www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

29.11.2002

حل طال أمد انتظاره !

مشعل التمو*
erdewan@amude.com

أثار الخبر الذي تناقلته وسائل الأعلام ( جريدة الحياة على لسان مراسلها في دمشق ) والمتضمن , وجود توجه رسمي سوري لإنهاء مأساة 275 ألف من المواطنين الكرد السوريين , والذين سحبت منهم الجنسية بموجب المرسوم رقم 93 لعام 1962 على الرغم من تمتع اغلبهم بالمواطنية السورية قبل ذلك التاريخ بكثير , ويمتلك قسم لا باس به وثائق عثمانية أو فرنسية أقدم بما لا يقاس من تاريخ إعلان الدولة السورية الحديثة !

إذا كان المرسوم الأنف الذكر قد جاء تتويجا لمشروع ايديولوجي , عنصري , أوجدته ذهنية صفاء العرق وضرورة التخلص من كل ما هو غير عربي في الوطن السوري , وبشكل خاص أبناء الشعب الكردي الذين حشروا , مثلما حشر أبناء الشعب العربي , والكثير من الأقليات القومية الأخرى , في اطر حدود دولية استعمارية لا علاقة للشعوب في صنعها , وإنما جاءت كتوزيع للثروة والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية , مع زرع مختلف أنواع الفتن والحساسيات سواء الدينية أو القومية , والذي ترافق مع موجة الايدولوجيا الثورية النافية لكل ما عداها وتصنيفهم في خانة مشاجب التسويغ ولهايات الثوروية .

أن ما حصل آنذاك من تجريد المواطنين الأكراد من مواطنيتهم وإنسانيتهم , كان الركيزة الأولى لسلسلة من السياسات العروبية تجاه الكرد السوريين , وهو ما يمكن اعتباره البداية التأسيسية لإقصاء ونفي الأكراد من أرضهم ووطنهم , سوريا , واعتبارهم غرباء أو ضيوف في وطن إباءهم وأجدادهم , وبالتالي إقصاءهم عن الشأن العام السوري ,  وهو ما استمر بشكل أو بآخر كل هذه الفترة الزمنية الطويلة التي راكمت معها احتقان وتنافر , ومصائب سياسية وإنسانية , عانى فيها المواطنين الأكراد السوريين الكثير من ويلات الشوفينية وإنكار الوجود , والذي ترافق في أحيان كثيرة في تصدير طاقاتهم وتوزيع انتماءاتهم خارج الحدود السورية عبر سياسة رسمية اعتمدت على تحالفات واطر كردستانية احتضنتها السلطة لأمد طويل ! وهو ما خلف منعكسات سلبية على الوحدة الوطنية السورية وعلى مجمل العلاقات التكافلية والتضامنية لقوميات واثنيات المجتمع السوري .

إذا كانت قضية الاعتراف بالأخر السوري المتمايز قوميا ً , تستوجب الاعتراف منذ زمن بعيد , والتعامل معه على أسس مواطنية سليمة , فان التوجه الراهن لحل هذه الإشكالية السياسية / الإنسانية , يشكل خطوة ايجابية في الانفتاح على الداخل السوري ومعالجة وإصلاح تراكماته السلبية , وتقوية لحمته وإزالة الاحتقان والاغتراب الذي خلفته هذه المأساة البشرية , واثر سلبا على ذهنية الإنسان الكردي في سوريا , وأوجد شرخا في الوعي والسلوك المجتمعي الكردي , وفي هذا يمكن اعتبار حل قضية المجردين الكرد من الجنسية وإعادة الجنسية والمواطنية السورية لهم , ركيزة أولى في الاتجاه الصحيح , اتجاه تثبيت المواطنة العامة , والمواطنة التي اعني هي سياسية واجتماعية وحقوقية , وهي وان كانت بجوانبها المختلفة لا زالت بحاجة إلى الكثير من الجهد وتكاتف الارادات والطاقات , إلا أن الاعتراف الرسمي بوجود شريحة بشرية ضخمة سحبت منها الجنسية السورية , ورفع الغبن عنها (فيما لو حصل ؟ لان الأمر لا زال مجرد خبر في جريدة عربية )  يعتبر تعامل موضوعي وعقلاني مع هذه الإشكالية , ويشكل نقلة نوعية في الرؤية الإصلاحية الرسمية , وتجسيد أولي , حيوي ومفصلي , لما تتطلبه مصلحة سوريا ووحدتها الوطنية الداخلية .

