www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
17.05.2003 - 20:28

الشعب السوري ما بين امتلاك الخيار وانتظار قضاء الله وقدره ؟

مشعل التمو*
erdewan@amude.com

أن حركة القومية العربية تتحمل مسؤولية كبرى ، بل مسؤولية أولى عن التدهور الذي آل إليه النظام الإقليمي العربي في نهاية القرن العشرين ، فهذا يرتبط بالأساس اللاديمقراطي ، بل المعادي للديمقراطية الذي قامت عليه.”
هذا ما أورده التقرير الاستراتيجي العربي الذي قدمه مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام  عام 1999 ، ونشر في الملف العراقي العدد 109 كانون الثاني 2001.
ما بين تقديم التقرير وقراءته الموضوعية لما آلت إليه الأوضاع في المنطقة نتيجة سيطرة الفكر القوموي اللاديمقراطي وبين سقوط التمثال الصدامي ، كان هناك فترة زمنية حملت ما يكفي من المعطيات والتداعيات لتدل على نهاية حقبة حركة قوموية فشلت وعلى كل الأصعدة التنموية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، وكانت لحظة سقوط التمثال المفصل الذي يستحق وبامتياز لقب التاريخي ، لتعلن عن بدء دورة جديدة من التاريخ مغايرة ، بل ومعاكسه تماما لصيرورة المرحلة المنصرمة فكرا وثقافة وممارسة وما يستتبع ذلك من منهجيات عملية وشعارات نظرية .
إذا سقط التمثال وسقطت معه مرحلة كانت مفعمة بالأحلام الجميلة والشعارات الزاهية التي غلفت البنية اللاديمقراطية لذاك الفكر وتلك الممارسة ، من حيث أن الأمة الواحدة أضحت أمم قطرية مبعثرة ، والوحدة باتت مفردة دالة على التبعثر في ظل النظام الرسمي العربي الراهن الذي عمل وبجد خلال المرحلة الماضية على تعميق الهوة بين الدول وتكريس الرؤية الأحادية والقطرية المعزولة عن سياقها التاريخي ، أما الحرية فنحرت على مذبح الاستبداد والقمع العاري والمقنع وكم الأفواه وابتلاع الدولة واختزالها في حزب امتيازي واحد ، أما الاشتراكية فتحولت أرصدة متورمة في البنوك الأوربية " شُفطت " الثروة الوطنية بوتائر متسارعة لتتحول إلى ثروة شخصية تستثمر في أصقاع الأرض قاطبة إلا في بلدها التي نهبت منه .
هذه المفردات التي دغدغت المشاعر والعواطف الشعبية ، امتطتها الأحزاب القومية المدمجة إلى حد ما بالصفة التقدمية ( وفق معايير المرحلة المنصرمة ) ، حيث عملت هذه الأحزاب على تأسيس أنماط استبدادية بدائية مهجنة بالتكنولوجيا العالمية وبالعقلية الريفية ، وليس سرا أن مسيرة الاستبداد تنهي أول ما تنهيه مسالة الانتماء الوطني والشعور الوطني وحتى الإحساس بالوطنية يصبح مجرد وهم عند المنعطفات الهامة ، حيث لا يشكل الإحساس الفائض عن عملية الاستبداد أو المتبقي " الحي " الناجي من سلاسل القمع لا يكفي لتشكيل قوة دفع وطنية مؤهلة للدفاع عن الوطن حين تعرضه لعدوان خارجي , بحكم أن الوطن الذي لا يمتلك حريته يتحول إلى مساحة تخلو من الإنسانية ومملوءة بالجثث الصارخة والمتأوهة التي لم تجد يوما من يستمع إلى أنين وأدها ؟ بل كان هنالك على الدوام جوقة مصفقة مهللة ، هاتفه ، مؤسسة لصيرورة جامحة تجز أسس وركائز الوطنية وتزرع بدلا عنها انتماءات ما قبل وطنية ، تؤدلجها بخدع قوموية ، وهي عبر مسارها هذا أعادت صياغة الوطن وقزمته واختزلته في تمثال بمجرد سقوطه ، سقطت كل الأذرع المصفقة وخرست كل الحناجر الملتوية ، وانهار بلمح البصر ما كان يعرف بأنه وطن ؟ .
