www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

09.12.2002

رؤية متمايزة فيما هو مطلوب كردياً في الراهن القادم

مشعل التمو*
erdewan@amude.com

أخبار الشرق - 1 تشرين الأول 2002

مدخل

يحفل تاريخ منطقتنا بالنزاعات المتنوعة ذات المصادر المختلفة (القومية والطائفية .. إلخ) والمستديمة من جراء أسلوب التعامل معها، من حيث إنكار وتجاهل وجودها والانفجارات المتتالية بعدها، وهو ما أدى إلى انسحاب هذه الصراعات على التاريخ المعاصر نفسه، منذ أن وضعت المصالح الحيوية الدولية الحدود الراهنة دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعوب القاطنة فيها ولا حتى أعراقها وأطيافها، الأمر الذي شكل ولا زال مصدرا للتوتر ولمجمل النزاعات العرقية والأثنية.

وفي الوقت الراهن يسود العالم نمط من العلاقات الدولية سمتها سيادة مفاهيم أكثر تطوراً وحضارة وإنسانية، إن كان ذلك على صعيد التعامل السياسي أو على صعيد التعامل الدولي الذي شكلت تداعيات 11 أيلول أحد أهم ركائزه مع ما أفرزته من معطيات وحيثيات لم يعد بالإمكان تجاوزها أو عدم أخذها بعين الاعتبار.

فمنذ أن نالت سورية استقلالها وضمت بين حدودها قسماً من الشعب الكردي والتطورات تتلاحق سلباً أو إيجاباً على مجمل الشعب السوري خاصة وانه خلال مراحل طويلة كان فيها المجتمع السوري وتطور الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية فيه مرهوناً بنمط حددته الصراعات الدولية وما آل إليه لاحقاً من فشل ذاك النموذج المقتبس في إدارة مؤسسات الدولة من جهة أو شكل التعامل مع الواقع الموضوعي للشعب السوري من جهة ثانية وآلية الصهر القومي ونكران الوجود الإنساني حيال الشعب الكردي من جهة ثالثة ناهيك عن نمط العلاقة بين المجتمع والسلطة وما وصلت إليه الأمور من إلغاء وهضم للمجتمع من ناحية رابعة.

هذه المسارات وما رافقها من متغيرات لاحقة أوصلت الحالة المجتمعية في سورية إلى حالة من انعدام التعبير الديمقراطي والمترافق مع الإلغاء القسري لمجمل أوجه النشاط الثقافي والفعل الإنساني في المجتمع السوري ناهيك عن محاولات طمس الهوية الثقافية للشعب الكردي وإلغاء وجوده كمكون فاعل في الوجود المجتمعي السوري!

هذا من ناحية المسار الرسمي والذي ترافق مع حالة من التشظي وانعدام الوزن في الشارع الكردي الثقافي والسياسي وأدى إلى ابتعاد غير موضوعي عن مجمل القضايا الحيوية وعلى رأسها القضية الديمقراطية ومسألة حقوق الإنسان في سورية عموماً وعدم القدرة على الربط الموضوعي فيما بينهما وبين الهوية الثقافية للشعب الكردي في سورية وأوجه النضال في سبيل تجسيد هذه الهوية خصوصاً.

وهو ما يستدعي البحث عن حلول واقعية تظهر التموقع الموضوعي بين الهوية الوطنية السورية ومكوناتها وبين الهوية الثقافية للشعب الكردي كجزء لا يتجزأ من تلك المكونات بعيداً عن كل ما يثير العصبية والرأي الواحد وإنكار الآخر المتمايز والمختلف قومياً أو فكرياً. وعلى هذه الأسس والمنطلقات جاء إعلاننا لمنتدى جلادت بدرخان الثقافي كتجسيد لحالة حوارية حضارية ثقافية تكون تجلياً واقعياً لوعي نقدي يتجاوز حالة القبلية المتعصبة أين كان مصدرها ويتوافق مع منطق الحياة وواقع التنوع المؤلف للمجتمع السوري والذي يضفي عليه طابعاً حضارياً مدنياً أن تفاعلت بناه وتأطرت لتشكل لوحة جمالية خطوطها هي تآلف وتوافق مجمل الثقافات واللغات المتواجدة على الساحة السورية. لكن وكما هو معلوم تم الإغلاق القسري لمجمل هذه النموات المدنية في محاولة لإعادة الركون والوضع المجتمعي السكوني والذي لم يعد يجدي التستر عليه فهو بات بحاجة ملحة لمشروع نهضوي إصلاحي ذي أفق علماني ومرتكزات مدنية قوامها حقوق المواطنة وسيادة القانون بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وما تتطلبه من إجراءات وإصلاحات لتجسيد الحضور الإنساني بكل مكوناته الثقافية وتمايزاته القومية والأثنية وتآلفها ضمن إطار سورية كوطن نهائي لكل هذا الإرث الحضاري الذي امتزجت وتفاعلت سائر بناه لتشكيل مرجعية من القيم والمفاهيم والعلاقات هي أساس تاريخه الحديث والمنطلق الأسمى لتحديد مساره المستقبلي الزاهي بألوان الطيف القومي كأحد أهم ركائز وحدته وهويته الوطنية والممون الديناميكي لتفعيل حراكه الاجتماعي.

