www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

10.01.2003 - 23:55

الأطراف الحزبية الكردية في سوريا
فالج! أم كبوة فارس!


مشعل التمو*
erdewan@amude.com



ثمة أمور يستوجب توضيحها قبل أن يغوص المرء قليلا في ممارسات الحركة الحزبية الكردية ورؤيتها للواقع انطلاقا من تلك الممارسة , لعل أولها , بأنني أفضل أن اسميها الحزبية وذلك لعدة أسباب , أولها لأنها باتت مقتصرة على اطر ضيقة بعامة وهامشية بخاصة وبات بنائها الذي تفخر به والذي لا زال معمولا به حتى تاريخه , عموديا أو خيطيا لا امتدادات أفقية " شعبية " له   وثانيها لان فعلها الممارس لم يعد سياسيا تداوليا يخص مجموع الشعب الكردي , وإنما يخص كل حزب على حدة , وبما يخدم مصالح العرش الأبدي , ولذلك فمن الإجحاف أن نجرد شعبنا الكردي في سوريا من صفة الفعل السياسي ونبقيها مقتصرة على مجموعات متناثرة من الأفراد المرتبطين بحكم الزمن والعادة , إما مصلحيا أو لهشاشة الوضع الاجتماعي للبعض منهم , أو لادوار مرتبطة بالبعض الآخر, والتي اجزم بان لا مصلحة للقضية فيها , وقد تختلف هذه الأدوار من ظرف لآخر , أو من محطة لأخرى , وعلى سبيل المثال فقد تخصص البعض بحرف مسارات الصراع الأساسي في كل منعطف يتطلب تأطيرا كرديا        عاما , عبر فتح جبهات متعددة ونداءات ثأرية أكل عليها الدهر وشرب ! وبما إنني لست في وارد تقييم مجمل نشاطات الحركة أو قواعدها السلوكية , وإنما أود طرح بعض الملاحظات التي أجد إنها تشكل داء يستوجب البحث عن حل له , بغية التوافق مع الراهن القادم والمعني به المنطقة بأسرها :

- حقيقة أن الإنسان معرض للخطأ دائما , هذا إذا كان إنسانا أولا , وذو فعل مجتمعي سياسي أو ثقافي أو إداري أو .. ..الخ ويبقى معيار إنسانيته هو قدرته على تجاوز الخطأ عبر الاعتراف به ومن ثم تصحيحه , وهو ما يتطلب مستوى محدد من الوعي الديمقراطي والفهم الحضاري لآليات العمل السياسي وركائز تفعيله , وفي هذا ملاحظ أن الكل في الكل " مصيب " ! فلم نشهد حتى تاريخه احد يمتلك هذا الوعي الإنساني , ليعلن بأنه اخطأ في ذاك الفعل السياسي , أو لم يعد العدة المناسبة لمواجهة الحدث الفلاني أو العلتاني ! فهنا المؤامرة خارجية , وهناك داخلية , وما بينهما وعي مؤامراتي , ألغى ملكات العقل البشري لدى العضو الحزبي وجعله أداة طوعية يشهر سيفه المقدام بمجرد الاقتراب من نصوصه المقدسة أو شخوصه المؤبدة ! وبما إنني سأقتصر هنا على جانب واحد من العجز البنيوي الذي تعانيه هذه الحركة , آلا وهو عجزها عن فك اسر ذاتها بعد أن احتكرت أبواب النشر لفترة طويلة من الزمن , وبمعنى فقد احتكرت الحقيقة والكلمة وساهمت إلى حد كبير في تفريخ العديد من مثقفي البلاط , ومتسلقي هامة الثقافة الكردية عبر الدعاية لهم وجعلهم أسماء رنانة طنانة , بينما هم في حقيقة الأمر أشباه تبعية لشخصيات دوغمائية الرؤية , تجيد فن القدح والذم ونصب المكائد , وزرع الشكوك والريبة , وضرب هذا بذاك , وهي القواعد الناظمة لاستمراريتها , بحكم إنها لا تستطيع العمل إلا في الظلام , ولذلك فقد سدت أية أفق لإبداء الرأي الآخر , وفتحت الأفق لمن تملق وصفق , وجعل من نفسه مطية لأمجاد الآخرين , وهي في هذا أيضا تماثلت مع العام السوري في تجزئتها للمجتمع الكردي وإقصاء الفكر والعقل فيه , وهو أمر ملازم لكل العروش الهشة للحركة الحزبية الكردية في سوريا , ويتجلى ذلك في عدم قدرتها على الإفادة من التطور التكنولوجي الحالي , بل أن البعض  يعتبره وبالا على شخصه أو اقطاعته , بحكم أن المجالات التي فتحتها المعلوماتية , ساهمت في كسر احتكار الكلمة واحتكار النشر والحقيقة , وهو ما اعتبره بداية تأسيسية لفكر كردي جديد , متحرر من ربقة الايدولوجيا بكل إطنابها , ومجالا علماني يعيد إلى الإنسان الكردي رونقه ويفتح له أفق مؤسس لوعي كردي متنور , ديمقراطي التوجه , يساهم وفق ما اعتقد بوضع اللبنات الأساسية لإيجاد هوية ثقافية كردية سورية , متحضرة ومدنية , تكون بناء تحتيا لسياسة وطنية تعيد للإنسان الكردي دوره وفعاليته كانسان أولا , بعد أن أممت الحزبية الضيقة هذا الدور وأدخلته في متاهات نكران الذات بغية خدمة توجهات فردية تحت مسميات جماعية .