إذا سقط التمثال وبات الانهيار حقيقة واقعة لها منطقها الخاص وتداعياتها المتلاحقة ومن الضرورة تغيير بنى التفكير للتمكن من ملاحظتها ومتابعتها أو في اضعف تقدير قراءتها القراءة السياسية أو الثقافية الصحيحة ، لان القراءة والحكم على ما حصل وفق المنطق والمرتكز القوموي السابق يعيد النقطة إلى بدايتها ويجعل من هكذا قراءة ، رؤية تبريرية تجسد ثقافة العجز والتبرير والمؤامرة ، وهي ذات المنطلقات التي جاءت وأسست للحالة المأساوية الراهنة ،  ويبدوا أن أغلبية القراءات لا زالت تنطلق من منطلق الباحث عن مشاجب هلامية الصنع تحيط بها مُعرفات بدائية لتخفف من وطأة الصدمة التي لا زال الكثير لا يريد إدراك كنه حقيقتها ، لا بل المراهنة على الانحناء للعاصفة تعيد إنتاج نفسها وخاصة ما يتعلق منها بالمنطق الرسمي السوري الذي يراهن على معزوفة الصمود مع استمرارية القديم وهي المعزوفة التي بلورتها ثقافة الحزب الواحد الذي خلخل المجتمع والتهم الدولة ومؤسساتها ، وبات خطابه الإعلامي ليس فقط لا واقعيا ويهرب إلى الإمام ، وإنما يثير الرأفة والشفقة في اغلب الأحيان ؟ من حيث إيهام النفس بما هو آت وقراءة المشهد من بعيد ، والتعامي عن حركة اقترابه المتسارعة ؟ .
من الواضح انه كان هناك سلطة تحكم بلداً اختصت بصنع وإبداع المقابر والتبضع بطلقات الرأس والدفن الجماعي ، وكانت تحكم باسم الوحدة والحرية والاشتراكية ؟ وهو ما يجعل سقوطها مدويا وحدثا عاصفا ومفصل مهم في إرساء تاريخ جديد للمنطقة سواء اعحبنا ذلك أم أغضبنا ولكنه يؤسس أمام أعيننا ومن المفروض أن نمتلك القدرة على رؤيته وتحليله ودراسته ، خاصة إذا كان هناك تماثل في النهج النظري والإيديولوجي وحتى إذا لم يكن هناك تماثل أيضا ، لأنه في الحالتين هناك الكثير والكثير جدا من المعطيات التي أوجدها سقوط التمثال ، بما تمثله من سيادة قانون القوة الراهن ، والقراءة المنهجية له والتقاط طرف الخيط الدال على المنهج القادم واولوياته سواء لجهة تغيير بنى التفكير وجعلها مواءمة للفكر الأمريكي وما يتطلبه ذلك من مستحقات إقليمية ، أو ما يفرضه المنطق الجديد فيما يخص قانون العلاقات الدولية المرتقبة ، وبالتالي قواعد الارتكاز المطلوبة لديمومة أي نظام شرق أوسطي أو حتى دولي ممن هو يحاول الخروج عن السياق الأمريكي ، وما يستوجب مواجهة ذلك من تحضيرات تعيد بناء الإنسان في المجتمع وتؤهله لامتلاك حريته التي هي جزءا مهما من وطنيته ، بمعنى المعطيات الفاقعة هذه تتطلب مواجهة وقراءة واقعية وموضوعية وليس تخيلية أو    توريطية ؟ .
