www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
27.07.2003 - 13:06

التعددية الحزبية بين الحظر و الضرورة

موسى موسى - دراسات عليا في القانون العام

تدل كافة الآبحاث و الدراسات التي تناولت علاقة بالإنسان منذ البدء على نشوء الخلاف بين إنسان و آخر, بين فرد و آخر, أو فرد و مجموعة, أو حتى مجموعة و أخرى. هذا الاختلاف قد كان في بداياته الأولى متخذا صورا همجية لاتستند على أية أسس حتى وصل إلى مستويات عالية سمي بالصراع. وليس كل خلاف, أو اختلاف في الرأي هو صراع بالضرورة. والتعددية التي نحن بصددها هي في أبسط معانيها خلاف الإنسان بين جنسه فردا كان أو مجموعة, ولكن مستوى راق من مستويات التطور تبلورت على شكل أحزاب اتخذت من استراتيجيات وأهداف سياسية واجتماعية واقتصادية برامجا لها مع توجيه الفنيين والكوادر لتحقيق تلك الأهداف.

والحزب بغض النظر عن تعريفه الحزبي هو مجموعة مثقفة من مجموع الشعب واعية لتطلعاتها وآمالها الخيرة ومدركة لدربها خطوة بخطوة تعمل على إمالة أفكار باقي أفراد الشعب إليها قدر الإمكان وعلى الأغلب كان نشوء الأحزاب السياسية معللا بسلطات الحكم المطلق. فجاءت هي لتحد من تلك السلطات وذلك بمشاركته في إدارة شؤون البلد. كما جاء نشوء بعض الأحزاب السياسية بصريح عباراتها في منهاجها السياسية أو بعض مواد دستورها أو العمل على تولي زمان السلطة. كما أن بعضها الآخر تخفي هذه الصرامة رغم أنها تسعى لذلك الهدف و أيا ما كان الأمر فالتعددية الحزبية في الكثير من الدول تحظى بموافقة السلطات الحاكمة, وقد دلت دساتير الكثير من البلدان على ذلك وقد صدر خصيصا لذلك قانون تنظيم الأحزاب في الوقت الذي لا يزال يسير فيه الكثير من البلدان تحت حكم الحزب الواحد. حيث أن وجود بعض الأحزاب التي تشارك في الحكم اسميا لا يعني أن هذا البلد أو ذاك لا يخضع لنظام الحزب الواحد. ففي تركيا مثلاً يبقى مشاركة الكثير من الأحزاب في إدارة و حكم البلاد اسميا ويبقى الحكم مطلقا للهيئةالعسكرية العليا في البلاد. كما أن وجود الجبهات المتخذة اها اسما و التي تدير شؤون البلاد في بعض البلدان العربية ليست إلا جبهات اسمية لا شأن لها إلا مغازلة قرارات وآراء الحزب الحاكم. هذا الحظر المطبق في الكثير من البلدان على نشاطات الأحزاب تأخذ صوراً متعددة من الممارسات لتفتيت هذه الأحزاب وإفراغها من محتوياتها والضرب بأيد قوية على تلك التي تحاول الاستمرارية في البقاء والمحافظة على نفسها, ليس إلا مظهراً من مظاهر التفرد بالسلطة بل تفرداً مطلقا بالحكم وإدارة البلاد من خلال رؤية فكرية أحادية الجانب تتمثل في بعض البلدان بالفكر الديني وفي بعضها الآخر بالقبلي أو القومي مبتعدين و غير قادرين على التزاوج بين الأفكار المختلفة والتحرر الذي لا يزال هاجسا لشعوب المنطقة والذي ينبثق منه الصراعات في مختلف مستوياتها حتى تصل في بعض الناطق إلى حروب أهلية تستنزف طاقات البلد بأكمله ولم تستطع الحكومات وقف هذا النزف نتيجة لعدم استعابها إلا لفكر أحادي الجانب. فالحروب التي قادتها شعوب المنطقة حتى أواخر الخمسينات أوصلت أغلبها إلى الاستقلال من سيطرة الأجنبي, هذه السيطرة التي جردت الشعوب من الكثير من حقوقها و خضعتها للاستبعاد والأذلال, فكان لا بد من النضال من أجل الخروج من تلك السيطرة, فكان نشوء الأحزاب واشتراك العديد منها في البلد الواحد في المشاركة النضالية حتى تم طرد المستعمر و تفردت أقواها بالحكم مبتدئة مرحلة جديدة من الصراع والمحاربة البقية دون أي وجه حق. ولازالت تلك المحاربة مستمرة إلى يومنا هذا الذي يقترب فيه التدخل الأجنبي ولو بصورة مختلفة عن السابق في أغلب بلدان المنطقة خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وبقاء نظام القطب الواحد في العالم الذي يرى حججا مختلفة للتدخل في أية بقعة من الأرض ليسيطر على الشعب والحكم على حد سواء.

