www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
16.07.2003 - 03:02

في ذكرى تأسيس البارتي
مسيرة برسم التجديد


م . محمد أمين محمد

في الرابع عشر من حزيران المنصرم مرت الذكرى السنوية ال 46 لميلاد البارتي في سوريا , حيث ولد حزبا سياسيا معبرا عن طموحات نخبة ثقافية سياسية في المجتمع الكردي وتحول في زمن قياسي إلى حزب لكل الشعب الكردي الذي التف حوله كرمز وأداة للخلاص من الظلم والاضطهاد وكطموح للارتقاء بالشعب الكردي إلى مستويات الشعوب المتقدمة في العالم والعيش بكرامة وحرية ومساواة .
بهذه المناسبة اعتقد إن إجراء مراجعة شاملة لتلك التجربة لها أهميتها ومبرراتها العميقة والملحة لسببين أساسيين:
أولهما : وجود أزمة ذاتية داخل الأحزاب الكردية .
ثانيها : تغير الظروف الإقليمية والدولية جذريا وسقوط الكثير من الأيديولوجيات ان لم نقل جميعها – يمينا ويسارا- وفشلها في خدمة قضايا الشعوب المضطهدة والمستقلة على حد سواء .
إن 46 عاما من عمر البارتي لاشك يحتوي على الكثير من النجاحات والايجابيات وكذلك الكثير من التضحيات والبطولات مثلما يحتوي على جملة من السلبيات التي أعاقت تطوره وعرقلت بلوغه للأهداف التي تأسس من اجلها وفي هذا الاطار يمكن الإشارة إلى تلك الإيجابيات والنجاحات وكذلك السلبيات بما يلي :
1-   إن الشعب الكردي يكن كل الاحترام والتقدير للرواد الأوائل , مؤسسو البارتي في سوريا وفي مقدمتهم الكتور نور الدين ظاظا وكذلك الآخرون بتصديهم لتلك المهام الجديدة في المجتمع الكردي كمسائل السياسة والثقافة والفكر والعلاقات الحزبية كبدائل للعلاقات العشائرية والقبلية والمشيخية في المجتمع ودعوة هؤلاء السادة على التركيز على العلم والثقافة والدراسة كشروط لابد منها للخلاص من الظلم والاضطهاد .
2-   تميز البارتي منذ تأسيسه بفكر ديمقراطي علماني ترسخ مع الزمن عميقا في المجتمع كبديل عن التخلف والجهل والانغلاق .
3-   أسس البارتي لثقافة جديدة في مجالات الأدب والسياسة وغيرها وتم إصدار العديد من المجلات الأدبية والثقافية بإمكانات متواضعة وفي ظل ظروف امنية مشددة .
4-   تم التركيز على نشر وإتقان اللغة الكردية وفتح المئات من الدورات الخاصة بذلك حتى ترسخ واستقر الوضع على مستويات مقبولة في القراءة والكتابة .
5-   القيام بالعديد من النشاطات الجماهيرية والسياسية تعبيرا عن رفض الاضطهاد والظلم ومن اجل المساواة واهم نجاح بهذا الصدد هو تثبيت عيد نوروز كعيد قومي للشعب الكردي وصولا إلى تعطيل هذا اليوم رسميا على مستوى الدولة وان كان بسبب تهربي واضح .
6-   تطحيات وصمود مناضلي البارتي طيلة هذه الفترة الطويلة وحتى الآن واحتضان أبناء الشعب الكردي لهؤلاء المناضلين دون كلل أو ملل .
أما الجوانب السلبية التي يمكن الإشارة إليها فهي :
1-   التراجع عن مبادئ البارتي ونهجه السياسي والفكري الديمقراطي الحر باتجاه تبني الايديولوجيا – يمينا ويسارا – مما عرقل التطور الطبيعي للبارتي ودب الصراعات والخلافات الايديولوجية جراء ذلك .
2-   إهمال الجانب الاقتصادي في العمل السياسي مما تحول الحزب إلى عالة على أعضائه والمجتمع .
3-   ظاهرة الانقسامات التي تمت بذرائع التطوير والديمقراطية وقبلها بالثورية والماركسية منعت حصول تراكم كمي ليؤدي بالتالي إلى افرازات نوعية مما ادى في كل انقسام إلى عودة الامور إلى نقطة الصفر وهكذا مورس الهدم على حساب البناء والتطوير .
4-   الانغلاق والتقوقع في الداخل السوري والمحلي وإهمال النشاط السياسي الإقليمي والدولي بشان القضية الكردية باستثناء بعض النشاطات التي لم ترتقي إلى مستوى معانات الشعب الكردي ودرجة اضطهاده وظلمه وتميز ذاك النشاط على الأغلب بالانطلاق من مصالح شخصية وفي قليل من المرات من مصالح حزبية .
