www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

09.12.2002

الشعب الكردي: قضية إنسانية وحركة ديمقراطية


نوري بريمو *

أخبار الشرق - 19 تشرين الأول 2002

قبل أن أبدأ لا بد أن أذكر من باب التواضع المعلوماتي، بأنني لست أخصائياً لا في التاريخ ولا في علوم اللغة العربية وآدابها. ولذلك سأتناول الموضوع بلغة بسيطة من جوانبه الفكرية والسياسية والإنسانية، كي لا أقع في أخطاء وهفوات لغوية أو تخصصية قد تعود نتائجها سلباً على ما أبتغيه من وراء طرح هذه المسألة الإنسانية التي هي بحاجة أكيدة إلى المزيد من البحث والمكاشفة، والمقصود هنا طبعاً المسألة الكردية في سورية.

كما أتمنى أن تشكل الحوارات في هذا الشأن، خطوةً أولية على دروب النضال من أجل خلق مناخات إيجابية ملائمة من شأنها إعادة الحياة السياسية إلى هذا البلد الذي جرى فيه تغييب العمل السياسي منذ عقود خلت، لاستفراد حزب البعث بقيادة الدولة والمجتمع بشكل كلّي وشمولي، في ظل سيادة قانون الطوارئ والأحكام العرفية السيئة الصيت، والتي أدت إلى التضييق على الحريات العامة للمواطنين والتعتيم على كل جوانب حياة الإنسان السوري الذي بات يعيش في حالة غربة حقيقية وهو في بلده ووسط أهل.

وأن تشكل حواراتنا هذه أيضاً خطوة على طريق تعزيز التلاقي الديمقراطي بين أبناء هذا البلد على اختلاف منابتهم ومشاربهم وأعراقهم، هذا البلد الذي يُِحكى أنه كان عامراً فيما مضى بالحياة الحرّة وبتمازج وتحابب وتآخي مختلف الشعوب والحضارات البشرية قديماً وحديثاً، والذي هو الآن بحاجة أكيدة إلى تكاتف جهودنا جميعاً لنعيد إليه معاً حيويته ونشاطه ونقاءه الإنساني وصوابه الوطني والديمقراطي ..

إننا كشعب كردي في سورية، لنا تمايزنا العرقي وتاريخنا الخاص بنا، ونحنّ على الدوام لانتمائنا القومي العام هنا وهناك, ونؤمن بشكل راسخ بأن الثوابت والمقدسات في هذه الدنيا هي كثيرة ومتنوعة، لكن لا شيء في نظرنا أكثر قدسية وأحقية من كلمة الحق بمفهومها المجرّد والمطلق والذي هو نقيض طبيعي خُلِقَ ليحارب الباطل ويرفضه، وحق الإنسان في الانتماء - أيّاً كان نوعه وطبيعته - هو في نظري خيار مقدس لا يجوز لأحد تجاوزه.

ولكن ولاعتبارات وعوامل عديدة .. نعتبر أن وجودنا الحالي كواقع وكثاني أكبر قومية في البلاد هو حقيقة وطنية راسخة من جانبنا، ونعتبر أيضاً أن مجتمعنا الكردي هو جزء لا يتجزأ من قوام المجتمع السوري العام، والذي هو في نظري كلٌّ مؤلف، بل ُيفترض به أن يكون متآلفاً، من مختلف الأطياف والأعراق والألوان البشرية التي تفاعلت وتخالطت مع بعضها عبر مراحل التاريخ.

ولذلك نجد في أنفسنا أننا ينبغي أن نعيش وسط الحراك المجتمعي المحيط بنا وأن ندخل في الصف الديمقراطي في هذا الوطن الذي لطالما دافعنا وسندافع عنه جميعاً بكل قدراتنا وإمكانياتنا، تماماً كما فعل آباؤنا وأجدادنا عبر التاريخ، لنعيد الثقة والأمل والاحترام المتبادل إلى ربوعه.

