www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
16.03.2003 - 12:35

انتخابات الدورة البرلمانية الأخيرة
هوامش وملحقات


مشعل التمو
erdewan@amude.com

انتهت قبل أيام انتخابات مجلس الشعب السوري ، هذه المؤسسة التشريعية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من دورها السيادي الذي يصونه الدستور وتحدد آليته نظام العمل البرلماني المقونن على أرضية تمثيل أوسع فئات وشرائح المجتمع ، بمعنى أن يكون ممثلا لتطلعات ومصالح الشعب الذي يمثله ومجسدا لوحدته الوطنية ، وعلى هذا فما هو ملموس مناقض لكل طموح شعبي وما يحصل تحت يافطة العملية الانتخابية يخلو من أي صوت انتخابي وبالتالي فالعملية برمتها لا تحمل من الانتخاب سوى اسمه ، بحكم الدور الوظيفي الشكلي للبرلمان الراهن والمقيد بالعديد من الأنظمة والقوانين المعيقة لأي دور تشريعي فاعل ، واقتصار دوره على التصديق ، واقتصار دور أعضاءه على ملاحقة العرائض وتسيير المعاملات ؟ ولعلي هنا لا أريد أن استفيض في ماهية البرلمان القائم ولا في نوعية الشخوص المعينة والمختارة لدخوله ، بحكم أنني سبق وان تطرقت إلى هذا الموضوع في اكثر من مقالة ، وما يهمني هنا هو التوقف حيال الحالة الكردية وكيفية تعامل الأطر الحزبية الكردية مع هذا المعطى المفرغ من مضامينه السياسية ؟
من المفيد القول بان المرحلة الراهنة التي أجريت فيها الانتخابات تحمل اكثر من توقع واحتمال  ، والمؤسف هو الإصرار على سلق هذه العملية وكأننا لسنا في وارد مواجهة ما يراد للمنطقة من إعادة ترتيب وتفكيك ، وهو أمر يثير الاهتمام والاستغراب معا من حيث التداعيات المتوقعة جراء الراهن القائم والتي كان من المفترض أن تكون تركيبة البرلمان القادم قادرة على التعامل معها سواء لجهة الفاعلية والدور ، أو لجهة الشخوص المدركة لخطورة المرحلة والمعبرة عن تعبيرات المجتمع السوري ومختلف ألوانه السياسية والاجتماعية والثقافية  ، وليس عن لون واحد يختزل المجتمع السوري وإرادة شعبه .
إذا في ظل ضجيج الحرب وتعالي نفير التحضير تم التخلص من الاستحقاق التشريعي وكأنه كان عبئا ثقيلا على المرحلة التي لا زال البعض غير مدرك خطورتها عبر إصراره على منطق التفرد وإلغاء ما عداه .
في ظل هذه الظروف تفاوتت المواقف السياسية للقوى الموجودة في الساحة السورية ، وإذا كان التجمع الديمقراطي المعارض كانت له قراءاته الخاصة في المقاطعة لأنه وفق وجهة نظره لم تتوافر في العملية الانتخابية أي معطى سياسي أو تغير أولي يدل على تحرك باتجاه إصلاح هذه العملية أو مسيستها وإخراجها من الميكانيكية أو البيروقراطية التي تنظم عملها ، أما القوى الحزبية الكردية والاثورية التي كان لها معطياتها السياسية الخاصة والتي شكلت لبعضها -إلى حد ما - موجبات وركائز عملياتية للمشاركة ، وبما أنني أود هنا مناقشة المشاركة الكردية الحزبية في بداية المعمعمة وضجيجها المفتعل ، ومن ثم انسحابها في منتصف الجولة بعد تخبط عشوائي في محيط الهامش المعتم  وأركانه وزواياه الحادة والمدببة ،  وهو ما يدفعني إلى طرح رأيي الشخصي معتمدا على حالة محافظة الحسكة نموذجا .
