www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
26.07.2003 - 22:24

سياسوية الإنكار وغوبلزية تجاهل المتمايز قوميا في سوريا

مشعل التمو*
erdewan@amude.com

الحديث عن المناطق الكردية في سوريا , والسياسات الشوفينية المتبعة في تعريبها ذو شجون كونه متعدد الأوجه والتفرعات ,كل فرع يثير غصة وحنق واستياء يتراكم ب أ بعاد ثلاثية وحلزونية يصعب في المدى المنظور فك وحل هذه العقد وارهاصاتها أو فهم طبيعة تركيبتها , فهي من جهة أولى قومية راكمت السلطات بسببها أكواما من مشاريع شوفينية وإجراءات صهرية قروسطية , ومن جهة ثانية سياسية نالت الويلات جراء النهج الأحادي القائم على نقاء الأمة الواحدة ورسالتها المخولدة , ومن جهة ثالثة إنسانية عملت السلطات فيها تمزيقا وتعريبا وتهجيرا وتبعيثا قطع أوصال اليد الواحدة وزرع بؤر خوف متنوعة جففت مآقي الروح والحس الإنساني , ومن جهة رابعة اجتماعية زرعت عبرها السلطات أنساق وسدود وانشقاقات على مستوى البيت والعائلة والحزب و .... الخ , ومن جهة خامسة ثقافية حبست الحرف في عنق أصحابه وغيرت مخارج الأحرف ومداخل مكنونات الإحساس والشعور ولاحقت تعبيرات لغة الإنسان وعلقت في درابزين الغوغاء وأبناء القاع حضارة شعب وميراث امة , ومن جهة سادسة اقتصادية ترفل بالبيروفسادية الممأسسة بأكوام من عنابر الهتيفة وشركاء الخطوط وأنابيب الشفط الممتدة من دجلة وحتى بردى , مضافا إليهم جباة أصحاب القرار الذين يشكلون متوالية متتابعة ومتماسكة ومتشابكة, وفوق كل هذه المجاميع من اقانيم الصهر وصلف التعامل , فهي مأساة وطنية أن كان لا زال للوطن معنى كذاكرة وموروث ومستقبل ؟ .
حقيقة لست في وارد الحديث عن كل هذه التفرعات وتجلياتها بسبب أن كلا منها يجعل الإنسان السوي يسير على رأسه ؟ ولكنني هنا أود أن أتحدث عن قضية إنكارية المدى والوجود وباتت تمتلك صيرورتها وقواعد ارتكازها وناظمها المعرفي الذي أسس له العقل المفعم بثنائية الأمة / العقيدة وهواجسها في العلى والاقتدار وسمو الذات المرضي والمعدي في ذات الوقت , وهو ما سماه ياسين الحافظ " المعتقد الإيماني القومي العربي " الذي هو في تضاد مع الزمن ويزرع " معتقدية قاتلة لدى متحزبيها " , بمعنى التحجر الدوغمائي والتصلب الساذج والبعيد عن فهم الواقع العياني , والاعتماد على الوصفات الجاهزة التي تختزل أيديولوجيا كل أزمات واختناقات المجتمع عبر تقسيمه أما طبقويا وقد سمى ياسين الحافظ هذا النوع بـ " كاريكاتور طبقات "  أو قوميا مؤدلجا بتصوينات الفرادة ونقاء العرق , وما على الأخر سوى أن يذوب في هذا الاسيد سواء برغبته أو بعمليات الصهر والتعريب , أو اثنيا سلفيا يذكرنا بالقرون الوسطى ومقاصل الكنيسة أو المذابح والمقابر الجماعية للحاكمين باسم الله , هذا التقسيم الثلاثي وما يزرعه ثقافيا وأيديولوجيا ينفي وجود الأخر المختلف وينكر عليه حقه في الحياة ويحمله نكسات ونكبات أوهام الوعي القومي التقليدي وعجزه عن حل أو تجاوز قضايا ومشاكل المجتمع العيانية , أي أن ادلجة الوعي واستمرار حالة إنكار الوجود وتجاهل المصلحة الوطنية باتت تتخذ وفق ورثة بكداش أو متحزبي عفلق ودائرته القومجية التي تضم عدد من تيارات الفشل المجتمعي , في التنمية والاقتصاد والسياسة والوحدة والثقافة وفوق هذا وذاك الفشل في بناء الإنسان السوي بعقلانيته وشخصيته الحرة والفاعلة , وقد وفق ياسين الحافظ في وصف هكذا حالات مجتمعية بأنها تضع " سرير بروكوست وكل فرد ينتظر , يتمدد فوقه ولكن لتقطع خصيتاه فيغدو ضحية وديعة مذعنة حياتها فرار وموتها خلاص " .