والأمثلة الحية على المشاركة المشرفة لأبناء الكرد في مجال الدفاع عن سورية هي كثيرة وكثيرة، فكثيرون هم آباؤنا الذين أسّسوا وساهموا في الثورات والانتفاضات ضد الغزاة الأجانب فسجلوا بذلك أسماءهم في سجل الخالدين من أمثال: يوسف العظمة وإبراهيم هنانو ومحو إيبو شاشو والبارافي وغيرهم من الأبطال الكرد الذين لبوا نداء الوطن آنذاك وقدموا أرواحهم ودماءهم قرباناً ودفاعاً عن الأخوة التاريخية لشعوبنا وعن هذه الأرض وعن باقي عوامل وجودنا ..

وكثيرون هم الشباب الكرد البواسل الذين استشهدوا في ساحات الحرب دفاعاً عن فلسطين والجولان وحوران ولبنان وغيرها، ودرءاً لمختلف أنواع الشر والعدوان عن هذا البلد الذي تعرّض ولا يزال للحروب والتحديات ..

وكثيرة هي العروض والفرص القومية التي تم عرضها عبر التاريخ على أبناء الكرد من قبل جهات عديدة وفي مراحل تاريخية عديدة، لكن موقف الكرد كان رافضاً على الدوام لكل أشكال الانتهازية والكواليسية، ورفضوا أبداً الاشتراك في أي تآمر داخلي أو خارجي ضد سورية، وكانوا مصرّين دوماً على أنهم خُلِقوا ليدافعوا عن هذا البلد، علماً بأن ضم المناطق الكردية إلى الخارطة السورية لم يتم إلا بعد الحرب العالمية الأولى وعلى أثر اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م، التي جزأت دون أي وجه حق منطقتنا الشرق أوسطية لأهميتها ولإستراتيجيتها، إلى أقطار وأقاليم متفرقة ومتخالفة، وفق سياسة فرّق تسد الاستعمارية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الوطنية الحقة تكمن في النضال بإخلاص وفي إبداء المواقف المخلصة، وخير مثال على ذلك هو موقف إبراهيم هنانو الذي يقال عنه إنه رفض أي تعاون مع الفرنسيين مقابل "تأسيس إقليم كردي في شمال سورية"، وإنه أبى إلا وأن يدافع بشرف عن هويته السورية وأنه سيبقى يقاوم الفرنسيين ما داموا محتَلين لأرضنا ولعرضنا، وهذه الوقفة الوطنية هي ليست سوى غيض من فيض من مجمل ما أبداه ويبديه أبناؤنا الكرد هنا من مواقف عزّة وشرف، في الأمس واليوم والغد.

فهل يُعقل إذاً أن تتم مكافأة أحفاد هؤلاء الشهداء الأبطال بمثل هذه الغبن والمحرومية من الحقوق إلى حد عدم الاعتراف بوجودهم كشعب فوق أرضه وبالعيش الحرّ كشريك له كل الاستحقاقات وعليه كامل الواجبات ..؟! وماذا سيكون الجواب فيما لو استفاق صلاح الدين، فجأة وبأمر من الله سبحانه وتعالى من مرقده في دمشق العاصمة، وسأل عامة الناس من حوله عما آل إليه مصير وأحوال أحفاده الكرد البؤساء ..؟! قد يكون هذا سؤالاً خيالياً ومستحيلاً، لكنه يبقى مجرد فرضية لنا الحق في التذكير بها ..أليس كذلك؟!

وبالمناسبة فإننا نحن معشر الأكراد رغم هذا وذاك، نحترم جداً كل الجوار ونعشق الحوار معهم كأساس صحيح في حل كل القضايا مهما كان حجمها وثقلها وخلفيتها، ونتوق في نفس الوقت إلى محافل حرّة ومسئولة يلتقي فيها بهدوء ورويّة الرأي مع الرأي الآخر.

