فوقي ,
ستعيد الفتنة
مرّة أخرى إلى
العراق ,
وستتكرر
الأحداث الدموية
والمأساة
ذاتها ,
وسيؤدي ذلك إلى
استفراد فلان
طرف بالسلطة
دون الآخر ,
وسيبرز أكثر
من صدام آخر
في ساحة
العراق
السياسية
المعروفة
مسبقاً
بتعدّد
الأعراق والأديان
والطوائف ,
وما قد تندَّس
إليها من أيادٍ
خفيّة و دسائس
و تدخلات
إقليمية
عديدة تتوق
إلى الاصطياد
في الماء
العكر وتسهر
وتخطط للّعب
بالورقة
العراقية
التي قد
تفيدهم في مرام
ٍ أخرى دفينة ,
مما قد يؤول
الوضع هناك من
سيّئ إلى أسوء
, و مما قد يتم
خلق الفتن
والمشاكل التي
ليس لها لا
أول ولا آخر ,
وهنا بالضبط
تكمن المصيبة
و يجثم الخطر
الذي يتخوف
منه كل الغيارى
على حاضر
ومستقبل
العراق وأهله
الذين لم يذوقوا
طعم الحرية
أباً عن جد ,
والذي ينبغي أن
يحسب له كل
العراقيين
أكثر من مرّة و أكثر
من حساب .
ولذلك فمن
المهم جداً
السعي العاجل
إلى عقد صلح
عراقي جماعي
عام , من شانه
أن يطوي صفحة
الماضي ويوقف
ذلك النزيف
ليلتئم على
أثره الجرح
العراقي الذي
ظل ينزف طيلة
العقود الماضية
, جرّاء حالات
القهر
والتخوين
التي لقيها
هذا الطرف من
قبل ذاك الآخر
, ولما كان لا
يحق لأية
أغلبية كانت ,
في أي مكان أو
زمان كان , أن
تغتصب حقوق
أية أقلية مهما
كان حجمها
وثقلها , ففي
الوضع
العراقي الراهن
ليس من حق
الأكثرية
العربية
مثلاً , الإصرار كما كان
يحدث في
الماضي , على
اغتصاب حقوق
الكرد في
العيش في ظل
عراق فدرالي , يحقق
لكردستان
نوعاً من
الاستقلالية
القومية التي
هي حق مشروع
تجيزه كل
الأعراف
والمواثيق
الدولية ,
وتفرضه وثيقة
الدم التي تحمل
تواقيع كل
العراقيين
المتضررين
أثناء ظلمات
العهد
الصدامي
البائد.
وعندما
يطالب شعب
كردستان
بالفيدرالية
على أساس قومي
, هذا لا يعني
أبداً أنهم
يركضون وراء
نصيبهم في (غنائم
الحرب ) .. ! ؟ ,
وإنما هم في
الأصل أصحاب
هذا الحق
المشروع في
السيادة
الذاتية على هذه
المناطق التي
توارثوها
تباعاً عن
آبائهم وأجدادهم
منذ القدم ,
ليس هذا فحسب
بل ودافعوا عن
سيادتها في كل
المراحل
والأزمنة
وبمختلف
السبل
والوسائل
التي توفرت
لهم , ولذلك فقد
أقرّ برلمان
كردستان
المنتخب منذ
أكثر من عشر
سنوات مضت
بالنظام
الفيدرالي ,
وأجاز لنفسه
بالسيادة على
إقليم
كردستان منذ
ذلك الحين وحتى
الآن , وهو
يعتبر في هذه
المرحلة أن
الفدرالية هي
إرث قومي
تاريخي مكتسب
بالدم , ولذلك
لا يمكن
التنازل عنه
على الإطلاق ,
مهما بلغت
حدّه الدفاع
عنه ومهما
ارتفعت
الأصوات التي
تتهم الكرد
زوراً و
بهتاناً
بتقسيم العراق
أو بالإساءة
إلى وحدته
التي بات
يتباكى عليها
الكثيرون , في
هذه الأيام
ليلاً و
نهاراً .
لكن
يبدو أنّ شعب
كردستان
العراق الذي
خاض رغم خضوعه
لحصار مزدوج ،
تجربة ديموقراطية
فريدة من
نوعها في عموم
الشرق ,
سوف لن
يتنازل هذه
المرًة عن حقه
في تقرير مصيره
بنفسه , والذي
يكمن حالياً
في الفدرالية
, وذلك مهما
بلغت درجة
الهجمات
القومجية
عليه , خاصة
وأن حق الشعوب
في المقاومة
من أجل نيل الحقوق
هو حق مقدّس
ومشروع .
ونعتقد
جازمين بأن
إقرار
العراقيين من
تلقاء
أنفسهم
بهذه
الحقيقة
واعترافهم
بفدرالية
كردستان, سيضع
الحل الأسلم
والنهائي
لهكذا مشكلة
إنسانية تخصّ
أكثر من خمسة
ملايين إنسان
, بقيت مشتعلة
وعالقة منذ
القدم ,
وسيجلب
للعراق
المزيد من
التآخي
والاستقرار
والديمقراطية
, وسيضمن لشعوبه
الأمان
والطمأنينة
والسلام , على
أرضية حوار
الحضارات
وتآلفها ,
والذي سيؤدي
بالضرورة إلى
شراكة وتفاهم
الشعوب فيما
بينها , وبذلك
سيؤسّسون
معاً لعراق
ديمقراطي
فدرالي موحّد
وقادر على
استعادة
عافيته
وإعادة الحياة
الطبيعية إلى
ربوعه التي لطّخها
و لوّثها نظام
الحكم السابق
, على طريق
الإسراع في التوصل
إلى
حالة
الاستقرار
الداخلي التي
هي حاجة
انتقالية
عراقية ماسة
لا بديل عنها ,
لإنهاء أيّ
تدخُّل خارجي
قد يدوم إذا
ما دامت و
تواصلت
النزاعات
الداخلية
التي ينبغي لها
أن لا تحصل
أبداً .
*
عضو اللجنة
السياسية
لحزب الوحدة
الديمقراطي
الكردي في
سورية
(يكيتي)
|