إن الحظر على الشعب لتكوين منظماته الشعبية وتكوين آرائه الحرة والدفاع عنها يجلب على الإدارة الحاكمة نفس المآسي, وقصر النظر الزي يبديه الحكم بممارستها الفردية المتمثلة في الحظر يضع الوطن في بوتقة حارقة أشعل الاستعمار النار تحتها ونفثتها وتنفثها بين حين وآخر لتفتح لها مداخل متعددة إلى البلد تحت ذرائع متعددة آخرها في يومنا هذا هو ذريعة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان من انتهاكات الحكومات. وقد لاقى الإنسان ما يكفيه من الاستعمار الذي ولى بنضالات الشعوب المنظمة التي قادتها نخبها ومثقفوها بعد تشكيل الأحزاب لتنظيم العمل النضالي الواسع والذي كان لا بد من تنظيمه, وقد كان خيرا ما فعله. لكن هذه التنظيمات التي كانت ثورية وشعبية ووطنية في وقت ما سرعان ما انقلبت إلى أدارة مستبدة على شعوبها تكتم الأفواه وتعمل ما يعمله الاستعمار نفسه حتى بات صورة الاستعمار عند الكثير من الناس أبهى من صورة أجهزة الحكم في بلادهم وبؤوا يتمنون لو كان الاستعمار باقية أو آتيا دون أن يدركوا بأن الاستعمار يدك الوطن والمواطن, ومهما كان الأمر فإن هؤلاء الناس هم من مجموع الشعب ولهم أصواتا في الانتخابات ولو لم يصل درجة وعيهم إلى درجة التحليل السيسي أو تفضيل الوطن على الحكم. إن الحظر بحد ذاته ليس خطرا. بل الخطر فيما يجلبه هذا الحظر من أخطار كثيرة أولها التفرد بالحكم, وكتم الأفواه, وقمع المعارضة مهما كانت سياستها سلمية في كل ما تفعله السلطة من انتهاكات وإهدار لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليتفرد بالحكم. وبدأ نظام القطب الواحد يتذرع بهذه الحجج للتدخل في البلدان مبدية دفاعها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان دون أن تظهر نواياها في الإجهاز على البلد وبسط سيطرتها عليه. لذالك وبما أن الحظر على العمل الحزبي المتعدد والتفرد بالحكم لا يخدم الوطن والمواطن وزيادة عليه يفتح الطريق أمام الستعمر حتى أصبحت التعددية الحزبية اليوم ضرورة أكثر من أي وقت مضى لأن الأحزاب تعمل على مساعدة جهود الناخبين وعلى تكوين آرائهم السياسية, فإذا ترك الناخب دون تكوين رأي فإن الديمقراطية تصبح شيئا مستحيلا. إذ يستحيل تكوين إدارة عامة أو رأي عام. كما أن وجود الأحزاب تعمل في تنظيم وترتيب الأفكار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتعددبتها تضع مختلف الآفكار أمام عيون الشعب ويتم التسابق على طرح أفضلها, فالتعددية تشجع للوصول وطرح أفضل الآفكار والآراء التي تخدم الشعب والوطن ويجعل من تمسك الإنسان بوطنه أكثر التصاقا يصل إلى حد التضحية بكل غال وثمن في سبيل تحرره وعدم تمزقه.

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- موسى موسى: الديمقراطية و تقيد الحريات (06.07.2003)
- موسى موسى: حوار مع الدكتورة صفية طا لب السهيل (27.03.2003)

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]