إذا ما هو سائد اخصاء عمومي النـزعة , ويضاف إليه خصوصية الإنكار والتجاهل لنحصل على معادلة من الدرجة العشرين من حيث السوء وفقدان الحس بالوطن وبقيمة المواطنية دون أية حسابات إنسانية أو وطنية للنتائج الكارثية التي تتبلور أو تتراكم تحت السطح على الوطن المشترك الواحد , والتي اعتقد بأنها ستجد يوما فوهة تنفجر عبرها قاذفة حمما حارقة ؟ .
هذا النمط من الإنكار العبودي الذي يحمل ممارسة للرق بابشع صوره هو الذي جعل أصحاب " البدون" في بعض دول العُرب أوطاني , يتمنون أية جنسية حتى ولو كانت " الإسرائيلية " بعد أن يأسوا من جنسية بلدهم وقصر نظر حكامهم وهمجية تعامل الطبقة السياسية والثقافية مع الإنسان بوصفه معطى حياتي وكائن له فرادته وقيمته المعنوية , هذا الإنكار وتجاهل الوجود والعمل على تذويبه أدى إلى إصابة إنسانيي الدرجة الثانية بالتخمة والاشمئزاز من التعامل الداخلي في كل الدول والأقاليم المبنية على الرسائل الخالدة و التي أضحت فيها الأمة عقيدة بحد ذاتها , وهذا حال البدون أو غير السائرين في ركب الخلود من أبناء القومية نفسها ، فكيف والحال هذه بأبناء القوميات المختلفة والمتمايزة , حيث يتم التعامل معها على أرضية عدم وجودها أو نسف هذا الوجود أن كان يتمتع بركائز جيوسياسية , وهو ما يعاني ه الشعب الكردي في سوريا من إنكار حقه في حياة حرة وكريمة , فمنذ سيطرة العروبية كعقيدة مصمته انهالت المشاريع الشوفينية وتتالت تعريبا وصهرا وتعتيما على الهوية , ورشفا اقتصاديا جائرا نتفت فيه البقية الباقية من ريشهم وإنسانيتهم , التي يتلذذ بها ساديوا الرؤى القومجية , كيف لا وفي كل ارتشاف جديد للإنسانية يرتفع رصيد بنكي أو قومجي ويتكوم أكداس من أصحاب السوابق في تسابق لارتشاف القطرات المتناقصة من حس " البدون " الوطني والإنساني , وبغوغائية استعلائية يتهافت ثورجيي الأمة الخالدة بالوطنية ومقاومة " الأجنبي " والصمود والتصدي ودولة الاشتراكية المنكوبة ؟ ويصمون الإذن ويغضون الطرف عن مأساة وطنية ويتناسون انه ليس معقولا أن يمتلك المقموع عقلا يهتدي فيه على الوطن أو إحساس يجعله يدافع عن ثلل وأمراء الحزب الواحد ؟ .
