www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

22.01.2003 - 21:55

رأي في الانتخابات التشريعية السورية ودعوة لإحياء دستور الاستقلال الوطني

د. محمود حسين صارم *

أخبار الشرق - 22 كانون الثاني 2003

كنت قد قررت أن أترشح فعلاً، ولكن لا لأخوض الانتخابات، بل لأتمكن من اصدار بيان بشكل حر اوزعه على شعبنا العربي السوري العظيم، أحدد فيه برنامجاً وطنياً للاصلاح، ومن ثم أتقدم بانسحابي. لكن هذا كان سيتطلب مني السفر من مكان اقامتي في الرقة حيث اقيم منذ اكثر من ربع قرن إلى مكان ولادتي لأتقدم بطلب ترشيحي في محافظة اللاذقية. ففضلت التراجع لأكتفي بإبداء رأيي حول هذه الانتخابات، وتقديم برنامجي الاصلاحي آنف الذكر.
من المعلوم ان الانظمة الشمولية قد اتخذت جميعها اسلوباً بديلاً للديمقراطية الغربية اطلقت عليه اسم الديمقراطية الشعبية. والديمقراطية الشعبية هذه تعني ان الشعب بكل فئاته وشرائحه وطبقاته منظم في منظمات تابعة للقيادة السياسية. ويبدأ التنظيم ابتداءً من اطفال المدارس عندنا: بطلائع البعث أولاً، وباتحاد شبيبة الثورة ثانياً، واتحاد الطلبة ثالثاً. وقل هذا في العمال والفلاحين والنساء واصحاب المهن على اختلاف انواعها. وطبعاً هذه التنظيمات كلها تنتمي إلى فكر واحد لا يعترف بوجود الآخر. ومجلس الشعب هو أيضاً أحد هذه المنظمات. واجمل ما سمعته في وصف هذا المجلس هو ما قاله لي احد المواطنين مازحاً: أسمعت؟ قلت: ماذا؟ قال: لقد فتحوا باب الاكتتاب للدخول إلى الروضة. قلت: أي روضة؟ قال: روضة الاستاذ عبد القادر قدورة. عندها فهمت ان هذا الشعب الحضاري العظيم قد اطلق على مجلسه اسم: روضة عبد القادر قدورة متيمناً بطلائع بعث الدكتور احمد ابو موسى.
إن سورية ليست بحاجة اليوم لتكرار مسرحية الانتخابات التي سئمنا مشاهدها المتكررة منذ أيار سنة 1973، حين كنت احد المرشحين. وكنت حينها طبيباً مجنداً في قواتنا المسلحة الباسلة. وسأخصص لتلك الانتخابات مقالاً آخر.
إن سورية اليوم بحاجة إلى برنامج للاصلاح الدستوري والسياسي والاقتصادي. ففي أول رسالة وجهتها للسيد الرئيس بشار الأسد مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول المأساوية، قلت لسيادته: ".. فمشكلة الحرية والديمقراطية في هذا الوطن هي مشكلة مزمنة سببتها الظروف الدولية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية. الا ان سقوط الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية، وبقاء النظام الرأسمالي الوحيد القطب باسم العولمة، جعلها تظهر بشكل حاد فارضة نفسها على قيادات كل دول العالم الثالث لتلبية متطلبات التغيير واعادة بناء الدولة والمجتمع". وتابعت قولي: "لقد حان الوقت يا سيادة الرئيس للعودة إلى دستور الاستقلال، دستور الكتلة الوطنية، حيث لا تمييز بين مواطن ومواطن".
ولأن الانهيار قادم في العراق لا محالة. ومن وجهة نظري فإن الحرب قد انتهت قبل ان تبدأ. لأن الاساطيل قد ملأت الخلجان والبحار، وستفرض التغييرات المطلوبة الآن في المنطقة، وصاحب القوة على الارض ستكون له حصة الأسد. وحتى تكون العواقب حميدة علينا في سورية، ونخرج بأقل الخسائر، فانني أضع بين يدي السيد الرئيس برنامجي للاصلاح الدستوري والسياسي والاقتصادي، الذي يتألف من النقاط السبع التالية:
1 - تأجيل الانتخابات: والاستعداد لما ستأتي به تطورات الأحداث على الساحتين العراقية والفلسطينية.
2 - المصالحة الوطنية: .. وخاصة مع التيار الإسلامي الوطني الذي يتزعمه الأستاذ علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين، والذين اصدروا ميثاقاً وطنياً، حددوا فيه الأسس والأهداف لبناء الوحدة الوطنية، والتصدي للمشروع الصهيوني، وبناء الوحدة العربية والتضامن الإسلامي.
والميثاق الوطني هذا يرفض العنف رفضاً قاطعاً. وقد اعتبر: "أن المواجهة بين العروبة والإسلام كانت عنوان مرحلة تاريخية تصرمت. وقد نشأت تلك المواجهة عن عوامل من الانفعال وسوء الفهم، وحمى الايديولوجيا التي سادت المناخ العام في فترات ما بعد الاستقلال". كما وأوضح هذا الميثاق الوطني بالنسبة لإسرائيل ما يلي: "يشكل المشروع الصهيوني بأبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية الخطر الاكبر على امتنا وقطرنا. ويستدعي جمع القوى، وحشد الطاقات، للتصدي له .. وهو مشروع يسعى للسيطرة على الإنسان والارض والثروة". وأما بالنسبة لمرجعية الإسلام فقد جاء ما يلي: "إن الإسلام بالنسبة لابناء قطرنا العربي السوري: إما مرجعية دينية أو انتماء حضاري، فهو بالتالي كلي جامع لأبناء الوطن، موحد بينهم، حافظ لوجودهم".