وعلى أساسه أسست لمقالتي هذه، أو دعوني أسميها بمرافعتي، التي أعتبرها مجرّد وجهة نظر أولية قابلة للنقاش والانتقاد والتطوير، والتي يمكن اعتبارها أيضاً من حيث الغاية الأساسية بمثابة مخاطبة وثائقية متواضعة وصريحة للرأي العام العربي الذي يشكّل الأكثرية في هذه البلاد، والذي على عاتقه تقع مهمة استيعاب وقبول كل الناس والآراء والاستحقاقات وحتى بعض النزعات الجانحة التي قد تأتي من هنا أو هناك ومن هذا أو ذاك، حيث بات من واجب الجانب العربي أن يتخلّى بوعي ودراية عن خطابه الأكثري الذي يرضي الأكثرية العربية بل ويثلج صدورها لكنّه مع الأسف يغبن ويقضي على أحلام وطموحات باقي أبناء البلد، خاصة وأن غالبية الأطراف العربية تناست وتتناسى بأن هنالك أكراداً يعيشون في سورية وأن لهم حقوق كما لكل الآخرين.

ولذلك وبما أن الأجواء العامة قد تحسّنت قليلاً عمّا كانت عليه قبل سنوات، وبما أنه يجري التطرق بجدّية في هذه الأيام التي يمكن اعتبارها ربيعاً سورية لا زال في البدايات، لموضوعات كثيرة وجديرة بالاهتمام والاحترام كالديمقراطية وحريّات الفرد وحقوق الإنسان وإحياء المجتمع المدني وبناء الدولة المؤسساتية الحديثة وإلى ما هنالك من شعارات حضارية مشجّعة من شأنها إن تحققت أن تحقق للجميع حياة أفضل ومستقبل أكثر كرامة وأماناً ..

سنغتنم ككرد كل الفرص الإيجابية التي قد تتاح لنا وسنحاول على الدوام ووفق خطاب سياسي مفهوم ومقبول، لا شعارات قومجية مُبهمة ومرفوضة، شرح وجهة نظرنا هذه للقاصي والداني، لنرفع من شأننا الكردي الذي هو كما ذكرت جزء هام من الشأن السوري العام سواءً رضينا أم لم نرضَ.

وكما هو معروف للجميع .. ورغم أن الخطاب السياسي الكردي في سورية يتسم بلغة الحكمة والواقعية، كونه يطرح المسألة لا كمشكلة مفتعلة وإنما كشأن وكقضية وطنية ديمقراطية إنسانية بحاجة إلى تداول سليم في رحاب هذه البلاد الفسيحة، منطلقاً في ذلك من حقيقة وجود شعب آمن ومسالم له جذوره التاريخية، يعيش منذ الأزمان حياته الطبيعية فوق أرضه الموروثة عن آبائه وأجداده، محروماً من أبسط حقوقه المشروعة، قدم ولا يزال يقدم التضحيات دفاعاً عن وجود وكرامة هذا الوطن، متصدياً لمختلف الأخطار الداخلية والخارجية، ليس هذا فحسب بل ويتعرض باستمرار لسياسة شوفينية عنوانها الأبرز هو التنكر لواقع الأصالة التاريخية له، إضافة إلى معاناته اليومية من مظاهر أخرى للتمييز القومي كالحزام العربي والإحصاء الاستثنائي ومحاربة الثقافة والفلكلور واللغة الكردية وما إلى هنالك من قوانين ومشروعات استثنائية يتم اتخاذها دون أية مشروعية تذكر بحق أبناء الكرد هنا.

ونظراً لضيق المكان سوف أختصر قدر الإمكان ولن أتطرق إلى التفصيلات التي تعرفونها جميعاً حق المعرفة، بحكم احتكاككم المباشر بالواقع العياني الموجود.

ورغم أن الحركة السياسية الكردية التي تجاوزت بعناد عتبة عامها الخامس والأربعين والتي أثبتت جدواها ومشروعيتها، والتي جاءت كحاجة إنسانية لترسم منذ تأسيسها الأول معالم سياسة واضحة الأسس والمعالم .. تبدي الواقعية والمرونة، وأنّ أقصى شعار تطرحه هو الاعتراف بوجود الكرد ومنحهم حقوقهم القومية المشروعة في إطار وحدة هذا البلد العامر بالخيرات والحضارات والذي يتسعنا جميعاً شريطة أن لا نحذف ولا ننفي بعضنا البعض.

