www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

29.01.2003 - 19:40

المعارضة والانتخابات القادمة


د. نجيب الغضبان *

أخبار الشرق - 29 كانون الثاني 2003


قرار التجمع الوطني الديمقراطي، الذي يضم خمسة أحزاب قومية ويسارية محظورة، بمقاطعة الانتخابات قرار سليم وصائب. فعلى الرغم من بيان سابق صادر عن التجمع يعلن عن نيته في التعاطي الإيجابي مع الانتخابات التشريعية القادمة، يأتي قرار التجمع كما أعلن من خلال صحيفة "أخبار الشرق" في 27 كانون الثاني الجاري، ليقطع الطريق أمام تكهنات وشائعات عن خلافات داخلية بين أحزاب التجمع حول موضوع المشاركة. حيثيات المقاطعة كما ذكرها بيان التجمع تتلخص في غياب وجود مناخ يوفر الحد الأدنى لأي عملية انتخابية حقيقية، ومن أهم ذلك عدم تغيير القانون الانتخابي وعدم وجود ضمانات تكفل نزاهة هذه العملية.
قرار المقاطعة يحمل أكثر من دلالة، لعل من أهمها: أولاً، اقتناع التجمع بعدم جدية الحكومة السورية في توسيع هامش المشاركة السياسية من خلال انتخابات مجلس الشعب القادمة. فبعد أن عبر التجمع، مثله مثل بقية أطياف المعارضة السياسية، عن استعداده لملاقاة أي خطوة إصلاحية بإيجابية أكبر منها، لم يصدر عن النظام سوى الإشاعات والجعجعة حول عزمه على استصدار قانون انتخابي يحقق قدراً أكبر من التعددية، لكن الإعلان الحكومي عن تحديد موعد للانتخابات استناداً إلى الأسس القديمة عينها، وضع حدا لكل التكهنات والأمال. والدلالة الأهم في قرار التجمع مقاطعة الانتخابات تتمثل في رفضه إضفاء شرعية على عملية صورية، يبدو أنها لن تكون مختلفة كثيراً عما سبقها من "انتخابات". والدلالة الثالثة للمقاطعة تكمن في أنها تضفي قدراً أكبر من الوحدة بين فصائل المعارضة التي لها قواعد شعبية، والتي يمكن أن تمثل منافساً لحزب البعث وشركائه "الهلاميين" المنضوين تحت لافتة "الجبهة الوطنية التقدمية" التي يعجز عن ذكر أسماء أحزابها حتى الصحفيون العاملون في الصحف الرسمية.
في منطق الربح والخسارة، قد يكون التجمع فوّت فرصة لوصول بعض أقطابه لمجلس الشعب، وبالتالي محاولة تحقيق بعض المكاسب من خلال الاستفادة من منبر المجلس لدفع عملية الإصلاح التي أتى على ذكرها مرة الرئيس الأسد في مناسبة خطاب القسم. لكن تجربة اثنين من الأعضاء المستقلين المعتقلين، مأمون الحمصي ورياض سيف، مريرة إلى درجة أن محاولة تكرارها من دون وجود حصانة برلمانية حقيقية لأعضاء هذا المجلس، الذي يفترض أنه يمثل إرادة الأمة، يعني أن المحاولة ستكون أقرب إلى العبثية. التجمع يكسب نقطة على المدى البعيد في البرهنة على تمسكه بمبادئه على حساب كسب بضع مقاعد في مجلس لا حول له ولا قوة.
هناك نوعان من الانتخابات في العالم اليوم، النوع الأول هو ذلك الذي تتنافس من خلاله التيارات السياسية على أصوات الناخبين، حيث يتقدم كل تيار ببرنامجه الانتخابي المستمد من فلسفة سياسية واضحة، وتنتهي العملية باحترام الخاسر لنتائج الانتخابات والانتقال إلى المعارضة استعداداً لجولة قادمة. الهدف الأساسي لهذا النوع من الانتخابات هو التداول السلمي على السلطة التي لا يستأثر بها شخص أو أسرة أو طائفة أو حزب بعينه. النوع الثاني من الانتخابات هو الانتخابات العربية. الهدف الرئيسي لهذا النوع من الانتخابات هو تثبيت من هم في هرم السلطة على كراسي الحكم. ومع اعترافنا بوجود فوارق هامة في الدرجة بين بلدان المنطقة، فإن أياً من هذه الانتخابات المتكررة لم تقد إلى خسارة حاكم واحد وبالتالي فهي انتخابات غرضها ألا يحصل تبادل على السلطة. الفارق أن بعض الرؤساء العرب بلغوا السقف "الديمقراطي"، وذلك بسماحهم بالمنافسة الانتخابية، بينما يعلم آخرون أن حب الشعب لهم لا يحتاج إلى امتحان، فيلجأون إلى الاستفتاءات التي طالما تصدق حدسهم فيفوزون بنسب لا تقل عن التسعة وتسعين في المائة. هذه النسبة تذهل سياسيي النوع الأول من الانتخابات الذين يجاهدوا بكل ما في وسعهم لتجاوز حاجز الخمسين في المائة!
أما على صعيد الانتخابات التشريعية، فهناك نوعان من البرلمانات العربية. النوع الأول الذي يسمح بمشاركة بعض قوى المعارضة وتمثيلها، ففي هذه المجالس نوع من الحياة والحيوية. والنوع الثاني من البرلمانات هو المجالس المعينة أو التي يسيطر عليها "حزب قائد"، في هذه المجالس تتخذ القرارات بالإجماع الفريد الذي لم يتحقق - على مدى تاريخ المجالس وفي كل أنحاء المعمورة - إلا في ظل هذه العهود الظافرة. وعموماً، فإن المجالس التشريعية في أغلب الدول العربية ليس لها أدوار "تشريعية" جوهرية، بل إنها هيئات استشارية للحكومات، كما أنها وجدت لإصباغ نوع من الشرعية على الأوضاع القائمة.
دول أخرى في العالم كانت تشترك مع الدول العربية في أنماط انتخاباتها، لكنها تساقطت الواحدة بعد الأخرى، ولم يبق في الميدان إلا "حديدان". حديدان هذا قادم على تحديات لن يتمكن من الصمود وحده في وجهها، ولن تنفعه المجالس "الشكلية"، ولا الانتخابات "المعروف نتائجها سلفاً"، ولا الدعاوى "الصمودية".
من الحكمة للمعارضة التي تحترم ماضيها ومبادئها أن لا تشارك في مثل هذه الترتيبات، ومن الحكمة للنظام أن يقبل التحول التدريجي إلى النوع الأول من الانتخابات، ففيها الضمان الوحيد للاستقرار والخروج من المأزق الذي وصله وأصل البلاد إليه.

__________ 
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا - الولايات المتحدة
>> صفحة البداية <<


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]