أما المحطات الرئيسية التي اثرت على مسيرة البارتي فيمكن الإشارة إلى ما يلي :
1-   بروز تيارين في البارتي سميا باليمين واليسار اثر الخلاف الذي نشب في السجن بعد اعتقال قيادة البارتي بداية الستينات حيث انقسمت القيادة بين مؤيد ومتخل عن برنامج البارتي حتى وصل الامر في عام 1965 إلى الاعلان الرسمي عن انقسام الحزب بين هذين التيارين اللذين افرزا عام 1970 تيارا ثالثا سمي بالحياد , بعد أن افشلا محاولة إعادة الوحدة بين الطرفين في ناوبردان في كردستان العراق بقيادة البارزاني , وقد أثبتت التجربة بعد مرور اكثر من ثلاثين عاما من العمل السياسي على فشل تلك الأيديولوجيات – اليسار و اليمين – على حد سواء , إذ أن الأول فقد مبررات وجوده الفكرية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل النموذج الستاليني في الحياة الحزبية والسياسية والفكرية  بصورة عامة وفشل الثاني الذي اعتمد على سياسة مراضاة السلطات وادلجتها وعدم استفزازها في منع حصول ابسط إجراء شوفيني أو إنجاز ابسط مكسب قومي يذكر ولكن يسجل لهما دورهما في بناء وعي اكثر تقدما وتطورا وخدمتهما للثقافة والفكر السياسي في المجتمع الكردي مما أدى إلى تزايد الاهتمام بالتعليم والثقافة بشكل لافت , أما التيار الثالث – الحياد – فقد استطاع أن يقدم تجربة سياسية اكثر واقعية ولكن يؤخذ عليه ضعف دوره على المستوى الثقافي والفكري والتنظيميالداخلي  .
2-   بالنسبة إلى دور المثقفين الكرد داخل وخارج الأحزاب , فقد تراوح بين الإبداع الأدبي والثقافي الشخصي وضعف دوره السياسي والتنظيمي وضعف ادائه بالارتقاء بالعمل الحزبي إلى مستويات اكثر نضجا وتطورا ويمكن الإشارة إلى دور المثقف الملتزم على انه اخفق في ادارة ازمات تلك التنظيمات أو القيام بدور التجديد والتطوير فيها إنما تميز رد فعله بالاصطدام والتراجع والاستسلام لإرهاب تلك المجموعات المنغلقة والمتخلفة والمعرقلة لتطور الحالة الثقافية والسياسية في الحركة الكردية صولا إلى الهجرة / الانقسام بعد كل خلاف. ولذلك يجب الإشارة إلى تلك العقلية القصيرة المدى والمنفعلة التي ميزت تيار المثقفين مما يتطلب الاعتراف بذاك الخطأ المنهجي والمسلكي حتى يمكن الحديث عن معالجة الأزمة الذاتية للحركة وسبل وتجاوزها و تطورها وتقدمها . وخاصة معالجة مسالة الانقسامات التي لم تفرز في كل مرة حالة جديدة حزبية أو ثقافية أو سياسية اكثر تطورا ونضوجا من الحالة التي سبقتها بل بالعكس فقد أدت جميع تلك الانقسامات إلى صعود شخصيات اكثر ضعفا وهشاشة إلى الصف الأول بسبب الفراغ الناشئ مما كان يزيد من عمق الأزمات التنظيمية الفكرية لتلك التنظيمات ومن ثم تقهقرها وتراجعها على كافة المستويات .
3-   بالنسبة إلى الممارسة الديمقراطية , يمكن القول إنها وبعد مرحلة التأسيس ومشروعها الأول والخلاف الذي دب في الحزب ومن ثم الانقسام الأول والانقسامات الأخرى إن كل ذلك قد الغى الممارسة الديمقراطية بالمعنى الحقيقي و الواسع وانحصرت ممارستها بالنموذج الحزبي الضيق و الستاليني  في احسن الأحوال وتم تقزيمها وتشويهها إلى درجة تفصيلها على مقاس الشخص الأول في كل حزب بكل دقة ومواربة وتحايل للحفاظ على ذاك المنصب في أحيان كثيرة إن لم نقل جميعها ولذلك لم يتم استبدال أي من هؤلاء القادة ولو لمرة واحدة وفي جميع الأحزاب الكردية دون استثناء .
4-   بالنسبة إلى علاقة الحزب بالمجتمع الكردي , يمكننا القول إن تلك العلاقة التي تأسست في البداية على الاحتضان والمباركة قد اهتزت إلى حد ما بسبب السلوكيات الضارة والقاصرة للكثير من قادة تلك الاحزاب وتسخير تلك العلاقات الحميمة لمصالح ذاتية شخصية مسيئة لمصداقية تلك العلاقة ونقائها وبالرغم من ذلك فان إيمان الجماهير الكردية بعدالة قضيتها لم تتزحزح بل بالعكس فإنها في أحيان كثيرة تسبق الحركة السياسية وتنتقدها على ضعف نشاطها وبطأها في عملها .