من وجهة نظري هناك معطيات يتوجب رؤيتها أولا قبل الحديث عن مستحقات مواجهتها ، هذه المعطيات هي :
- هناك خطة أمريكية وضع العمر الافتراضي لتنفيذها بـ أربعون عاما ، تهدف إلى استئصال الإرهاب ، وتغيير البيئة المولدة له ، وهي مقسمة إلى العديد من المراحل كل منها له ديناميته الخاصة وآليات تنفيذه ، بمعنى إرساء قواعد ونواظم تربوية وسلوكية تواكب المزاجية الأمريكية وفيما تعتقده بضرورة بناء إنسان شرق أوسطي جديد بمعايير أمريكية ، وهذا يستدعي تغييرا في البنى الفكرية للمنطقة بغض النظر عن طبيعة أنظمتها الحاكمة التي لم تعد تستجيب لحراسة المصالح الأمريكية ، خاصة منها التي لا زالت الفكرة القومية الاصطفائية هي المحددة لإيديولوجيتها النظرية ، لان الرؤية الأمريكية وقانون القوة الذي يتحكم في تنفيذها يعتبر بان هناك خواء داخليا خلفته الأنظمة الشرق أوسطية جعلت منه تربة خصبة لظاهرة الإرهاب وفق التصور الأمريكي ؟ وإذا كان الخواء الذي خلفه الاستبداد حقيقة موضوعية فالأكثر موضوعية هو فشل هذه الأنظمة في تنمية مجتمعاتها من جهة ونجاحها في تجريد هذه المجتمعات من عوامل قوتها من جهة ثانية .
- اعتقد بان مسالة النفط والغاز والثروات الأخرى والسيطرة عليها ليست الوحيدة الأساسية المتوخاة من هذا المشروع ، وإنما هي جزء من تصدير وتكريس نمط معرفي وقيمي جديد ينهي ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية ويعيد ترتيب شرق أوسط تنتفي فيه إلى حد كبير موجبات الصراع والتناحر وبالتالي الخضوع لاختلال الواقع واختلال موازين القوى فيه .
- هناك أعداء جدد في المنظور الأمريكي هم أعداء للمجتمعات الحرة ومناهضين للسلام ومولدين للإرهاب ( رغم انه إلى الأمس القريب كان معظمهم ربيبا أمريكيا ) وهذه المجتمعات التي نبت فيها الإرهاب وتربى على قيمها باتت مناطق حرب إقليمية  ومصدر للإرهاب المخل بتعايش الشعوب ، ومع انتهاء الحرب الباردة باتت هناك دول مارقة (في المنظور الأمريكي) مارست العنف على شعوبها وبذرت الموارد القومية وهي مرشحة : أما إلى تغيير نفسها بنفسها وخلق وإعادة تأهيل عوامل قوتها وتنشيط سياجها الوطني وتحرير إرادة أبنائها ، أو ستدخل سلما أو حربا في عداد المنظومة الأمريكية المقترحة .
- هناك استراتيجية جديدة في التعامل الدولي وفي منظومة العلاقات الدولية ، بدأت أولى بوادرها في إنهاء حقبة الحروب التقليدية ووضع بديلا عنها سمي بالحروب الاستباقية ، حيث جاء سقوط التمثال الصدامي مكرسا أولى نتائجها وراسما أول خطوة في اتجاه تعميمها كتجربة وتجسيدها كمفهوم وتدوينها كناظم جديد للعلاقات الدولية .
إذا وفق الاختلال الراهن في العلاقات الإقليمية والدولية ، وفشل النظام الرسمي العربي في تحقيق الحد الأدنى من شعاراته القومية والتنموية ، وعدم توازن المعادلة وتكافؤها بين القوى الإقليمية من جهة وقانون القوة من جهة ثانية ، ثمة سؤال يطرح نفسه ، ما العمل على الصعيد الوطني العام وعلى الصعيد القومي الكردي في سوريا ، وهل ما يجري حتى الآن يستجيب لما هو آت ، أم أن الصدمة لا زالت مستمرة .

على الصعيد الوطني العام

البوادر والممارسات العملية المتلاحقة تظهر بعض المعطيات التي لا بد من التوقف عندها حتى يمكن معرفة عقلية إدارة الأزمة الراهنة وخططها للخروج سالمة من عاصفة اليانكي القادمة ، ولعل بعض الوقائع المعلنة تنحصر في الأتي :
- تسعى السلطات السورية عمليا على كسب ود الخارج عبر الاتساق الكامل مع ما يريده الأمريكان ، ويسعى الأعلام الرسمي إلى إظهار عكس الواقع الممارس ليرضي الشارع السوري ، ولأقل ليحذر الشارع السوري على أرضية انه لا زال ممتطيا شعاراته القومية وفيما يسمى بثوابته النضالية ؟ ولكن هل تكفي التنازلات الإقليمية والدولية والخروج من الساحة السياسية وتسليم كل أوراق اللعبة السياسية ، لإرضاء النزعة اليانكية أم هل يكفي كل هذا الانحناء للمحافظة على ديمومة الراهن ؟ .
