www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
22.07.2003 - 20:28

الأرقام بين الوطن والوطنية!

مشعل التمو*
erdewan@amude.com

بدون أية مقدمات عن المرحلة ومستجداتها , ولعبة وراء الكواليس وتنازلاتها , والرؤية الدولية واستحقاقاتها , ومقومات الحفاظ على الأوطان وانهياراتها ؟ فقد لفت نظري مؤخرا الوثيقة الشخصية " الهوية " التي بدأ توزيعها في سوريا من قبل دوائر الأحوال الشخصية , وكانت صدفة أن أتمعن النظر في إحداها , لاتفاجأ بثلاث معطيات موجودة على البطاقة الشخصية كلا منها تقشعر له الأبدان وتثبت بما لا يدع مجالا للشك انهيار المنظومة المعرفية للمشروع القومي العربي وجمود الرؤية وخلبية المشاريع الإصلاحية الرسمية , بمعنى أن ما تم تثبيته على البطاقة الشخصية الجديدة هو نتاج لعقل مستقيل غير قابل للتطور ولا يمتلك أية ديناميكية داخلية تجعله قادر على فهم ما يحيط به , وبالتالي فهو " على بطاقته الجديدة " خارج أسوار التاريخ الإنساني , يتوسد مخيلته المريضة ويغني على ليلاه؟

وحتى لا أطيل سأبدأ بالمعطى الأول إلا وهو وجود بند في البطاقة الشخصية أسموه " الرقم الوطني " ؟ وأول ما يخطر على البال هو وجود رقم غير وطني أيضا ؟ وحتى لا استعجل الأمور عدت إلى القاموس المحيط وما شابهه من أمهات المعاجم العربية الباحثة في تعريف ومعاني مثل هذه الرموز المستحدثة , فلم أجد أي تعريف يخص الرقم الوطني هذا ؟ لذلك توجهت إلى أمهات الكتب التي تبحث في الشوفينية والشمولية والفردية و... الخ وعدت منها أيضا بنفس خيبة الأمل ؟ وبعد أن انعدمت لدي الخيارات المعرفية في جذر واصل هذا " الرقم الوطني " ؟ وعليه كان علي أن أجد له تصنيفا أو مرجعية منتجة له وتستحق أن يسجل لها هذا الإبداع وتنال عبره وثيقة اختراع من الطراز الأول , فكان أن قارنته بما حل بالمجتمع السوري وكيف قسم إلى طلائع وشبيبة وصاعقة وتدريب جامعي أنتجت سلسلة العلامات السياسي التي أوجدت جيل أمي ذو ثقافة أحادية وشخصية غائبة , التي اجزم بأن اختراع " الرقم الوطني " هو احد انجازات عقلها ووعيها الغائب عن الواقع الفعلي السوري , فكان " الرقم الوطني " احد إبداعاته في تصنيف المجتمع السوري وبعثرة إنسانيته ؟

وفي هذا السياق فجهابذة وزارة الداخلية السورية أو منظري الفكر الشمولي أو على اقل تقدير واضعي هذا التصميم المذهل مطالبين – على الأقل – بتقديم تعريف لرقمهم الوطني هذا ؟ هذا الرقم " المسكين " الذي لم ينجو هو نفسه من تجزئة وتقسيم " وطني أو غير وطني " وبات على ذات الجهابذة وفق هذا المعيار الجديد تحديد أية أرقام هي وطنية وأيتها غير وطنية ؟ الأرصدة البنكية مثلا , حيث يمكن اعتبار رقم الرصيد البنكي الموجود في سوريا غير وطني ؟ والأرقام الموجودة في البنوك الأوروبية والأمريكية وطنية ؟ ووفق هذا التصنيف أيضا يمكن اعتبار الأرقام التي قدمها الدكتور عارف دليلة عن آلية سرقة الاقتصاد في سوريا أرقاما غير وطنية أدت إلى الحكم باعتقاله عشر سنوات كاملة ؟ بينما أرقام المبالغ التي انهار بتعويمها خارجيا سد زيزون أرقاما وطنية , أو خسائر مؤسسات الدولة أرقاما وطنية لذلك يتم تكريم مرتكبيها وترقية إنجازاتهم؟

من جهة ثانية وعلى حد علمي يصبح الإنسان مجرد رقم إذا تم وضعه في منفردة رطبه في احد الأقبية المنتشرة في بقاع وطننا الشاسع , حيث يتحول اسمه الإنساني إلى رقم جامد لا حس ولا شعور له , وهو حكما رقم " غير وطني " حسب التقسيم الجديد ذو الفرادة الشوفينية ؟ بمعنى إذا كان الرقم بات بحاجة إلى مقومات وركائز تؤهله لنيل صفة الوطنية , وهي صفة لا علاقة لها بالأرقام حكما , ولكن وفق الفرادة السورية الرسمية هذه , يقتصر منحها على بعض الأرقام المحظوظة أما الأرقام المنتهية والتي يزهو بحملها أكثر من خمسة عشر مليونا من السوريين فكتب عليهم تقديم ما يلزم من فروض الواجب ليتمكنوا من نيل رقم " قد يكون وطنيا " ؟ وفي هذا الصدد فسيكون نصيب المجردين من الجنسية السورية من أبناء الشعب الكردي أول من ينال نصيبه من الأرقام " اللاوطنية " أي أن وثائقهم الحمراء سيكون مدونا عليها رقم فقط بدون أية صفة وهو ما يعني " اللاوطنية " ؟ ثم يليهم في نيل صفة الرقم " اللاوطني " المجردين من الحقوق المدنية والمبعدين والمنفيين من السوريين , وهكذا نحصل على شريحة ضخمة من أبناء المجتمع السوري لن يكون بمقدورهم الحصول على رقم " وطني " ؟