- تخلف الممارسة السياسية الكردية في سوريا وعدم تجانسها مع الواقع من جهة , وعدم تطابقها مع ذاتها ثانيا , من حيث أن هناك خلل عضوي في بنية الفهم الحزبي الكردي , وخاصة فيما يتعلق بالمطلب الكردي والرهانات الهلامية المتماوجة مع أوهام النـزعة الفردية , والتي تمزج مزجا بدائيا بين التكتيك وخطة العمل اليومية وبين الرؤية الاستراتيجية للقضية القومية.

- قد تكون الحركة الحزبية الكردية في سوريا نتاجا طبيعيا لما تم زرعه في المجتمع السوري من تغييب ومصادرة الرأي والأخر , وعليه فما فعله حزب البعث بالمجتمع السوري من إنهاك قواه وهدر طاقاته ولجم تطلعاته وتأميم وعيه وفعله الممارس ! فعلته الحركة الحزبية الكردية في المجتمع الكردي في تماه مع حزب البعث الحاكم وصل إلى حد التطابق حتى النخاع , فقد أممت المجتمع الكردي وصادرت وعيه وفعله واستنـزفت طاقاته في معارك أخوية , طالت وتشعبت حتى تجاوزت البسوس بؤسا وهدرا لمفاعيل الأرادات الشعبية , مع اختزال الفعل السوي المطلوب في مواجهة السياسة الشوفينية الرسمية , إلى درجات الحد الأدنى ,  والذي ترافق مع أقصى درجات الصراخ والمزاودة الشعاراتية تارة , أو الكردستانية تارة أخرى , وفي الحالتين هروب من استحقاقات نضالية تمس المطلب القومي الكردي في سوريا من    جهة , والمطلب الديمقراطي العام من جهة ثانية , فقد تهربت الحركة الحزبية الكردية في سوريا وانزوت مع طمر رأسها في الرمال , معتمدة على شعار " وكفى الله المؤمنين شر القتال " فلا حاجة لدفع استحقاقات نضالية عامة أو خاصة  وإنما يمكن الاستعاضة عنها بهامشيات متنوعة ومختلفة , تلهي بها أعضاءها وتدفع بهم باتجاه الخروج من دائرة الفعل السياسي أو الثقافي , وهي في هذا والحق يقال تملك إرثا متخما من القواعد الناظمة للتربية الاتباعية , والتي هدفها إخراج العضو من دائرته الإنسانية , وجعله مجرد متلق لأوامر قائد ملهم , أو أمين عاما مؤبد , وبذلك يكون العضو قد فقد أولى سماته الإنسانية , والتي هي القدرة على التفكير , والقدرة على اتخاذ القرار وبناء شخصية مستقلة تمتلك ركائزها الإنسانية , بما هي ذات فاعلة , وليست أداة خدمية , تمتطيها شخصيات ولأقل أسماء , اغلبها مؤتلف وملفق لا جذر معرفي له !