بداية من الضرورة أن أوضح بان مساحة محافظة الحسكة تعادل ضعفي مساحة هولندا ورغم هذه الشساعة المساحاتية ففيها طيف قومي واثني متنوع ويعادل اكثر من 1.5مليون نسمة وعدد الناخبين المسجلين أصولا وفق التقرير الرسمي هو 630 ألف ناخب في دائرة انتخابية واحدة ، ورغم ذلك خصص لهذه المحافظة 14 عضوا أي بواقع نائب لكل 45000 ناخب ، مع العلم بان المحافظة في الخمسينات أيام كان عدد سكانها الإجمالي يقارب 400000نسمة مقسمة إلى أربع دوائر انتخابية بواقع نائب لكل 10000 ناخب ؟ وإذا افترضنا جدلا تطبيق القانون الانتخابي الراهن الذي خصص لحزب البعث وجبهته الملحقة 51% بمعنى أن حزب البعث ومن معه يحق له وفق القانون الذي وضعه هو 8 نواب ويتبقى لما سمي بالمستقلين 6 نواب هذا من الناحية النظرية ، أما من حيث الواقع وبحكم كونها محافظة منسية لا دور لها في الكيان السوري سوى كونها بقرة حلوب لا تنال من خيراتها سوى استثنائها وإتحافها بموجات التعريب وامحاء طابعها المتعدد والمتنوع ، فقد جاد غيث هذه الدورة الانتخابية المبسترة على هامش الظل وجعله ثلاثة وأجاد العقل المتمفرد مرة أخرى في إبداع صيغة رائعة لزرع الشقاق والتفرقة بين المستقلين ووزع من اختارهم  ليكونوا ظلا على ثلاثة قوائم متفرقة ! متوهما بأنه بهذا الأسلوب الجديد سيكون قادرا على إيهام الناس بمصداقية التعيين المبرمج ، على الرغم من الحساسات والشقاق الذي تجلى بين أبناء القائمة الواحدة ، بحيث نجحت هذه العقليات في نسف البقية الباقية من الثقة والمصداقية بين أبناء المجتمع الواحد ؟ ناهيك عن بعض الهزليات التي باتت تتداول في الشارع الكردي على نمط " التعريب يجتاح قائمة الظل " ؟ خاصة بعد مهزلة أدراج اسم رجل الأعمال الكردي غازي إبراهيم لمدة ساعتين ومن ثم شطبه ، في سابقة سلبية على صعيد دق آسفين في نعش الوحدة الوطنية في هذه المحافظة .
أعود بعد هذه المقدمة إلى مناقشة مدى الفاعلية السياسية التي اعتمدتها الحركة الحزبية الكردية في قرارها بالمشاركة أولا ثم ما هي موجبات الانسحاب لاحقا ومدى موائمة التوقيت ونجاحه في رصد الحالة الجماهيرية والتقاط طرف الفعل السياسي الذي هو غاية وهدف آية عملية تواصلية مع البنى المجتمعية الأفقية .
إذا بدون أن ابحث في الأمور الإجرائية أي ماذا قرر التحالف ومجلسه العام وماذا قررت الجبهة ، وإنما وفق تصوري أن التقييم يجب أن يبحث عن الفعل السياسي الجماهيري في مجمل هذه المتاهات القراراتية والمتعددة المراجع والمنابع ولعل قاسمها المشترك هو غياب  المرجع الشعبي على الرغم من ادعاء الكل بالكل التكلم باسمه ؟ وهي سمة مجتمعية عامة كنتاج لمصادرة الآخر رأيا ووجودا ، والآخر في الحالة الكردية هو أجمالي الشعب الكردي غير الحزبي أو بالأحرى غير المنتمي للأطر الحزبية ، وغير المهتم بفعلها ، واليائس من حالتها المزرية وتواجدها الهش ، حتى أن تواجد بعضها في الوسط الشعبي الجماهيري ضاق حتى بات مجهريا أو يحتاج إلى تلسكوب فضائي لرؤية بعض عناصرها المتناقصين بالتقادم ، على الرغم من جنون العظمة الذي استوطن عقول بعض شخوصها وانعكس واقعيا تفتيتا وتجريما لما عداهم ، وتصنيفاتهم الاعتباطية والمتكلسة بفعل انتهاء فترة صلاحيتهم ، وهم والحال هذه بحاجة إلى مستشفى يعالجون فيه ؟ وليس إلى ساحة نضالية افقدوها باستثماراتهم الحزبية طابعها السياسي ومطلبها الوطني ، ويتجلى بؤس حالهم في الحيرة التي تلف مواقفهم الحزبية والتخبط في قراءة المشهد السياسي العام ، وما يقولونه في بلاغ أول ، يناقضه بيان ثان ويختلف الاثنان عن توضيح ثالث ، وفي المجموع " بيانات وتوضيحات وبلاغات " هي في كثير منها مسوغات حزبية أو شخصية تتنوع وتختلف باختلاف الشخصنة التي تديرها ، وبوسع أي مراقب محايد أن يدرك كم هي  مواقف أما مستحيلة ، أو تبريرية لعجز بنيوي ، سياسي واجتماعي ، وطني وقومي ، وفي الحالتين لا ترتبط ولا تواكب المعطى السياسي المنظور ، والحركة الحزبية الكردية بهذا المعنى تكون كالسيارة المعطلة التي تسير بفعل الانحدار ليس إلا.