وانطلاقاً من ثوابتها القومية والوطنية والتزامها بضرورة تحقيق التوازن فيما بين مختلف الواجبات والاستحقاقات، أكدت حركتنا مراراً وتكراراً من خلال أدائها المتواضع على منهجها الإنساني وجوهرها الديمقراطي، فحققت بذلك حضوراً سياسياً لابأس به.

وحرصت منذ بداياتها الأولى على أن تكون جماهيرية وأن تبتعد عن الكواليسية، فحاولت رغم العراقيل بإمكانياتها المتواضعة وبقواها التي شتتتها عوامل وظروف عديدة وصعبة، حشد أغلبية الطاقات والفئات والفعاليات وكل الألوان في العمل النضالي الكردي، وتمسكت رغم ضعفها في أزمنة متلاحقة بالحقوق وبالثوابت الكردية، إضافة إلى التزامها المبدئي بالوحدة الوطنية السورية من خلال اهتمامها بالهموم والشجون العامة.

وبهكذا نقاء فكري وسياسي، استطاعت حركتنا رغم تعرضها للأزمات ولمختلف محاولات النيل والمنع أن تنال ثقة واحترام الآخرين، لا سيما بعد أن أثبتت بأنها ذات عمق إنساني وأنها تحيد رغم الضغوط صوب الأساليب السلمية وتعتبر أن كل شيء متحرك وقابل للنقاش وللتغيير، ليتم التقويم ووضع النقاط على الحروف للتوصل إلى صيغ وتفاهمات مشتركة تعيد الحقوق إلى أصحابها الحقيقيين والمتفهمين لما لهم وما عليهم.

وإيماناً منها بالمبادئ نفسها أصرّت حركتنا عبر تاريخها الحافل بالنجاحات تارة وبالإحباطات تارة أخرى، على أحقية الانخراط في خضم الحراك السوري والاعتراف بحقيقة وجود الجانب الأخر أي الجانب العربي لقبوله والتعامل معه بإيجابية على أرضية العيش المشترك بعيداً عن التمييز والتفرقة والمحسوبيات.

وقد أولت حركتنا أيضاً مسائل الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان جلّ اهتماماتها ومساعيها، خاصة وأنّ كل تجارب العالم قد أثبتت بجلاء أن توفير الحياة الحرّة الكريمة للمواطنين في أي بلد كان، يبقى يشكل روح الإخلاص الوطني ويمثل في الوقت ذاته القاعدة السليمة التي على أساسها يجري التقدم ويتم حل مختلف المسائل العالقة والتوصل إلى حالة مجتمعية أفضل.

إلاّ أنه ورغم إبداء كامل الهدوء والمرونة وحالات حسن النوايا ونكران الذات من الجانب الكردي، فقد جوبه على الدوام من قبل كل الحكومات المتعاقبة على الحكم في البلاد بالتعالي وبالسلوكيات الرافضة لأي اعتراف بالحقيقة الكردية التي باتت بأحقيتها كالشمس التي لا يمكن لأحد أن يحجبها بالغربال، كما يقال.

إضافة إلى أنّ الموقف الرسمي وغير الرسمي (داخل السلطة وخارجها) لا يزال ينطلق من اعتبارات اتهامية تتهم الكرد دونما أية رحمة ودون وجود أية أدلة أو إثباتات على أنهم عازمون على "إقامة دولة كردية هنا ..؟!". وهذا بحد ذاته حكم غيابي مسبق، يسيء إلى علاقات حسن الجوار التي تربط الكرد بالعرب عبر عصور موغلة في القدم، وحيث أنّ أي تعامل ريبيّ من هذا القبيل مع هكذا قضية مدنية تخص أحوال أكثر من مليوني إنسان يلقون التمييز علماً بأنهم يؤدون كامل واجباتهم الوطنية ويسهرون مثل - بل وأكثر - من غيرهم على سلامة وتقدم بلدهم سورية، يضر بالمصلحة السورية العامة ويضعف اللحّمة الوطنية، وهو أسلوب لن يجدي نفعاً بل يزيد المشكلة تعقيداً، لأنه في الغالب سيخلق حالة من اليأس لدى أبناء الكرد قد تدفعهم إلى الإحباط والابتعاد شيئاً فشيئاً عن الاهتمام بالشأن العام وعن أداء الوظائف والمهام الوطنية على الوجه المطلوب، فتكثر حينها العطالة وتكثر معها الأضرار العامة.