المعطى الثاني والموجود على البطاقة الشخصية الجديدة هو شعار حزب البعث " امة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة " وقد كتب بلون احمر يحمل دلالته معه ! وبشكل متصل على طول البطاقة وبحروف صغيرة ومزركشة؟

أن الكتابة بالأحمر تعني أن الثورة مستمرة من اجل الأمة الواحدة التي تتمتع باثني وعشرين مقعدا في جامعة عربية وإذا أضفنا الصحراء الغربية نحصل على تجسيد حي وعصري للرسالة الخالدة التي تغلفنا الحيرة حول مضمونها ؟ ومن جهة ثانية يؤكد هذا المعطى الكتابي إصرار العقلية الشمولية على نفي التعدد القومي والاثني في سوريا والإصرار على التعريب والتبعيث وبالتالي السير في حقول الغام , اجزم بان لا احد يتوقع متى تنفجر وماذا ستخلف ورائها بنتيجة هذه الصيرورة اللاانسانية تجاه الآخر ووجوده ؟ ومن جهة ثالثة أن عدد البعثيين في سوريا بحدود 1.5 مليون , أي أن هناك ما يقارب الـ 15 مليون سوري غير بعثي ملزم بوضع شعار البعث على صدره ليل نهار في سابقة أولى على صعيد البطاقة الشخصية , وهو تجسيد عضوي للديمقراطية على الطريقة " البعثية " ! من حيث اختزال الوطن بحزب واحد يعتبر منتفعيه من أرقام الدرجة الأولى " الوطنية " والـ 15 مليون سوري هم من أرقام الدرجة الثانية من حقهم فقط حمل الشعار والتباهي به.

المعطى الثالث الموجود على البطاقة الشخصية الجديدة , هو صورة الجامع الأموي ومع احترامي الشديد لتراثيته ومكانته الدينية لكنه يحمل دلالة أصولية تنفي عن الشعب السوري تعدده الديني أيضا , وهذه سابقة جديدة ليس فقط تضاهي فرض الجزية وإنما تتجاوزها في نفي الدين الآخر , من حيث أن تراثية الجامع الأموي لا يعطيه الحق في أن يكون على صدر سوري غير مسلم ! مثلما لا يعطي تراثية أية كنيسة أو دير الحق في أن يكون على صدر أي سوري مسلم, وبالتالي اعتقد بان هذا المعطى يحمل في طياته استهتارا فظا بالأديان السماوية ودعوة أصولية فجة بكل ما تحمل الكلمة من معنى؟

من المؤسف أن نكون في أجواء إقليمية ودولية ملبدة بالغيوم , ولا زال البعض مصرا على ركوب سراب الصحراء وتغليف الواقع المحزن بشعارات سوق عكاظ والتباهي بالخلود وتقسيمات الأرقام الحدية والعبثية أن لم اقل التفتيتية , وبالتالي فهل سنشهد وفق هذا المسار قريبا أرقام تقدمية وأخرى رجعية ؟ فتصور يا رعاك الله؟

قامشلو 22/7/2003

* كاتب كوردي سوري , ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا.

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- مشعل التمو: حل طال أمد انتظاره! (29.11.2002)
- مشعل التمو: قانون الأحزاب: بين مطرقة الذهنية الاقصائية وسندان الأمر الواقع (09.12.2002)
- مشعل التمو: رؤية متمايزة فيما هو مطلوب كردياً في الراهن القادم (09.12.2002)
- مشعل التمو: الفعل السياسي - بين ممكنات الواقع ومبدأ الغنيمة (24.12.2002)
- مشعل التمو: المشاركة الانتخابية - تباين الرؤى لعقلنة الواقع (25.12.2002)
- مشعل التمو: "أسئلة قليلة لمأساة كبيرة" (06.01.2002)
- مشعل التمو: الأطراف الحزبية الكردية في سوريا - فالج! أم كبوة فارس! (10.01.2003)
- مشعل التمو: كردياً - ديمقراطية الممكن في الانتخابات البرلمانية القادمة (21.01.2003)
- مشعل التمو: انتخابات الدورة البرلمانية الأخيرة - هوامش وملحقات (16.03.2003)
- مشعل التمو: آراء الصحوة المتأخرة وتمنياتها الممزوجة بغطرسة الأوهام (23.03.2002)
- مشعل التمو: الشعب السوري ما بين امتلاك الخيار وانتظار قضاء الله وقدره ؟ (17.05.2002)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]