- إقصاء الداخل السوري من معادلة التوازن المطلوبة على الرغم من إنها المعزوفة الأهم في المواجهة الراهنة ، ولعل المنطق المتبع في الإدارة هو الاتساق المبدئي مع الخارج شريطة عدم الاقتراب من الداخل ، وهي صيرورة عتيقة ستكون وفق ما اعتقد فخا هادىء له تراتيبيته المتلاحقة ، ويخطىء من يظن بان الانحناء للعاصفة ستبقي الحزبية الواحدية مطلقة الصلاحية في ديمومة  التهامها  للمجتمع السوري ، وإذا كانت السلطة العراقية عزلت وهمشت الشعب العراقي والقمته كراهية وبؤسا ، فما هو مبرر عدم انفتاح السلطة السورية على الداخل السوري وهي التي تعلن ليل نهار عن عجز النظام الرسمي العربي واختلال موازين القوى الدولية ، وهل تعتقد بأنها ستنجح حيث فشل النظام العراقي السابق الذي شكل ظاهرة إعلامية خارجية ؟.
- يبدوا أن النمطية السياسية الرسمية تتناسى بان الوطن بمواطنيه ، والمواطنية استحقاقات واقعية متجسدة في حقوق وواجبات وانتماءات مترابطة ومتكاملة ، وليس وطنا ورقيا تغلفه شعارات قومية فقدت رونقها وبريقها وانحصر تأثيرها مجتمعيا وفكريا ، وطن كهذا يسكن في خيال الحرس الوظيفي الذي يمتلك مخيلة مرفهة نائية عن الواقع ومتخفية عنه ؟ .
باختصار هناك واقع يؤسس وفق متغيرات ملموسة ومن الصحة لنا جميعا أن ننطلق من تغيير ذاتنا وإعادة النظر بمجمل ما هو موجود من نواظم تتحكم بمصائرنا ، بغية تحصين الوطن وتحرير نقاط قوته ، واعتقد بان الواقع السوري فيه شعب منكمش على نفسه ، لا زالت لديه بعض ذخائر  وطنية والكثير من الروابط الانتمائية ، والافتراض الوطني يستوجب العمل على محاورة ومصالحة هذا الشعب وفتح المجال له ليكون سياجا للوطن ، أما الافتراض الاختزالي فهو الإصرار على إبعاد الشعب واعتباره قاصر وغير مؤهل وهذا طريقا سلكه غيرنا ولم يفلح فيه ، بحكم أن التدمير الذاتي يسعى إلى تحصين السلطة على حساب تحصين الوطن ، فالسياق الذي اعتقد بأنه سيحفظ بلدنا ويجعل منه بؤرة إرادة وطنية يتطلب إطلاقه الكثير من الجرأة والكثير من بعد النظر والأكثر من هذا وذاك هو القيمة التي يمثلها الوطن ويكفي هنا أن اذكر بما قدمه أكثر من 150 نائبا إيرانيا حول ضرورة التغيير الداخلي وبيد إيرانية ، تحاشيا للتغيير والتدمير بيد خارجية ، واجزم بان المطلب الإيراني هذا يحمل دلائل رمزية هامة جدا حول قيمة الوطن الوجدانية ومدى القدرة على تلمس هذه القيمة واقعيا ، ويمكن تلمس الكثير من المعطيات في الواقع السوري تدفع باتجاه صيانة وتحصين مصالحها وان كان ذلك على حساب مصلحة الوطن ، وطبيعي أن آلية الفعل هذه تندرج في إطار جملة شعاراتية توريطية تطهر الانا وتزيد من رسم دوائر الطهارة حولها وبالتالي منبع هذا التيار التوريطي ومرتكزه هو لا مسؤوليته الوطنية ، ولعل الإحساس الوطني ومدى خطورة القادم تدفع إلى البحث عن مخرج شعبي عام يؤطر لفاعلية مجتمع وإرادة حيوية لأبنائه ، ومن أكثر ما سيتوجب الحل هو :