إن المعارضة الحقيقية اليوم في سورية هي "جبهة الميثاق الوطني". ولقد وصفت ميثاقهم هذا بقولي: وكأنه آتٍ من رحم الحركة النهضوية العربية الأولى، وأما التجمع الوطني الديمقراطي فهو في الحقيقة ينتمي بفكره وعقله وروحه إلى الحركة القومية الاشتراكية. وهذا لا يعني اطلاقاً أنه لا يمكن العبور من هذه الحركة إلى تلك. لكن عندما يحدث هذا فانه على المتحولين ان يعلنوا ذلك ليسهل على الشعب معرفة حقيقة امرهم وانهم ليسوا مع الانظمة الشمولية التي كانت احزابهم تنتمي اليها. ومن جهة ثانية فانه يجب ان لا يقبلوا بخوض المعارك الانتخابية في ظل حكم شمولي مهما تزين وتجمل. وحتى يكون القارئ على بينة؛ فأنا كنت قد صنفت الحركات العربية المعاصرة إلى حركتين أساسيتين: الأولى وهي الحركة النهضوية العربية الأولى التي تبلورت بالثورة العربية الكبرى وكان منظرها الاستاذ ساطع الحصري. وكانت هذه الحركة موالية لقيم النهضة الأوروبية الحديثة في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان دون التخلي عن قيم وأخلاق العرب والمسلمين. أما الحركة الثانية: فكانت الحركة القومية الاشتراكية وكان منظروها: الأساتذة زكي الارسوزي وميشيل عفلق واكرم الحوراني والسيد جمال عبد الناصر. وكانت هذه الحركة موالية للأنظمة الشيوعية الشمولية.
3 - تشكيل حكومة ائتلاف وطني: على أن يكون ثلث أعضائها لأحزاب الجبهة الحاكمة وثلث آخر للمعارضة وأما الثلث الأخير فيكون للشخصيات الوطنية المشهود لها بالأخلاق الحميدة والحكمة.
4 - المحاسبة: وهنا لا بد من العودة إلى لجنة الكسب غير المشروع التي شكلها الرئيس الراحل في آب سنة 1977، والتي أفشلها التيار الفاسد في الحزب والجبهة والسلطة. وقانون المحاسبة يجب ان ينبع من قيم الشريعة الإسلامية السمحاء. وقد اقترحت شريعة الفاروق عمر اكثر من مرة في رسائلي ومقالاتي. وتتلخص هذه الشريعة في أخذ أنصاف أموال كل صاحب ثروة غير معروف مصدرها، وإعادتها إلى بيت مال المسلمين ليعاد إنفاقها من جديد في الصالح العام. وقد طبقها الفاروق عمر على فاتح مصر وعامله عليها عمرو بن العاص.
وهنا يجب أنه نتذكر قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ..)، وقول نبينا الأعظم صلوات الله عليه: "إذا جاع الفقير فلا مال لأحد". وقول الفاروق عمر: "لو استقبلت من امري ما استدبرت لأخذت فضول اموال الاغنياء ووزعتها على الفقراء". وقول الامام علي يوصي الأشتر النخعي حين ولاه مصر: "إنما عماد الدين، وجماع المسلمين والعدة للاعداء: العامة من الامة". والعامة هنا هم العمال والموظفون وصغار الكسبة والجند الذين اصبحوا في هذا النظام مسلوبي الحقوق والكرامة وعبيداً للخاصة مقابل راتب لا يسمن ولا يغني من جوع.
5 - المصالحة العربية: وهذا يعني التخلي عن كل الفلسفات العقيمة التي طرحها التيار القومي الاشتراكي في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي مزقت الأمة. فاليوم لا يمكن القبول أبداً بأن تكون الوحدة العربية هي مسئولية قائد عربي بعينه، أو حزب أو طبقة. بل يجب أن تكون مسئولية كل القادة العرب ومن خلال جامعة الدول العربية فقط؛ وذلك بتفعيل مؤسساتها وهيئاتها: الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، حتى نصل إلى الوحدة التي لا انفصام بعدها.
6 - المصالحة مع الغرب: ان من يعادي الغرب اليوم فانه يعادي العلم والتقدم، وبالتالي يعادي الله والرسول، ولهذا لا بد من إقامة علاقات موضوعية ثابتة ومتطورة مع كل دول الغرب، ننقل عنها العلم والتكنولوجيا. وهنا أذكِّرُ بأن إسرائيل، العدوة الوحيدة في هذا العالم لأمتنا وديننا وأقوامنا، استطاعت ان تبعدنا عن الغرب 50 عاماً، بقينا فيها نجتر فلسفات ونظريات في الثورة القومية وفي الصراع الطبقي .. بينما هي بقيت تنقل عن الغرب العلوم والتكنولوجيا حتى أصبحت اليوم توزعها على أصدقائنا السابقين: في دول الاتحاد السوفياتي السابق، وفي الصين والهند وفي دول أخرى كثيرة. إنها مأساة جلبها لنا التيار القومي الاشتراكي المستبد برأيه. قال الإمام علي: "من استبد برأيه ضّل ومن استغنى عن غيره ذل".
7 - وتبقى العودة إلى دستور الكتلة الوطنية، دستور الاستقلال الوطني، الذي نص على حقوق الإنسان وحرياته، تبقى هي الهدف الأسمى لشعبنا ولكل الشعوب العربية والإسلامية. فالحرية والديمقراطية كانتا السلاحين الأقوى والأمضى اللذين اسقطا الاتحاد السوفياتي السابق، رغم ما يملكه من ترسانة الصواريخ عابرة القارات، وترسانه أسلحة الدمار الشامل. إن هذه الأسلحة كلها لم تفده أمام أسلحة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فهل نتعظ؟
__________ 
*كاتب وأديب سوري - الرقة
>> صفحة البداية <<


 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]