www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

25.12.2002 - 00:25

الهجرة و ضياع الشباب


نوري بريمو *

مع تردّي الأوضاع المعيشية وازديادها سوءاً في بلدنا يوماً بعد أخر، تزداد الصعوبات الحياتية لعموم المواطنين السوريين ولفئة الشباب خصوصاً ، فتزداد معها مشاكل الشابات والشباب على وجه الخصوص ، كونهم يتعرضون يومياً أكثر من غيرهم, لمختلف الضغوط الاجتماعية و الاقتصادية والنفسية....الخ ، حيث أن فرص العمل ضمن البلد باتت قليلة جداً، فكثرت معها حالات الحاجة والحرمان حتى من مستلزمات العيش الضرورية والأساسية ، مما يجبر مجموعات كبيرة من الشباب في مقتبل عمرهم, على ترك ديارهم وأهلهم والنزوح إلى كبريات المدن السورية أو الهجرة إلى خارج البلاد هرباً من الفقر وبحثاً عن حياة أفضل ومستقبل أضمن ،وذلك بعد أن يكونوا قد اجتازوا بصعوبة مآزق حياتية جمّة أجبرتهم على اتخاذ قرارهم القاضي بالهجرة الاضطرارية ،وحتى هذه الهجرة التي هي الخيار الأخير المنبوذ والوحيد أمامهم ،فلها شروطها واستحقاقاتها اللازمة ، وهي قد لا تكون متوفرة لعامة الناس , وإنما لبعض ((المحظوظين))أو لآخرين يملكون مبلغاً من النقود يكونوا قد حصلوا عليه بشق الأنفس ، ثمناً لتذاكر السفر وأجور الترحال والإتاوات التي يفرضها سماسرة البشر الذين هم على شاكلة تجار الرقيق , هذا شريطة أن يكون الشاب المهاجر جريئاً وقادراً على المجازفة وتحمل مشقات وأعباء الرحيل واختراق مختلف الأسلاك الشائكة والموانع وأعماق البحار وحدود الدول وامتدادات البراري ،لأن الهجرة تتم في الغالب بشكل غير رسمي ، أي بتهريب الضحايا بشكل ممنوع عبر الحدود التي عادة تكون مسدودة في وجههم فيتشردون في أعماق البحار تائهين مستغيثين بأي يدِ خيّرة تمتد إليهم وتنتشلهم من التهلكة والضياع ،علماً أن كل ذلك يتم برعاية وإشراف شبكات تهريب أو مافيا منظمة , يتاجرون بالناس ويهربونهم من هنا إلى هناك ،إلى حيث((السعادة الخلّبية))التي يطبل ويزمّر لها البعض ،لتتبعثر وتضيع هذه الطاقات الشبابية المغرَّر بها والتي نحن بحاجة حقيقية لتواجدها في وسطنا.
وبذلك تكثر وتتلاحق المشكلات ،فالشاب المهاجر يترك وراءه ،بحكم الظروف السيئة , أسرة محرومة ومفجوعة بفقدان راعيها ،وتعيسة بحكم الحرمان والفاقة ، فتعاني من مرارة العيش ، كونها لا تملك لا الأحمر ولا الأصفر ، خاصة إذا ما كان ذاك المهاجر متزوجاً ولديه أولاداً أو أسرة ، وللأسف فهذه هي الصفة الراجحة لدى المهاجرين لأنهم على العموم يرحلون عن أهلهم تحت ضغوط عدم استطاعتهم تأمين حاجات الحياة الضرورية لزوجاتهم وأولادهم من مسكن ومشرب ومأكل ومدرسة وعيش لائق بكرامة الإنسان ...الخ .
والمسألة بحد ذاتها أكثر خطورة مما قد يتصورها البعض ،فالمهاجرون عادة يكونون من خيرة الناس وأكثرهم حذاقة وعلماً وتفتحاً ،أي ممن تتوفر لديهم مختلف الكفاءات والقدرات الذاتية الخلاّقة التي نحن أحوج ما نكون إليها ،خاصة وأن مجتمعاتنا هي شبه متخلفة أوهي في طور النهوض وبداية الإنتاج, مما يستلزم إشراك كافة الفعاليات والطاقات المحلية المتوفرة ،للقيام بالواجب العام المطلوب على هذا الصعيد الإنتاجي أو ذاك ،هذا إضافة إلى أن الشباب هم عماد وديمومة الحياة وعنصر خصوبتها الأساسي وضمان استمرارها في هذه المعمورة وهم كما نعلم جميعاً أمل وحاضر ومستقبل الشعوب ،ولذلك فإن التفريط بهذه الطاقات وتشتيتها هنا وهناك ،تحت أية حجة أو سبب كان ،سوف لن يجلب سوى الضرر الفادح لمجتمعنا وسينعكس عليه سلباً ،لأن غياب العناصر الفتية من المعادلة الحياتية اليومية ،يؤدي بها إلى الخلل وعدم الاستقرار الاجتماعي ،ويفقد مجتمعنا مفصلاً أساسياً من مفاصل تركيبته التي تصبح هشة بفقدان تلك الدماء الدافئة ،فبهجرتهم يختل التوازن المجتمعي وسطنا وتنتشر الاضطرابات والظواهر المخيفة بمختلف أنواعها مثل شيخوخة المجتمع وحالات الطلاق والتفريق بين الزوجين وعنوسة البنات والافتقار إلى الأنفاس الشابة التي هي مصدر تغذية أي مجتمع بمياه الحياة وبالحيوية المطلوبة .