- اعتقد بأنني لا أتي بجديد عندما أقول بان الحل واضح والمسار يبدأ من الدستور وجملة مواده التي لم تعد تتوافق مع مصلحة الشعب السوري نفسه ولا مع مستقبل هذا الوطن وركائزه ، وبالتالي تحويل حزب البعث من حزب سلطة إلى حزب سياسي له الحق في ممارسة نشاطه مثل بقية الأحزاب والمنظمات الأخرى التي ينظم عملها قانون للأحزاب يكون عادلا وناظما ، بمعنى إلغاء الصفة الامتيازية لحزب البعث وفصله عن الدولة ، وتبقى صناديق الاقتراع هي المحددة لاسم الحزب الحاكم ، أي أن الدولة ملكا لجميع أبناء الشعب والسلطة ملكا لصندوق الاقتراع ، واجزم بان تحويل حزب البعث إلى حزب سياسي يعطيه دينامية التغير والتطور ويخرجه من سلطويته الهامشية ، وبذلك سيكون له معنى في المشهد السياسي العام في البلاد ، أي إعادة أحياءه وجعله جزء من مؤسسات المجتمع المدني مثله مثل باقي الأحزاب والمنظمات الأخرى ،  وهذا الأجراء يستوجب البدء بإلغاء عسكرة المجتمع والعمل على مدننته سواء في المناهج التربوية أو في المؤسسات الخدمية وفصل منظمات حزب البعث كالطلائع والشبيبة والحزبية الإجبارية عن المؤسسات التربوية وتجريدها من مهامها في الضبط والربط , ويمكن لها أن تكون منظمات حزبية مستقلة غير مندمجة بجهاز الدولة من جهة وليس لها بعد امتيازي أو امني من جهة أخرى .
- تغيير العقلية والية التفكير المتبعة والمستندة إلى ارث عقائدي ممأسس على الشعارات وتجييش العواطف وتصحير العقل .
- حل الجبهة العتيقة " البالية " وإلغاء امتيازاتها ، فثمة الكثير من المرضى المنصهرين في أطرها ومن الضرورة إعادة تأهيلهم سياسيا وثقافيا ، ولعل حركية المجتمع وتفاعلاته هي القادرة على الفرز وإعادة التأهيل ، وهذا التغيير ليس مطلوبا فقط من أحزاب الجبهة وإنما مطلوب أيضا من الأحزاب خارج الجبهة من حيث تغيير بنية التفكير المحصورة في جملة ثوابت ضبابية قديمة هي الأخرى ولم تعد تستجيب للحد الأدنى من متطلبات العمل السياسي أو الثقافي في المجتمع بحكم إنها لم تعد قادرة على استقطاب الشرائح الاجتماعية ولا تلبي الحد الأدنى من طموحات الأجيال الشابة التي لم يدخل في بنيتها الفكرية ولا في طليعة اهتماماتها الحياتية عنفوان المرحلة القومية وأحلامها الرومانسية .
- أجراء مصالحة وطنية عامة وفتح صفحة جديدة في التعامل عبر عقد مؤتمرات وطنية وعلى كل المستويات ، والتخلص من منظومة الفكر العدمي الرافض للأخر والذي يعيش أوهام البطولات الجامحة ، والانطلاق من حقيقة موضوعية مشخصة وهي إننا في أقصى الهاوية ولا بديل عن السلم الاجتماعي وتكريسه وتشريع المنافذ والممارسات الديمقراطية والإقرار بالتعددية الحزبية والقومية والدينية وبالتالي حرية الاختلاف والتباين على أن تكون سوريا وطنا لجميع أبنائها عربا وكردا واثوريين وأقليات أخرى وفق أرضية تمتع الجميع بحقوقهم القومية وأحقيتهم في الحياة الحرة الكريمة .