أن ما نشهده من سياسوية الإنكار السياسي والإنساني في سوريا سواء رسميا أو من لدن بعض الملتحفين بالرسمية وتحت عباءتها , يندرج بالتأكيد في البنية المرضية للوعي المعتقدي القومي التقليدي " البدوي " ذي الجذر الثقافي السطحي والمتيبس الذي ما فتأ منذ ظهوره وحتى تاريخه يفتي ببراءة المهزومين وشرعية الهزيمة , ويتفق في هذا الكثير من التيارات الماركسية " المسفيتة " والقومجية الشعاراتية بتعدد إطنابها واخراجاتها , وكلا من هذه التيارات يتصل ويتفاعل مع بعضه البعض عبر قنوات شعرية تائهة , خاصة فيما يتعلق برفض الأخر المتمايز قوميا ونفي وجوده والعمل سرا أو علنا على صهره وتذويبه , ناهيك عن التعامل معه وفق منهجية التعامل الرقي "العبيد" , ولعل عدم الاعتراف بالوجود المواطني من جهة وعدم امتلاك أية جنسية من جهة ثانية , تجسيد ديناميكي لتراث الرق وسوق النخاسة ؟ وكما أسلفت هذا النمط من السلوك العملي ظاهر وواضح للعيان لدى تيارات السلطة ومناهج الحاشية , ومخفي ومستتر لدى بعض مُدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان , فهي وان أعلنت بعض المواقف الخجولة تجاه الشأن الكردي الخاص , لكنها تبقى مسبوقة دائما على تأكيد وحدة البلاد بمناسبة وبدون مناسبة , طالما تعلق الأمر بالاعتراف بالوجود الكردي .
هذا التأكيد وتكراره الممل والذي لا يستند إلى أية أسس معرفية أو علمية أو عقلانية , يحمل في جانبه المقابل دلالة نفي الأخر المتمايز , ولا يمكن وفق تصوري اعتباره موقف ديمقراطي أو إنساني بحكم عدم وضوحه وضبابية حدوده من جهة , وتقزيم الوجود القومي والسياسي للمختلف من جهة ثانية , ولا يتعدى موقفا براغماتيا آنيا تتطلبه ضرورة المرحلة والضعف المزمن الذي تعانيه مثل هذه التيارات ؟ وسأكون أكثر وضوحا حيال هذه المسالة , فإذا كانت السلطات الرسمية السورية تنفي الوجود القومي الكردي وتعمل على إذابته كليا أو جزئيا فهي تقوم بدافع الحفاظ على وحدة البلاد أو على اقل تقدير تحت هذه الذريعة , ولعل ملفات محاكم امن الدولة موجودة وبها ما يفقأ العين حول هذه التهمة التي لا أساس واقعي أو منطقي لها , ووفقها تنعدم الحدود وتنتفي الضوابط العقلانية , بحكم انتفاء إمكانية التكهن بمستوى الضرر الذي تلحقه بسوية التعايش وروح المواطنة , ويبقى لتقدير السلطات وبما يخدم مصلحتها في الصهر والإذابة , وعبر هذا المسار أيضا تتكاثر الخطوط الحمراء ودوائر الخوف , وبالتالي تقل مساحة الفعل السياسي وتضيق دائرته وتنتفي فعاليته , حيت لا يمكن التكهن متى يصبح الفعل السياسي للأخر المتمايز مسا أو عملا تقسيميا بحدود البلاد , بمعنى أن هذه المقولة , مقولة فضفاضة لا جذر عملي لها ولا حتى مستند عقلاني يبرر استخدامها أو حتى التلويح بها , وما هي سوى سيف يمكن استخدامه متى أرادت السلطات وبغض النظر عن المطلب السياسي أو الإنساني للأخر ؟ واجزم بان مجرد التلويح بهذا الشعار أو طرحه يحمل دلالة وجود أكثر من قومية تعيش في هذه البلاد , والا فما معنى طرحه أصلا ؟ فالسلطات الرسمية تنفي وجود قوميات غير عربية وبنفس الوقت يحاكم المناضلون الكرد بتهمة اقتطاع جزء من سوريا ؟ والرؤية الدلالية لهذه التهمة هي اعتراف صريح وواضح من السلطات السورية بان هناك مناطق جغرافية ليست عربية ويقطنها شعب ليس عربيا ؟ والا لو كانت المنطقة عربية لما كانت هذه التهمة أصلا , وبمقابل الموقف السلطوي الرسمي وبالتوازي أن لم اقل بالتطابق معه يأتي الإصرار على وحدة البلاد من جانب بعض قوى المعارضة ليحمل دلالة وجود مناطق ليست عربية في سوريا , وهو ما يدفعها إلى هذا التأكيد المتناسب طردا ومن حيث المضمون مع التهمة الرسمية .