أما بالنسبة للشباب الأكراد فهم بطبيعة الحال الشريحة الأكثر عرضةً للهجرة والتشرد في كل بقاع الدنيا ,جراء تعرضهم إضافة للصعوبات العامة في البلد ،إلى مختلف مظاهر التمييز القومي التي تؤدي إلى احساس الشاب الكردي بالغربة والغبن والمحرومية وإلى شعوره بأنه مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة ،خاصة إذا ما علمنا بأن مسلسلات فصل العمال والطلاب الكرد من المعامل والمدارس وكافة المؤسسات والدوائر الرسمية ,هي متلاحقة ومستمرة ،إضافة إلى اصطدام أبناء الكرد بشكل دائم بالتفرقة والمحسوبيات وبمقولة (خطر على أمن الدولة ) المجحفة والتي تبقى تلاحقهم أينما اتجهوا وتوجهوا ...!؟.فيختار البعض منهم التهرّب من الواقع لينتظر ويتحين أية فرصة هجرة( ذهبية في نظره) قد تنقذه وتلقي به إلى شاطىء الأمان ..؟!
والمسئولية هنا ،أي مسؤولية اضطرار الشباب على الهجرة وخروجهم من بطن مجتمعنا قسراً ،تقع على عاتق الجهات المسؤولة في البلد قبل أن تكون مسؤولية فردية ،فالسلطة هي راعية البلد ومن المفترض بها أن توفر كل مستلزمات المعيشة اللائقة لكل مواطنيها ،دون أي تمييز يذكر ،وينبغي على كل مؤسساتها أن تخطط وتسهر على راحة الموطنين وتأمين وضمان لقمة العيش لهم ،لكي تتحسن أوضاع كل الناس على مختلف إنتماءاتهم ،مما قد يخفف من ظاهرة الهجرة التي أصبحت تشكل كابوساً حقيقياً يتيه الدروب أمام أجيالنا القادمة التي ستجد نفسها بعيدة عن وطنها وتائهة في الغربة ومتاهات هذه الأيام التي نحن وأبناءنا بغنى تام عن آفاتها وصرعاتها التي ليس لها لا أول ولا آخر .
والمشكلة تبقى بحاجة إلى رادع ذاتي أيضاً ،إذ ينبغي على الإنسان- الفرد الذي يلقى الصعوبات الاقتصادية ويجد نفسه مجبوراً على الهجرة ،أن يفكر ويحاسب نفسه أولاً ثم يعرض أفكاره على الآخرين ،قبل أن ينوي على الرحيل الذي هو بحد ذاته قرار مؤذٍ بالفرد والجماعة ،فالبحث عن المهارب الفردية لم يشكل في أي يوم ٍ من الأيام مخرجاً لا للفرد و لا للجماعة ،بل نحن بحاجة إلى حلول اقتصادية عامة وجماعية ،وهذا لن يتحقق إلا من خلال الأداء الجماعي على طريق العمل اليومي وفي سبيل حياة أفضل ومن أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان لتحسين واقع الحال هذا ،وذلك على أسس محاسباتية إصلاحية ،تضع النقاط التائهة على حروفها الضائعة ،وتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح والمياه إلى مجاريها الطبيعية, والتي تتلخص في تأمين حقوق المواطن وصيانة كرامته وإنماء مواهبه وضمان مستقبله وإغناء حياته بمختلف مجالاتها وأشكالها المتعددة ،وهذه ليست مطالب تعجيزية كونها لا تشكل سوى أبسط استحقاقات معيشة مواطننا الذي يئس من إجراءات التقشف وشد الأحزمة على البطون ،والذي بات يعيش اليوم تحت خط الفقر بدرجات كثيرة ،مما أدى وقد يؤدي إلى مختلف النواقص والأزمات والمشاكل .
فلتعيد الجهات المسئولة النظر في كيفية التعامل مع هذه المشكلة ،لدى البحث عن الحلول والمخارج ،وليجري البحث بجدّية حول كيفية وضع الحد اللازم لمنع هجرة الشباب ,وليعيد شبابنا أيضاً النظر في كيفية محاربة هذه الآفة الاجتماعية القاتلة , ولنتعاون جميعاً من أجل التمسك بكل طاقاتنا وإمكانياتنا الشبابية ,ولنحميها من الضياع في غياهب عالمنا المعاصر هذا ،عالم العولمة والسرعة الجنونية .


* عضو اللجنة السياسية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سورية (يكيتي)
>> صفحة البداية <<


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]