على الصعيد الكردي الخاص

لعل الإمراض المستعصية التي نلمسها في الراهن الكردي هي صورة مبسترة ومشوهة في الوقت نفسه عن الاستعصاءات الملموسة في المشهد السوري العام ، وهي ترتبط بشكل وثيق بفقدان الديمقراطية في المجتمع السوري من جهة ، وبنية الفكر السياسي والتنظيمي الذي بنيت عليه الحزيبات الكردية من جهة ثانية ، هذان العاملان جعلا من الحالة الكردية والبعض من قادتها ، ربيبا غير شرعي للنمط السلطوي السائد ؟ وبما إنني لا أريد الخوض كثيرا في تفاصيل باتت معروفة وملموسة ، فقط أود أن أتوقف عند حالة راهنة ومن ثم ضرورة الخروج من حالة العتق التي تعيشها هذه الحزيبات ولا اعتقد بان جميعها قادر على الخروج وإنما أخمن بان الكثير منها سيكون مرافقا لحالة العتق ومسافرا معها ، بحكم أن ممارسة الكثير من هذه الحزيبات المبعثرة والتي تزداد عتقا ورتقا أجادت على المجتمع الكردي باستئصال السياسة ببعديها الثقافي والاجتماعي وكرست نزعة حزبية استبدادية كصورة قزمة عن العام السائد وتقمصا غبيا لممارسات الاستبداد المحلي ، وبذلك اخرج المجتمع الكردي من دائرة الحيوية والنشاط الفكري وتم تطويعه كرديا أكثر مما هو مطوع رسميا ، إذ لم تكتف الحزيبات الكردية بما قامت به السلطة السورية من تعريب وتغريب  وطمس هوية ، وإنما ساهمت إلى حد كبير في زرع الفتن وتغييب العقل عبر الصراعات الحزبية وما يرافقها من عقلية الإدانة والتخوين ورفض الآخر ، وهي العقلية التي اعتبرها بداية تأسيسية نظرية لمسار رصاصة الرحمة التي كان علي الكيماوي يطلقها على ضحاياه .
أن رفض الآخر وتخوينه اسلوب لا زالت فصائل الحزبية الضيقة تمارسه وبشكل فاقع هذه الأيام وهو كما أسلفت لا يختلف عن البناء المنهجي لعقلية الطلقة الأخيرة ، ومن اللافت أيضا أن هذه الممارسة المتخلفة والبدائية لا زالت توزع عبر لغة التواتر القروي أي النقل شفهيا مع أن الجميع بلا استثناء يتناقض موقفه المكتوب مع ما يتناقله الرواة وفق تراتيبية عن وعن …الخ وهو أسلوب متخلف وبلا أية مصداقية ولكنه يؤثر سلبا في بنية الوعي الشعبي الساذج ويخرجه عن مساره وعن آلية التطور الحضاري ولعل بناء الوعي وتنشيط فاعلية الفكر تتطلب المناقشة المكتوبة ومصداقية الرأي تتجسد في امتلاك القدرة على المواجهة العلنية والمكتوبة وليس الاختباء خلف التواتر القروي وعقلية المؤامرة المنتهية فاعليتها ، وفي هذا السياق كم كنت أتمنى أن أجد موقفا واحدا جريئا مكتوبا يناصر التهديدات الأمريكية لسوريا بدلا من تسويق الادانات عبثا بحق بعض المثقفين ، واجزم بأننا كنا سنحترم ذلك الرأي من موقع التباين واحترام الآخر ولكننا لا نستطيع أن نحترم رأيا شفهيا لفصيل ما وله رأي معاكس ومغاير وزعه كتابيا ، وهو ما يمكن تسميته " بالخطاب المغفل " ؟  أي انفصام في شخصية مثل هذه الحزيبات التي تدافع عن سلطتها البدائية  رغم انه لا احد ينازعها هذا الهراء الذي تتخبط في جنباته  ؟ ويبدوا أن اشد أعداء النهج الحزبي المنغلق والمتزمت هو الفكر والفكرة العلمية التي يوجدها والتي تشكل في نظر البادية القاحلة خروجا عن سياق سلطة الحزب الذي يعتبر ويوازي بين الكفر والفكر .