واليوم ونحن نعيش هذا العصر الجديد بعولمته وبكل أحداثه وتقنياته المتطورة، نتطلّع بتوق وترقب إلى تحسين حالتنا الكردية، أسوة بغيرنا من الشعوب، ونأمل أن لا نصطدم مرة أخرى وكالعادة بالعقليات القومجية التي لا تعترف رغم هكذا تطورات في العقول والمفاهيم والقيم، لا بماضينا ولا بحاضرنا ولا بمستقبلنا، ولذلك فالمطلوب من الرأي العام السوري أينما كان موقعه، الوقوف وقفة حيادية إلى جانبنا لنواجه معاً كل السلوكيات الشمولية التي من شأنها إن طغت أن تنخر في جسد هذا المجتمع الذي هو بحاجة ماسة إلى الوئام والترميم والمصالحة على طريق إعادة ترتيب وتهوية البيت السوري العام.

إذ من المفروض أن يأخذ الجانب العربي قضيتنا على محمل الجد والاهتمام والمصداقية، وأن يبحث معنا بإنصاف عن الحلول المعقولة والمقبولة لدى كل الأطراف، من خلال تطوير مواقفه والابتعاد شيئاً فشيئاً عن الخطابات الريبية التي من شأنها أن تشكك بالأقليات وتسيء إلى كرامتهم وحقوقهم التي أكدّت عليها كل الشرائع والديانات السماوية السمحاء.

ولذلك فقد حان الوقت، خاصة وأنّ كل بقاع هذه الدنيا مقبلة كما ذكرنا على الانفتاح وتغيير الذات، أن يتم التخلي طواعية عن هذا التعامل غير المنصف حيال الإنسان الكردي السوري، أي المواطن في نفس الوقت، لكي تعود المياه إلى مجاريها الطبيعية ولتتم استعادة ثقة الكرد بأنفسهم من جهة وبالتوجهات الجديدة لبعض إخوانهم السوريين من جهة أخرى، وليستعيد فسيفساء النسيج السوري تنوعه ومتانته ورونقه المستمدين بالأساس من ترابط وتلاحم كل فئاته وفعالياته، مثلما يحتضن الطيف لألوانه المختلفة والجذابة والمتوافقة في آن واحد.

وقد آن لكل المثقفين العرب الديمقراطيين وخاصة نشطاء حقوق الإنسان ودعاة إحياء المجتمع المدني ومختلف القوى الوطنية التي يعز عليها حاضر ومستقبل سورية، أن تبدي رأيها بعدل وجرأة وأن تضطلع بمسئولياتها الوطنية الملقاة على عاتقها كفعاليات لها خيارها الحرّ وثقلها وتأثيرها في الساحة السورية، وإلا فما معنى وجودنا بشكل شكلي وبلا فعالية في هذه الساحة التي هي أحوج ما تكون إلى التنشيط والتفعيل والحراك المؤسساتي الجماعي على شتى الصعد والمستويات والمقدرة على التأثير في كل مناحي حياة المواطن السوري.

وقد آن للجيل السوري الناشئ أيضاً أن يتحرر من هيمنة العقليات المنغلقة والمفاهيم الإقصائية، وأن يبتعد عن سلوكيات التنكر والتفرقة والتهميش التي عفى عليها الزمن، ليقدم بدوره إسهامات وإشراقات إيجابية لإرساء الحلول الممكنة وتحقيقها على قاعدة الاستنارة بمبادئ العدل والمساواة في حلّ مختلف القضايا.

وفي هذا المجال، فإن من طباع أبناء الكرد - مهما ساءت أحوالهم - أن يتفاءلوا دوماً بالخير ليجدوه، ولذا فإننا جيلاً بعد آخر نتطلع إلى المستقبل من أبوابه الحقوقية الرّحبة ونتوخى الخير للجميع، ونؤمن بأحقية وأولوية الحوار لكونه يمثل صيحة العصر، ونأمل من كل الحريصين على مستقبل هذه البلاد أن يُظهروا الموقف الإيجابي المطلوب في حل كل المشكلات التي تعترض سبيلنا كأكراداً وكعرب، خاصة وأنه لا أحد بات يدري ما تخبئه هذه الأيام القادمة من مفاجآت ومتغيرات لشرقنا المتوسط الذي بات بكله وبأجزائه عرضة للكثير من الإشكاليات والأطماع المتعددة الخلفيات والجبهات التي ينبغي لنا أن نحسب لها أكثر من مرّة.