- أن أية مراجعة بسيطة للسجل الحزبي الكردي في سوريا , لا يلاحظ فيه سوى سلسلة مترابطة من أزمات متواصلة  جلها مختلق وهامشي , وما هو إلا تعبير عن انتعاش مصالح حزبية أو فردية في الظاهر , ولكنه في المضمون , استنـزاف لطاقات هذا الشعب وإخراجه من اللعبة السياسية السورية ! .

- إذا هناك الكثير من الإشكاليات المستديمة التي لا أجد هنا مكانا لعرضها , ويكفي أن أقول بان الإطلاع عليها ليس بالأمر الصعب في ظل واقع التردي والتفكك الذي نعيشه في سوريا , ومن البديهي إننا يجب أن نعمل معا على إيجاد آلية عملية للخروج من المأزق الراهن , واقصد بهذا الكلام من يدرك بان الحركة الحزبية في مأزق معتم , إما من يعتقد بأنه بخير وليس في مأزق , فلن اقترب من مجموعة تخيلاته الخبلية التي أخرجته من اطر المعرفة الإنسانية , كما أن الحوار أو حتى الاقتراب منه لا يجدي وهو على حد تعبير المثل الشعبي " فالج لا تعالج " !

وعليه فان رأيي في هذا المضمار قد يكون يتضمن الخطوات الأولى فقط , وهي التي لا يمكن أن تكتمل إلا بامتلاك الحزبية الكردية لشفافية ووضوح في عرض المعضلة على بساط البحث وجعلها مادة أساسية مفصلية في نشاطاتها ونقاشاتها , وهو ما يتطلب امتلاك  القدرة على الاعتراف  بما جنته هذه الأحزاب على قضية الشعب الكردي في سوريا أولا وما شوهته في بنية العقل الكردي تاليا ! ولذلك فانا أجد أن الحل يكمن أولا في الاعتراف بما هو موجود , ومن ثم عقد لقاءات وطنية  تشاركية , عامة , تناقش الشأن الكردي وكيفية الدخول في العصر القادم , وهل الأطر الموجودة باتت ملائمة لحمل تبعات المستقبل , أم نحن بحاجة إلى آليات واطر مختلفة في نهجها وشخوصها واليات فعلها السياسي ! ومن ثم هل ما هو قائم يستجيب لروحية المطلب الكردي في سوريا , وما هي نقاط التقاء هذه الروحية مع مكونات الشأن العام السوري , وأية قدرة تغييرية تمتلك الأطر القائمة , ومن ثم ما هي رؤيتها المستقبلية وكيفية تجسيدها واقعيا في المجتمع الكردي السوري !
إنها مجموعة تساؤلات قد تستوجب حين بحثها تساؤلات أكثر حدة وجدية , ولكنها المسكوت عنه في الشارع السياسي الكردي في سوريا , وإذا كنت أخمن بأنه قد يكون تغطيتها وتبريرها ممكنا اليوم , لكنني اجزم بأنه لن يكون ممكنا غدا ! ولذلك فإنني أتمنى أن نسعى معا , مثقفين وسياسيين , كلا في مضماره ووفق إمكانياته , للعمل من اجل المساهمة في البحث عن أفق نضالية جديدة , تتوافق وروح العصر , وتستجيب لمعطيات الواقع الراهن , وتكون على اقل تقدير مكون تأسيسي لماهية الوجود القومي الكردي في سوريا , كجزأ فاعل من موروثاته الحضارية ! ولنأخذ العبرة من ذاتنا ومن ما يحصل من تداعيات وانفراط عقد الحزبيات الكلاسيكية في جوارنا , وهو ما اجزم بأنه قادم لا محالة ! فهل تمتلك بعض الشخوص الحزبية قدرة قول الحقيقة والبدء بمعالجة الاستعصاءات الكثيرة , حتى وان كان ذلك سيفضي حكما إلى ابتعادها وتخليها عن مواقعها الحزبية لصالح المستقبل , أم تبقى محتكرة لحزيباتها , حتى وان تجاوزها الواقع , هو تساؤل مشروع , أتمنى من كل قلبي أن لا يكون فالجا لا جدوى من المطالبة بإصلاحه ! .

05.11.2002


* كاتب كوردي سوري , ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا – القامشلي

>> صفحة البداية <<



----------------------------------------------------
اتصل بنا لنشر نصك هنا: munteda@amude.com


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]