أن الاستجابة العملية والعقلانية لما هو موجود من حالة إقليمية وما ينتظر من تداعيات مرافقة مطلوبة في الحالة الكردية مثلما هي مطلوبة في المشهد السوري العام سواء من حيث الطرح النظري أو الممارسة العملية وحتى على مستوى الشخوص المتقادمة ولعل أكثرها بات عبئا ثقيلا موازيا للحرس السوري القديم ويرتبط أصلا بذات النسق الذي يعتاش فيه الطرفان السوري العام والكردي الخاص ويرتبطان كما يبدوا بنفس المصير ومن المؤسف أن ضريبة بقاء هذا النمط من الوعي باتت مكلفة جدا ، ولذا كم هو مسر للخاطر أن نجد بعض ممن لهم في كل قطر أغنية وقد اقتنعوا بان لا مكان لهم في الراهن القادم من حيث أن ثقافتهم المترهلة وبراغماتيتهم البائسة لم تعد تستجيب لمتطلبات المستقبل ومن الإنصاف أن نشكرهم على ما قدموه حتى تاريخه ونأمل أن يمتلكوا الروح الوطنية المطلوبة ليعلنوا ابتعادهم الطوعي واجزم بأنه أفضل بما لا يقاس من الأبعاد القسري الذي لا احد يخمن نوعيته ولا طريقته ، وفي رحيل صدام وطريقة لطمه بالأحذية عبرة لمن يعتبر ، بحكم أن أغلبية حكماء الحزيبات الكردية جاءت بطرق انشقاقية مجهولة الهوية وبائسة النتيجة .

حقيقة أن الوضع الراهن كرديا مأساويا بما فيه الكفاية ، ويتطلب الكثير من المعجزات حتى يتفهم ما هو آت ، وحتى يمكن التحول من لاعب إعاقة إلى لاعب وطني مؤهل ومؤثر وهذا يستوجب البدء بعملية إصلاح داخلي ومصالحة وطنية كردية تهيأ المشهد الكردي وتؤطر طاقاته ليكون لاعبا أساسيا في المعادلة المستقبلية القادمة ، واعتقد بان الطريق لإجراء مثل هذه المصالحة مفتوح عبر عقد مؤتمر وطني عام للمصالحة الكردية تتمثل فيه كافة شرائح وفعاليات المجتمع الكردي وممثلي الحزيبات وحتى الأطر والفعاليات الكردية الموجودة خارج الوطن والتي اعتبر الكثير منها عاملا أضافيا ذو أفاق نضالية أوسع أن تم فهم الحالة الخارجية والعمل على جعلها تكاملية مع الحالة الداخلية ، حيث هناك الكثير من الطاقات والارادات الخيرة التي تعمل من اجل المصلحة القومية الكردية في سوريا بما تمتلكه من إمكانيات قد لا يتوفر اغلبها في الداخل السوري .
إذا والحال هذه اقترح على كل من تعز عليه قضيته القومية وخاصة ممن لديهم إحساس بالمسؤولية الوطنية أن نساهم معا من اجل التأسيس النظري والعملي لعقد هذا المؤتمر ،  وبلورة إطار مؤسساتي جمعي يوحد المطلب الكردي ويخرجه من شرنقة خصوصية التمثيل والبعثرة الحزبية ويدفع به عاملا مهما في إطار المصالحة الوطنية السورية العامة كركن من أركانها ومرتكز حيوي شعبي يكتسب مصداقيته وسمته الوطنية من مصداقية الإصلاح الوطني وضرورته لتحصين الوطن السوري وإطلاق إرادة شعبه وتحرير فكره وعقله إيذانا ببناء وعي عام وطني السمة إنساني النـزعة ينال فيه كل ذي حق حقه وكل ذي رأي المساحة التي يتطلبها رأيه في إطار دولة حق وقانون يكون ناظمها الفكر الوطني العام الذي يعتبر الإنسان محور وهدف التغيير ، واذكر بان سقوط التمثال الصدامي هو سقوط لذوي الفكر المتعصب ، القومي الذي يقتات أوهام الذات وموروث القبيلة الاستعلائي الرافض لغيره والمحتضن لوساوسه القوموية ، فهل نستطيع سوريا أن نمتطي عجلة المستقبل ونغير أنفسنا ونبني إنسانا سويا يمتلك أرادته وقراره وفكره ، أم سنبقى ظاهرة كلامية ستطحنها جرافات البلدوزر القادم ؟ .

17-5-2003

* كاتب كوردي سوري ، ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا – القامشلي

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]