إن الراهن يفرض البحث عن حلول إعمارية لهذا البناء المهجور الذي يحتاج وفق ما أعتقد إلى ركائز صلبة ومتينة، قادرة على تحمل ومواجهة مرحلة إحياء المجتمع وتنشيط فعالياته وإبراز وجهه الناصع وهو أمر اجزم بأنه لا يتوفر إذا لم نبحث معا عن هويتنا الثقافية والتي هي مصدر ومنبع خصوصيتنا القومية.

لماذا البحث وتجسيد الهوية الثقافية للشعب الكردي في سورية؟

الثقافة بوصفها جهداً عقلانياً مرتبطاً بالواقع وبحركة التطور والتغيير، هي نتاج للفكر الإنساني الذي يبدع في إيجاد مجموعة القيم والأحكام وسواها الناظمة للسلوك البشري من جهة والدافعة لنشاطه وفاعليته من جهة أخرى، أي إنها الناظم للسلوك السياسي ومقياس تطوره. فما من موقف سياسي لا يعبر عن سلوك ثقافي يتحدد بدرجة قدرته على فهم الظاهرة وآلية العمل في سبيل إصلاحها وهو ما يتجسد موقفاً سياسياً إما أن يلقى النجاح أو الفشل. وفي الحالتين فاللغة التي يتحدد بها الخطاب تظهر إلى أي حد يمتلك المنطق العقلاني في انتقاء كلماته المعبرة عن الموقف من حدث أو ظاهرة لا على التعيين، والى أية درجة يمتاز بالترابط بين آليات العمل ودوافع الفعل المجتمعي والعلاقة التوافقية بين مكونات المحيط الداخلي والإقليمي والدولي.

وعلى هذا وبدون أدنى جهد لو راجعنا مجمل أوجه النشاط والسلوك السياسي الكردي في سورية والبنية الثقافية التي يستند عليها، لأدركنا حجم الخواء والتشظي المغلف بشتى نعوت وأوصاف ماضوية توقفت عند زمن غابر ولم تستطع مجاراة الواقع المتحرك وهو ما انعكس انشطارات عمودية في الأحزاب الكردية الموجودة وابتعاداً أفقياً عن الشعب والقضية مع إبعاد قسري وإلحاق قيصري لا فاعلية له بكل ما يمت إلى الثقافة بصلة! ولعل الميزة الأهم التي تسم الخطاب آنف الذكر هي غيبيته وميتافيزيقيته وعدم قدرته على الارتقاء إلى مستوى واعٍ ومنظم بسبب الفراغ الداخلي للذات المسيطرة وابتعادها عن العقل الثقافي الكردي، ليت هذا فحسب، بل محاولة خنقه أو وسم دوره بالهامشية، ما أدى إلى خلل في الرؤية والموقف وبالتالي إلى فقدان الشعب الكردي في سورية لهويته الثقافية وتجلياتها السياسية والاجتماعية.

ومن أجل إعادة إنتاج أسس سليمة للخطاب الثقافي الكردي في سورية بكل جوانبه الإنسانية وركائزه التي لا نجد بديلاً لهما سوى في العدالة والحرية، لذلك فنحن نعتبر أن بداية تجسيد الهوية الثقافية للشعب الكردي في سورية بكل زهائها وقدرتها على التعايش والتطور، تتطلب بناء عقلاني الهدف وسلمي السلوك والأسلوب، وهو ما ينتج خطاباً متوافقاً مع التراث الثقافي الكردي ومجسداً للوجود الإنساني الساعي إلى تحقيق ذاته الفاعلة وتثبيتها في مسار التاريخ الفعلي وليس الافتراضي!

ألم يحن الوقت لنعرف ما نريد؟

ألا يتطلب ذلك منا إعادة ترتيب أولوياتنا وتحديدها صراحة ودون مواربة؟

أجزم بان المنطلق هو العمل على تحقيق وإبراز الهوية الثقافية لشعبنا الكردي بكل مكوناتها المعبرة عن تاريخية الوجود من جهة، وعن قدرتها على العيش وصنع التاريخ من جهة أخرى، وتجسيد حيويتها وتجانسها وقدرتها على التفاعل الحر والخلاق مع المكونات والهويات الثقافية الأخرى في المجتمع السوري من جهة ثالثة.