5-   إن الخطاب السياسي للحركة الكردية تأرجحت بين فترة وأخرى وذلك تبعا للعوامل الذاتية والموضوعية و يمكن الإشارة إلى ثلاث نماذج للخطاب السياسي منذ تأسيس البارتي وحتى الآن :
أ‌-    مرحلة التأسيس : حيث اتسم حينها بسيطرة النزعة القومية ذي التوجه الديمقراطي العلماني .
ب‌-  المرحلة الثانية : من ستينات القرن الماضي وقد اتسم بالنزعة الأيديولوجية – يسارا ويمينا – حيث تميز الأول بالنزعة الماركسية والثاني بالاصلاحية السياسية حيث تم ادلجة سياسة المهادنة والمراضاة للسلطات بزعم نظري , وفي كلتا الحالتين ابتعد الخطابان عن رغبات واماني الجماهير الكردية التي شعرت بغربة تلك الشعارات عن واقعها الاجتماعي السياسي المعاش .
ت‌-  المرحلة الثالثة : منذ بداية التسعينات وبعد فشل الخطاب الأيديولوجي على الصعيدين المحلي والعالمي وتراجع تلك النزعات المتطرفة والغامرة وانحسارها لحساب مد الخطاب السياسي الديمقراطي - من جديد – و حقوق الانسان وبناء المجتمع المدني وسيادة تلك المفاهيم على خطاب معظم الاحزاب الكردية , اجمالا اتسم الخطاب السياسي للحركة الكردية بالواقعية والاعتدال وروح المسؤولية في نشاطها ودفاعها عن قضيتها بعيدا عن روح المغامرة والاستفزاز والتطرف .
6-   في المجال التنظيمي :قد يكون هذا الجانب هو الوحيد الذي لم يطاله التغيير والتطوير في الحركة الكردية منذ تأسيسه وحتى الآن فقد ظلت العلاقات التنظيمية والحياة الحزبية صامدا لم يتغبر بالرغم من تغير الكثير من الظروف الذاتية والموضوعية مما انتج اليوم تنظيمات قاصرة وعاجزة عن تلبية متطلبات العصر لذلك فإن هذا الجانب قد يكون اكثر الجوانب حاجة إلى التجديد والتغيير .
7-   السرية والعلنية في العمل الحزبي : لقد بات محسوما مسالة الانتقال إلى الحالة العلنية مع ما يتطلب ذلك من تغيير في آليات العمل ونمط التفكير بعد زوال بقاء مبررات العمل السري .
8-   علاقة الحركة الكردية بقوى المعارضة السورية : كما هو معلوم فان قوى المعارضة السورية بما فيها الحركة الكردية لم تستطع بناء علاقات طبيعية بين بعضها البعض وتشكيل أطر جماعية في مواجهة سياسة السلطة بسبب غياب الديمقراطية في البلاد اولا واستخدام الاساليب القمعية من قبل السلطة في التعامل مع الحركة الوطنية الديمقراطي السورية ثانيا , وبسبب تجاهل القوى السياسية السورية وإهمالها للملف الكردي وعدم اعتراف جميعها بوجود قضية كردية في سوريا و من أقصى اليمين – الإخوان المسلمين - إلى أقص اليسار – الحزب الشيوعي السوري – باستثناء مواقف رابطة العمل الشيوعي الذي تعرض للملاحقة القاسية و من ثم التصفية , بسبب هذين السببين غابت عن الساحة السورية وجود علاقات طبيعية بين القوى السياسية ومن ضمنها علاقات الحركة الكردية مع قوى المعارضة السورية إلا انه في الفترة الأخيرة فان جسور الثقة والعلاقة بينهما بدأت تمتد بخطى حثيثة قد تنتج مستقبلا آليات عمل مشتركة وتعاونا جديا بهدف الضغط لأجراء التحول الديمقراطي العام والشامل في سوريا وتحقيق أهداف وأماني الشعب السوري الديمقراطية والاجتماعية والسياسية ومن ضمنها أهداف وطموحات الشعب الكردي .
إن إجراء المراجعة العميقة والشاملة لعمل الأحزاب الكردية بات ملحا وضروريا اكثر من أي وقت مضى إذا أرادت تلك الأحزاب الاستمرار و مواكبة تطورات العصر وذلك بتجاوز أخطاء الماضي والاعتراف بتلك الأخطاء لا غض النظر عنها أو التهرب منها وان التجارب المحلية – الكردستانية والعربية – وكذلك العالمية جديرة بالاهتمام والاستفادة الحقيقية منها وتلك مهمة النخب السياسية و الثقافية داخل الأحزاب وخارجها وذلك بتقديم برامج نظرية بهذا الصدد .

قامشلو في 4/7/2003

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]