وبخصوص المشاركة في انتخابات البرلمان الماضية أود أن أتتساءل عن الهدف أو الدافع وراء المشاركة ، هل هو الدخول إلى البرلمان الراهن وبتركيبته ونواظم عمله ، أم هي البحث عن الممكن في المشهد العام والعمل على تحويله إلى فعل سياسي وإرساء قواعد ارتكازية مستقبلية له ، بمعنى وضع آليات جديدة سياسية في حيز التداول العام تؤسس لممارسة انتخابية صحيحة يمكن البناء عليها مستقبلاً ؟ وبما أن البيان الجماعي الذي صدر بهذا الخصوص لم يتضمن آية إشارة إلى الموجبات السياسية الدافعة للمشاركة ولا ما هي المتغيرات السياسية التي دفعتهم إلى البناء عليها واتخاذ قرار المشاركة ، والذي جاء وفق ما اعتقد قرار بدون هدف سياسي ، وكان مُتخذي القرار لا علاقة لهم بالفعل السياسي الشعبي ، وإنما فقط في كيفية تامين دخول بعضهم البرلمان ؟ وبما أن دخول البرلمان هو الهدف – رغم الصحة النسبية لذلك – بدون الالتفات إلى كيفية تحويل العملية الانتخابية إلى فعل سياسي يؤطر لالتفاف جماهيري أفقي ، وهو الهدف الذي لم يكن في حسابات أغلبية موقعي البيان الأول ، مما اسقط الطابع السياسي عن قرار المشاركة وجعل سمته الوحيدة هي الوحدة الشكلية للأطر الحزبية الموقعة ، وكل منها يطمح إلى حيز مصلحي حزبي لا علاقة له بالقضية السياسية التي ينادي بها ظاهرياً .
من جهة أخرى جاء قرار المشاركة متوافقا وملتزما بالحيز الذي تركه حزب البعث للمستقلين ، بمعنى الالتزام بقواعد اللعبة الميكانيكية المفروضة ، والعمل الحزبي الكردي كتب عليه أن يقتصر دوره على التنافس في إطار الهامش واللعبة نفسها ، مع التجني على قطاعات الشعب الكردي غير الحزبية ، واستبعادها وحتى إدانتها ، وكأن لعبة التمثيل حق الهي خصت به الأطر المبعثرة دون البقية الساحقة من فعاليات وشرائح المجتمع الكردي ،  على أرضية مصادرة الرأي الشعبي وادعاء الملكية " الخاصة " واعتبار كل إطار نفسه بأنه يمثل كل الشعب الكردي في سوريا مجسدا بممارسته هذه رؤية شمولية بات من المفروض التوقف عن ممارستها باتجاه جماهير الشعب الكردي الفعلية ، وهي ما يمكن تسميتها بـ " نزعة التمثيل الفائض " ، وعليه فمن حق الكردي المستقل أن ينافس على دخول البرلمان إذا كان السباق أصلا ليس سياسيا ، فلا الأطر الحزبية تمارس الفعل السياسي ولا المستقل الكردي يمارس الحزبية والجانبان لهما ذات الحق في سباق الظل ودخول قوائم التزكية؟ 