أن حالتي الإنكار السياسوية تتشابهان من حيث النتيجة , كما انه وفي الحالة الأولى يمكن تبرير التهمة السلطوية بحكم طبيعتها ونظام الحزب الواحد فيها ونمط رؤيته وتعامله مع الأخر القومي , لكن في الحالة الثانية ليس هناك أي مسوغ يمكن وفقه تبرير الموقف ذاته والصادر عن بعض قوى المعارضة السورية , فيما إذا أردنا أن نضع تمايزا بينهما , أما إذا كانت بعض قوى المعارضة تتبنى هذا الموقف من القومي المختلف , تؤمن به تصريحا وفعلا , أو تقوم بتغليفه والتستر عليه شكلا وتفضحه دلالته مضمونا , وفي جميع الحالات فهو من حقها , وبالتوازي من حق أي مهتم بالشأن العام السوري أن يكون له موقفه الخاص ورؤيته حيال هذا التطابق السياسوي , ولذلك لا أجد آية جدوى في تمييزها عن قوى السلطة من حيث تطابق الوعي وتجلياته في الفعل السياسي ضمن المجتمع , وتوقع نتائج هذا الفعل المشابه لما تفعله السلطات راهنا , وما يحز أكثر في النفس هو حالة المجتمع السوري وما يعانيه من تفكك وانحلال واختناق بنيوي , وما يوازيه من إنكار غوبلزي للقومي المختلف , يجعل المراقب يعتقد وكأن الطرفان أنجزا كل مهام التنمية والرخاء وبات همهما وقف تقسيم وتجزئة سوريا , المفترض انه يأتي من قوى كردية تعمل وتدعو إلى اقتطاع جزء من سوريا الحديثة التي حددها ورسم خطوط تجاورها " الاستعمار الفرنسي " , وهي حدود لا يعترف بها غلاة القومجية إذا تعلق الأمر بالأمة العربية ورسالتها الخالدة , ولكنها تصبح مقدسة لا يجب المساس بها إذا تعلق الأمر بالأخر القومي , الذي حشر لسبب أو أخر ضمن تلك الحدود ؟ واجزم بان هذا الأمر لا وجود له سوى في المخيلة المريضة التي تنادي بالوحدة وتكرس الدولة القطرية , وبالتالي تنتج وعيا غيبيا عاصيا على فهم المرحلة وضروراتها من جهة , ولا تستطيع استيعاب أسس التعايش المشترك بين الشعوب وشكل بناءه من جهة ثانية , وتختزل فيه معنى ومفهوم المواطنة والوطنية إلى لغة رقمية يتم تحديد درجتها وفقا لكبر أو صغر الرقم المدون حديثا على البطاقات الشخصية الجديدة من جهة ثالثة ؟ بمعنى  انه ووفق الأرقام الوطنية تتناقص أو تتزايد الوطنية حسب كبر أو صغر الرقم الوطني هذا .
وفي كل حالات التمويه الشائعة يكون لها هدف تسويغ هذا أو ذاك من الممارسة الشوفينية وإنكار الوجود الإنساني , وفي هذا السياق تأتي هذه التهمة الرسمية الملفقة بحق المناضلين الكرد , ولذلك أيضا تأتي تأكيدات التيارات المسفيتة والقومجية في التأكيد على وحدة البلاد ؟ واعتقد أن هذه القناة الشعرية التي تتطابق فيها وجهة نظر السلطة الرسمية مع بعض تيارات المعارضة السورية , لا تختلف تأثيراتها أو تداعياتها أو حتى ممارستها أن اتيحت الفرصة لذلك , على الجانب الأخر المتمايز قوميا , فالاتفاق واضح على إنكار الوجود سواء كان صريحا أو مبطنا , والمبطن في هذا المضمار يتجلى في أكثر من مسار وأكثر من طرح ، سواء الطرف الذي يدعو لتأجيل المطلب الكردي وأولوية المطلب الديمقراطي العام , وهذا فصل فج وقصور معرفي وبراغماتية قروية تصب في ذات الاتجاه السلطوي وتتناغم معه شاء صاحبها أم أبى ؟ أو الطرف الذي يحمل موقفا خجولا ويعترف بوجود مأساة إنسانية هي المجردين من الجنسية السورية , ولكنه يصر على وحدة البلاد ويجزم سلفا بان هناك من يدعو إلى تقسيمها ! متناسيا بأنه منذ حصول الإحصاء عام 1962 والمطلب الكردي في هذا الاتجاه يسعى إلى نيل بطاقة هوية كتب عليها " عربي سوري " ولا أريد هنا أن أخوض في التفاصيل الدلالية لهذه العبارة , ولا حتى في الفهم الكردي الحزبي لها , وليعذرني القارىء على هذا التعتيم بانتظار مرحلة أخرى تتيح الكلام المباح ؟.