أن نشر الخبر الأنف الذكر أوجد ارتياحا شعبيا كرديا , على اعتبار انه بداية حيوية لحل طال أمد انتظاره , على الرغم من أن المواقف السياسية حياله تنوعت وتعددت , وكل منها مؤشر على خلفية ايجابية أو سلبية , وهو ما أود أن أتوقف عنده قليلا , من حيث أن رد الفعل السلبي أو الايجابي نسبي في طرحه أو رؤيته , ومن الضرورة عدم إطلاق الأحكام التعميمية والخاطئة حكما وفي الاتجاهين , وهي مسالة أجدها طبيعية بالنظر لما جرى في المجتمع السوري من تنميط وفرز لمراكز قوى متعددة تستند في ديمومة مصالحها على خلق حالات عدائية , اقصائية , متنوعة , سواء تجاه المختلف قوميا أو المتباين في الرأي والتوجه السياسي ليس إلا ! وهذه الحالة لا تقتصر على مراكز القوى الرسمية وإنما حتى على ما يوازيها من قوى كردية اعتادت منذ نعومة أظافرها العمل في الظلام وتخاف أن خرجت إلى النور أن ينفرط عقد صفقاتها , وهي بفعلها المبطن هذا تهدف إلى مناكفة سياسية اقرب ما تكون إلى مناكفة المراهق لأهله لإثبات انه بلغ سن الرشد ؟ ولكنه في المراهقة السياسية مناكفة الموت السريري عبر المواقف الحدية المغلفة بدلالة عدم رغبتها رؤية حل وطني لقضية المجردين من الجنسية , وهم في هذا ينطبق عليهم قول مصطفى أمين ( أعجب لقوم إمامهم الشمس المشرقة , ويديرون وجوههم عنها ليصلوا لآلهة الظلام ؟) ومن الطبيعي أن المناكفة الكردية من بعض الماضويين الذين فقدوا احترام شعبهم ومجتمعهم الكردي منذ زمن طويل , تلتقي وتتطابق من حيث المضمون مع رؤية البعض من مراكز القوى الرسمية ؟ والتي من المرجح أن تعمد هي أيضا ( مثلما تفعل دائما ؟ ) إلى أفعال وممارسات رغائبية وشاذة بأسماء وهمية للإساءة إلى الشعب الكردي في سوريا وقضيته العادلة , واثبات وجهة نظرهم العدائية , من جهة , وعرقلة أي حل موضوعي لمعضلة المجردين من الجنسية , من جهة ثانية , وهم بهذا يأملون أن تستمر الأمور على ما هي عليه من احتقان وتنافر , ففيه استمرارية لمصالحهم الشخصية ورؤاهم الفردانية التي طواها الدهر ؟ وهي رؤى مصلحية , أيديولوجية , تتعامى عن الواقع وتتعامل مع نقيضه في حالة اقرب ما تكون إلى سكونية طوباوية باتت حجر عثرة في طريق أي إصلاح رسمي وشعبي لتراكمات المجتمع السوري , وهو ما اعتقد بضرورة تجاوزه لصالح المجتمع ومصلحة أبناءه , وهي مسيرة وان كانت بطيئة ومعقدة , لكنها حاجة مجتمعية ملحة , فمشروعية الإصلاح لا تقبل التأجيل أو المناكفة وإنما تتطلب التكاتف والتعاون والانفتاح على المجتمع وإطلاق فعالياته ومبادراته , والقادم الملموس هو ما يجسد المصداقية عن ما سواها ! .

28/11/2002


* كاتب كوردي سوري , ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا – القامشلي

>> صفحة البداية <<



----------------------------------------------------
اتصل بنا لنشر نصك هنا: munteda@amude.com


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]