إذا على أرضية الالتزام بالهامش النظري  جاء التنافس الحزبي الكردي وانبثقت وتتالت الحوارات الهادفة إلى تقسيم المقاعد والحصص ، حيث تعددت الرؤى حول عدد المرشحين الحزبيين من التحالف الديمقراطي أو من الجبهة الديمقراطية ، ومهما يكن الأمر فقد رشح عن الاجتماعات المتتالية بان النية تتجه إلى ملئ الشاغر بأربعة مرشحين حزبين ، بمعنى إغلاق قائمة الهامش ومصادرة حق الآخرين سواء المستقلين الكرد أو الأطياف الاجتماعية والحزبية الموجودة في المحافظة ؟ إذ مثلما فرض حزب البعث قائمته ، اتجهت نية الأطر الحزبية الكردية إلى تقليد حزب البعث في ممارسته ذاتها ؟ في سابقة إقصائية كانت ستكون كارثة وانتحارا سياسيا ومغامرة حزبية غير محسوبة النتائج ، واعتقد بان العقل الحزبي الضيق الأفق والمشخصن مصلحيا رمى بتوجهه هذا  بآخر أوراق مصداقيته الوطنية ، فقد فضحه مأزقه البنيوي واسقط عنه صدقية انتمائه وازدواجية تشدقاته الديمقراطية ،  وجاء إنقاذ ماء الوجه من بعض القوى الحزبية التي أدركت خطورة هذا  " الفعل الرباعي " وعملت مشكورة على إفشاله وإيصال الحوار إلى طريق مسدود ، حيث جاء قرار المقاطعة وعلى الرغم من هشاشة أسبابه ، فله إيجابية واحدة هي إفشال القائمة الرباعية الكارثية ؟ وبهذا المعنى فقرار المقاطعة لم يكن سياسيا ؟ وإنما إجرائيا اضطراريا ؟ .
أن قرار الحركة الحزبية الكردية بالمشاركة وفي إطار هامش الظل لم يكن يحمل من المسوغات السياسية شيء له قيمة ، وبذات الوقت جاء قرار الانسحاب هزيلا ، إجرائيا ، لا فعل سياسي يتضمنه ، وفي الحالتين يخرج الإنسان صفر اليدين في معرض بحثه عن الفائدة الوطنية أو السياسية التي ابتغاها وحققها قرارا المشاركة أو قرار الانسحاب ! ناهيك عن توقيت الانسحاب والذي جاء غير موفق إطلاقا ، فلا هو استند إلى معطيات سياسية عامة والتي تتجلى في قراءة متقدمة للواقع السوري وحيثياته ، يتوضح عبرها موجبات المشاركة أو الانسحاب ، وهي عملية تجري قبل البدء في الترشيح أصلا !   ولا هو استند إلى موجبات سياسية تتعلق بالشان الكردي في سوريا وتجاهله ، وكان يمكن لهذه الحركة الحزبية أن تتحرر من شرانقها وهامشيتها السياسية بإعلان الانسحاب احتجاجا على عدم البدء بحل مسالة المجردين من الجنسية مثلا ؟ .
اعتقد بان تكرار التجارب الفاشلة بات سمة مميزة للفعل الحزبي الكردي في سوريا ، وهذا الفشل ينعكس سلبا وباطراد على قضية المواطنية الكردية في سوريا ، ويبدوا لي وكأن الوظيفة الوحيدة التي باتت تتقنها أغلبية هذه الأطر ، هي وظيفة ديكورية مكملة للديكور العام مع اكتسائها بذرائعية أصحاب القرار من جهة ونفي أصحاب الرأي والمصلحة وهم الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكردي في سوريا من جهة ثانية ؟
ثمة تساؤل أخير هل سنشهد قريبا في صفحات النشرات الحزبية الكردية موجة تبرير قاصرة أخرى ، بذهنية سجالية من الدرجة العاشرة ، أم سيمتلك البعض بعضا من جرأة ليعلن  قليلا من " المخبوء والمستور والمهموس به "  من تصدعات العقلية الحزبية وممارساتها الهزيلة وانعكاساتها المدوية والكارثية على المصلحة الوطنية الكردية السورية ؟.

14/3/2002

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]