أعود إلى النقطة الأخيرة وأقول بان الطلب هو الحصول على " ع.س " فهل برأي القومجية إياهم يحمل هذا المطلب بعدا تقسيميا ؟ أم أن العقلية التي تُنظر وتدير هذه القضية لا تختلف كثيرا عن عقلية روما وتقسيمات مجتمعها وتمايزات شعبها ودرجة هذا التمايز , أخمن بان المعيار الذي ينظم الموقف السياسي لبعض فصائل العمل الوطني السوري , وحتى لبعض مثقفي المعارضة وصولا لبعض ناشطي لجان إحياء المجتمع المدني , إنما هو التملص من الواقع والالتفاف عليه والاستفادة من الرافعة الكردية المنظمة في تسخين المطلب الديمقراطي العام وبالتالي امتطاء الراهن والفعل السياسي الكردي , بدون أن يكون لهم رؤية واضحة وعملية تجاه ذات المطلب الديمقراطي الذي يسعى لنيله الكرد من السلطات الرسمية , وطبيعي هنا أن هذا لا ينتقص من حق الكرد في تصعيد النضال الديمقراطي السلمي ولكنه ينتقص من مصداقية الديمقراطية التي يسعى إليها هؤلاء القومجية أو الثورجية أو حتى الاسلاموية ؟
أن إنكار وجود القومي الأخر هي سياسوية بدائية سواء كانت صريحة أو مبطنة , وهي رؤية عبودية للأخر المتمايز , تنفيها عدالة السماء ويرفضها منطق الحياة والعيش المشترك , وما الإصرار عليها علانية أو سرا سوى فاجعة إنسانية ووطنية , ستنعكس على مجمل شعوب المنطقة المتخمة بالهزائم التنموية والسياسية , ومن الضرورة بعد انهيار منظومة الفكر الأحادي في العراق , رؤية انه هناك في المشهد السوري العام معطيات وثقافات متنوعة ومتغايرة , ولم يعد ممكنا التمترس وراء القديم ونفي التنوع القومي والثقافي والسياسي في المجتمع السوري , والتعامل معها وفق ذات الرؤية الأمنية الأحادية ,  فالحقائق تنضج وتتبلور والتعامي الرسمي أو السياسوي عن رؤيتها , يولد الكثير من المفاجآت التي أخمن بان الكثير منها سيكون عكس توقعات الرؤى القومجية والمسفيته , ولا غرابة في هذا فتجاهل الواقع ونفي حركيته , والتعامي عن طبائع الأحوال والحوادث وفق تعبير ابن خلدون فهو " لا يحسن التقدير ولا يملك أن يتوقع , بل هو لا يحصد سوى الخيبة والهزيمة " .
ولا أريد هنا أن أخوض أيضا في عدد الهزائم ولا في تراكم الخيبات التي عاصرتنا جميعا , والتي لا زال البعض منا مصرا على تهذيبها وتقديمها كانتصارات ونجاحات يطبل لها الكثير من مثقفي البلاط , والكثير من منتفعي العقلية القومجية المغلقة على أوثانها , والمصرة على عدم تغيير طريقة تفكيرها وأسلوب تعاملها مع ذاتها أولا ومع الأخر ثانيا .