وأخيراً، فإن ثمة أسئلة تبقى حاضرة ومحيّرة وبحاجة إلى أجوبة واضحة وهي: إلى متى سيبقى الكرد بلا حقوق قومية رغم عطاءاتهم المستمرة ..؟ وإلى أي مدى سيبقون ملاحقين بمختلف التهم التي لا أساس لها البتة ..؟! وهل ستتضرر حقاً المصلحة الوطنية العليا في سورية فيما لو تعلمّ الأطفال الكرد في المدارس والجامعات بلغة آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم ..؟ وإلى متى ستصدهم المقولة المشهورة: "إن خرجت من جلدك لما عرفتك .."؟!. وهل نحن غرباء فعلاً عن هذا البلد الذي وُلِدنا وعشنا وقد نموت فيه أيضاً؟ وهل كتب الله علينا أن نكون شعبه "المحتار" إلى أبد الآبدين ..؟ وهل قدرنا السماوي هو أن نكون الضحية من بين بني البشر ..؟

على كل حال ورغم سوء الأحوال سيبقى شعبنا يسعى بهدوء لكسب المزيد من الأصدقاء ومناصري حقوق الشعوب، وسيتعامل أبناؤنا دائماً مع الجميع بمنتهى المرونة والإيجابية، بعيداً عن التكتيكاتية والمناوراتية، اللتين ليس لنا أية مصلحة في ممارستهما البتة، على طريق تحقيق أهدافنا الإنسانية النبيلة، وذلك لإيمان صادق منا بأن العدالة الإنسانية والمساواة بين كل الشعوب لا بد لها من أن تتحقق مهما كثرت الصعاب، وطال الأمد ومهما أمتنع وتمنّع الشركاء.

وفي الختام أعيد وأكرر بأننا نكنّ عميق الاحترام للرأي الآخر ونتمنى من الآخرين، أصدقاءً كانوا أم غير ذلك، أن يحترموا آراءنا وتتطلعاتنا وآفاقنا. مع فائق الامتنان والتقدير لبعض الشخصيات والفعاليات والأوساط والأحزاب الوطنية الديمقراطية السورية التي أصبحت صديقة للشعب الكردي بعد أن أعادت النظر في هذه القضية، وأصبحت مشكورة تلتفت بشكل إيجابي ووجداني إلى الشأن الكردي الذي يجب أن يكون في حقيقة الأمر شأنناً وهمّاً سورية عاماً.

وإنني أخص بالشكر والاحترام اللا محدودَين كل المثقفين الديمقراطيين الأحرار وكل نشطاء إحياء المجتمع المدني وكل مناصري حقوق الإنسان في سورية، وكل الذين تعز عليهم كرامتهم وكرامة بلدهم. مؤكداً في الوقت ذاته بأن المسألة الكردية ينبغي أن تستحق حيزاً أكبر لدى كل السوريين أينما وحيثما كانت مواقعهم، بما ينسجم مع مبادئ الديمقراطية ولائحة حقوق الإنسان التي تحمل توقيع بلدنا سورية، وبما يعزز لحمتنا الوطنية، خاصة وأن حلّها الجذري كقضية إنسانية وسياسية مرتبط إلى حدًّ كبير بالحل الديمقراطي العام في سورية، فدون توفير الديمقراطية لا يمكن التفكير بأي حل لأية مشكلة مهما كانت صغيرة خاصة أو كبيرة عامة.


* عضو اللجنة السياسية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سورية (يكيتي)، والمقال في الأصل محاضرة أُلقيت في مدينة حلب يوم 14 تشرين الأول 2002 بحضور نخبة من المثقفين والسياسيين الأكراد والعرب
>> صفحة البداية <<


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]