أرضية ومضمون العمل والفعل الثقافي الكردي في سورية

بعيداً عن الديماغوجيا وشعاراتها والحزيبات المبعثرة ومناطقيتها فإن تجسيد الهوية الثقافية الكردية والعمل من اجل الثقافة بشكل عام هو فعل سلمي النزعة، ديمقراطي التوجه، علني السمة، ركيزته تستند وتنطلق من الأرضية السورية ومهامه تشمل الساحة السورية بكل أطيافها وتنوعها القومي والديني. وبهذا فالفعل الثقافي الكردي في سورية يناهض كل أنواع مصادرة الرأي وتغييب الإنسان وهو جزء لا يتجزأ من النموات المدنية الحديثة في المجتمع السوري وركيزة من ركائز القوى الديمقراطية المنادية بفك قيود المجتمع وتفعيل بناه السياسية والاجتماعية والثقافية.

وعلى هذا فالعمل الثقافي - السياسي(الذي أعنيه) الكردي في سورية يقف بكل وضوح وعلنية إلى جانب المنظمات الأهلية والقوى الديمقراطية السورية الأخرى في نضالها من أجل إحياء المجتمع السوري والنهوض به، وهو بحد ذاته منظمة مدنية من منظمات هذا المجتمع، مبني ومؤسس على مفهوم المواطنة بكل حيثياته وما تعنيه من حقوق وواجبات، من حيث أن سورية وطن نهائي لكل قومياته وأطيافه من جهة، وما يعنيه ذلك من اعتراف وتجسيد لمكونات ذاك الوطن الثقافية وتمايزها وتفاعلها لتكون الترجمة الواعية لحقوقه في إطار مواطنيته تلك، وهي تعبير عن حرية المواطن وخصوصيته القومية التي تدخل في صلب مفهوم حقوق الإنسان ومواطنيته التي تم مصادرتها خلال صيرورة تغييب الرأي وطمس الهويات الثقافية لمكونات المجتمع السوري ونفي مواطنيتها التي هي أيضاً إحدى أعمدة المجتمع المدني وجمعياته الأهلية.

إن الفعل الثقافي - السياسي الكردي مطالب اليوم بنقد ذاته، نقداً جارحاً، والاعتراف بفشله في المرحلة الماضية وطرح مجمل تصوراته للنقاش العام دون تقديس هذا أو ذاك، ودون ثوابت بالية ومعارك هامشية، وإنما إعادة مبدئية للأحزاب والمنظمات الكردية إلى مجتمعها من جهة وتحديد انتمائيتها من جهة ثانية، والكف عن التشدق بتمثيل المجتمع وهي ابعد ما تكون عن فهم آليات تفعيل بناه وتنشيط أطره وتجميعها لبناء فعل ثقافي - سياسي جمعي، مدني الهوية، دون ثنائيات معتقدية وإيمانية، وهو أمر يتطلب منا جميعاً المساهمة في رسم وتحديد خطاب ثقافي - سياسي عصري يمتلك ميزة الديناميكية والفهم الحضاري للمرحلة يظهر الربط الجدلي بين القومي الكردي والوطني السوري على أساس أن المعضلة القومية الكردية في سورية هي مسالة وطنية أولا وديمقراطية إنسانية أخيراً.

ووفق تصوري، إن أي فعل ديمقراطي التوجه والبناء، عليه أن يعنى بالشأن العام السوري بعامة وبالشأن الكردي في سورية بخاصة، والربط الجدلي بين الخاص والعام من حيث أن سورية بلد متعدد القوميات والحضارات، ومن الضرورة أن تتجسد الخصوصيات الثقافية المختلفة وتأتلف في إطار لوحة حضارية جديدة تظهر وجه سورية المدنية وشخصيتها المتميزة بألق تمازج وتفاعل أبنائها وخصوصياتهم المختلفة. ومن الضرورة أن نسعى إلى المساهمة مع كل الوطنيين والديمقراطيين والشرفاء في بناء مجتمع تعددي يفخر بعمق ثقافته الإنسانية والتي هي مزيج متجانس ومتفاعل من مجمل أطيافه وتلاوينه، بعيداً عن التمفرد ورفض الآخر بسبب الرأي أو العقيدة أو القومية، وأجزم أن التمفرد أين كان مصدره وأين كانت أهدافه ومراميه سواء كان سياسياً أم ثقافياً أم دينياً أم لغوياً هو ما أوصل مجتمعنا إلى حالة الانسداد التي نشهدها وهو المنتج لأحادية الخطاب ورؤياه الشمولية، وعليه فأنا أعتقد بان أهم الأهداف التي يجب العمل من اجلها هي:

1 - إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية.
2 - تغيير الدستور السوري وإلغاء المواد والفقرات المعيقة والمانعة للتعددية في المجتمع السوري من جهة، والاعتراف الدستوري بالتنوع والتعدد القومي كجزء مهم وحيوي في تقوية اللحمة الوطنية من جهة أخرى.
3 - حرية التعبير والرأي والتظاهر السلمي وضمان حرية وحق المواطن في المشاركة بالشأن العام واحترام كرامته الإنسانية.
4 - إطلاق سراح سجناء الرأي والضمير وإعادة الحقوق المدنية للمجردين منها والعفو العام عن المنفيين وضمان عودتهم.
5 - ترسيخ حق المواطنة المنصوص عنه في كل المواثيق والعهود الدولية.
6 - منح الهوية السورية للمجردين الكورد منها وإلغاء كل قوانين الصهر القومي وتصحيح آثاره.
7 - تجسيد الخصوصية الثقافية الكردية وهويتها الإنسانية في إطار عمومية الهوية السورية.
8 - حق الطفل الكردي في تعلم لغته الأم.
9 - الاعتراف باللغة الكردية في سورية كلغة وطنية ثانية في المناطق الكردية، وفتح مدارس لتعليمها في تلك المناطق، وتثبيت ذلك دستورياً وقانونياً.
10 - الاهتمام بكل الثقافات الموجودة التي هي نتاج حضارات شكلت عماداً لماضٍ زاهر لسورية ومن الأجدى الحفاظ عليها وتثبيت خصوصيتها لتكون جسراً وأرضية صلبة لمستقبل سورية وتطورها كدولة تعددية حضارية تستجيب لمتطلبات العصر وتفخر بتمازج وتفاعل حضاراتها.

خاتمة

إن إعادة النظر بمجمل الواقع الكردي ومحاولة تجاوز حالات القداسة الفردية وضبابية الرؤية الحزبية، المتشرنقة في أطرها ذات النظم التقليدية والمنتظرة لحتمية لا أفق لها، أمر لا بد منه، إن أردنا أن نكون في التاريخ فعلاً ووجوداً، ومن الضرورة رؤية الواقع من زوايا نظر متعددة والتخلص من حالات التردد والاحتماء الهش الذي يعيد إنتاج بدع لا سوق لها، ولم تعد تجذب أدنى انتباه من لدن أبناء شعبنا الكردي المنكوبين بحزيباتهم المتماهية مع الماضي وكوابيسه حيناً, والخائفة من انفراط عقدها أن خرجت إلى الحاضر حيناً آخر، وبين هذا وذاك يأتي منطق الواقع والحياة ليفرض نمطاً جديداً من الفعل والعمل والوعي، وإن شئتم من التنظيم أيضاً، وهو ما يجب أن يسعى لاحتلال موقعه كمنبر لكل المثقفين الكورد وسائر الشرفاء من أبناء الشعب الكردي في سورية وإظهار خصوصيتهم الثقافية وقدرتها على التطور والتفاعل مع الثقافات الموجودة في وطننا المشترك سورية، على أساس من ثنائية الحق والواجب وفي إطار دولة تضمن لكل مواطنيها الحق والقانون، وأن تسهم بقسطها في جعل مجتمعنا السوري مجتمعا تسوده المساواة والعدالة الاجتماعية وتحترم فيه المواطنية وتصان حقوق الإنسان.

إن مجموعة الأفكار هذه أفكار أولية ورؤى تحتمل الخطأ والصواب. وطرحها للمناقشة الحرة والتفاعل مع الآخر، هو السبيل للتواصل وكشف الخلل ووضع الحلول. كما أن إبداء الرأي من موقع التمايز والتباين يساهم في إرساء قواعد مدنية للحوار وقبول الآخر مع احترام الاختلاف والتعدد في إطار المصلحة الواحدة والوطن الواحد، ولذا أعتقد بأن المساهمة في إغناء وتصحيح وإثراء النقاش حول هذه الأفكار عبر لغة الحوار البناء والسلمي والعلني المعبر وبوضوح عن صدق النية ووضوح الهدف يصب في خدمة شعبنا الكردي وقضيته القومية ومستقبل وطننا المشترك.


* كاتب كردي سوري، عضو لجان إحياء المجتمع المدني في سورية - القامشلي. والمقالة في الأصل محاضرة أُلقيت الشهر الماضي أمام جمع من المثقفين والمهتمين الأكراد والعرب في حلب.

>> صفحة البداية <<



----------------------------------------------------
اتصل بنا لنشر نصك هنا: munteda@amude.com


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]