ترى في خضم المحيط بنا وتفاعل دواخلنا وإرهاصات المدى المنظور من بعثرة إنسانيتنا , السنا بحاجة إلى :

- لغة وعي وإدراك ومسؤولية وطنية , شفافة ونقية , تحمل في بواطنها دلالة اعتراف بالأخر وحقه القومي والسياسي والثقافي والعيش في وطن تصان فيه المواطنة وينتفي الرق وتلغى العبودية ببطاقتها الحمراء وتمايزاتها اللاانسانية ؟
- إيقاف المزايدات الوطنية والاتهامات المبطنة بالتقسيم , وإخراج المختلف بالضربة الدلالية المختفية خلف خطاب مزركش ولكنه ينضح تخلفا وعنفا وجهلا وعدوانية ؟
- الابتعاد عن العقد القومجية والإيديولوجية التي أجادت في تكريس خطاب الإلغاء والإقصاء وتذويب الأخر ؟
- انفتاحا في وعي الذات واحترامها , التي هي مقدمة رؤية الأخر واحترام وجوده وكيانية مطلبه وحقه القومي .
- حوار يرتكز على العقل وحس إدراك المواطنية , يفتح أفقا جديدة لتعامل مدني وحضاري يعترف فيه الكل بالكل وينال فيه الكل حقوقا متساوية ومتكافئة وواجبات واحدة , ينظمها قانون عصري , ويجسدها دستور شعبي , يصون التعدد ويؤطر المختلف في بوتقة المصلحة الواحدة .
- العمل على أصلاح الراهن المأزوم وجعله انسيابيا في مسارات إنسانية , تمتلك زمنها الراهن ومكانها المعرفي المتوافق مع المستقبل القادم , وليس استمرارية لأعمدة الجهل والتجاهل .
- فهم الممكن وكيفية إنجازه , على أرضية التشخيص السليم لواقع عليل , وعلى أساس من عقلانية سياسية تدفع باتجاه التلاحم والتلاقي وليس باتجاه الفرقة والابتعاد .

بمعنى أن نتخلص من عتم الكلام وضبابية الرؤية السياسية , فما هو مطلوب اعتراف لا يقبل التسويف أو المداراة أو التضليل , من البعث وجبهته الملحقة بعامة , ومن أحزاب وقوى ومثقفي المعارضة السورية بخاصة , اعتراف علماني النـزعة , إنساني الدافع , ديمقراطي الغاية , يؤسس لبناء مجتمع تعددي ديمقراطي حر , يكون فيه التعايش واقعا مساواتيا وليس قسريا , والوحدة الوطنية ممارسة مواطنية وليس عبودية ورق , ووحدة البلاد واقعا عيانيا وليس ورقيا وشعاراتيا , واجزم بان سياسوية الإنكار وتجاهل التعدد القومي والاثني في سوريا , بات رافد غوبلزي تخيلي تدنو باضطراد نهايته الكارثية , أن لم يتوقف وتصحح نتائجه ويتوضع مساره في سياقه الوطني الصحيح , باختصار العمل كورشة متعارفة , متصالحة , قبل أن يحل " ضحى " لا ينفع فيه نصح ولا يمكن فيه دفع أي محظور ؟

قامشلو 25/7/2003

* كاتب كوردي سوري , ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا.

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- مشعل التمو: حل طال أمد انتظاره! (29.11.2002)
- مشعل التمو: قانون الأحزاب: بين مطرقة الذهنية الاقصائية وسندان الأمر الواقع (09.12.2002)
- مشعل التمو: رؤية متمايزة فيما هو مطلوب كردياً في الراهن القادم (09.12.2002)
- مشعل التمو: الفعل السياسي - بين ممكنات الواقع ومبدأ الغنيمة (24.12.2002)
- مشعل التمو: المشاركة الانتخابية - تباين الرؤى لعقلنة الواقع (25.12.2002)
- مشعل التمو: "أسئلة قليلة لمأساة كبيرة" (06.01.2002)
- مشعل التمو: الأطراف الحزبية الكردية في سوريا - فالج! أم كبوة فارس! (10.01.2003)
- مشعل التمو: كردياً - ديمقراطية الممكن في الانتخابات البرلمانية القادمة (21.01.2003)
- مشعل التمو: انتخابات الدورة البرلمانية الأخيرة - هوامش وملحقات (16.03.2003)
- مشعل التمو: آراء الصحوة المتأخرة وتمنياتها الممزوجة بغطرسة الأوهام (23.03.2003)
- مشعل التمو: الشعب السوري ما بين امتلاك الخيار وانتظار قضاء الله وقدره ؟ (17.05.2003)
- مشعل التمو: الأرقام بين الوطن والوطنية! (22.07.2003)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]