www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
29.09.2003 - 11:57

دعوة للحوار حول:
الخيارات النضالية الكردية بين استمرار التمسك بحق التظاهر وجدوى الأساليب التقليدية


كاميران اسماعيل

اعتقد الكثيرون بأن نجاح بعض الأحزاب الكردية في كسر حاجز الخوف والإرهاب، من خلال تنظيم مظاهرتين في أقل من عام وفي العاصمة دمشق وبما حققت من نتائج هامة على الصعيدين الإعلامي والسياسي، ستحفز الأطراف الكردية الأخرى التي تخلفت عن المشاركة إلى اعتماد هذا الخيار بعد أن تأكد التأييد الجماهيري العريض لها، وأن الدعاية المضادة التي شنتها بعض الأطراف ضد هاتين المظاهرتين كان مجرد محاولة للدفاع عن النفس أمام الجماهير التي أنّبتها على تخلفها عن المشاركة.
ولازال الكثير من الكرد المهتمين بالشأن السياسي يعتقدون بأن التعددية الحزبية الموجودة في الساحة الكردية هي مجرد تعددية تنظيمية لا ترقى إلى سوية التعددية السياسية، وتعدد المواقف من القضية، وسبل حلها. وأن الأحزاب الكردية جميعها تملك الدرجة نفسها من الحماس للنضال في سبيل قضيتها وإن اختلفت صيغ خطابها وشكل ممارساتها وسلوكها.
ولكن الذي يبدو أن هذا الاعتقاد مبني، في جوانب كبيرة منه، على الأوهام دون الحقائق والمعطيات الواقعية. ويعود ذلك بالأساس إلى السنوات العجاف في تاريخ النضالات الكردية التي تميزت بالعطالة، قد غطت على بعض هذه الحقائق التي تؤكد اليوم –وبما لا يدع مجالاً للتأويل والشك- أن ثمة تباينات بل وتناقضات كبيرة بين الأطراف الكردية من حيث فهمها لطبيعة القضية الكردية وكذلك فهمها للنضال السلمي الديمقراطي. ويبدو أن الأحداث والمحطات المستقبلية ستميط اللثام عن المزيد من هذه التباينات والتناقضات في رؤية هذه الأحزاب، وحقيقة مواقفها، وكذلك عن الأدوار التي ستلعبها على صعيد القضية سلباً وإيجاباً مع بدء تبلور أسس حركية نضالية كردية جديدة في بعدها الصحيح، وفي ظل ظروف ومعطيات ترشيح استمرار هذه الحركية وتصاعدها، خاصة إذا انتقلت المبادرة النضالية إلى الجماهير العريضة التي غُيبت وأقصيت عن العملية الكفاحية لأسباب عديدة، وفي مقدمة هذه الأسباب احتكار النخب الحزبية للممارسة السياسية واتكائها، في ممارستها النضالية، على الجانب الإعلامي في أكثر صورة تواضعاً، بل وحتى أكثر تخلفاً، ومن وراء الجدران، وإسقاطها، ومن منطلقات ذاتية مرضية وأخرى موضوعية، خيارات النضال الجماهيري، الأمر الذي أفقد الجماهير وظيفتها، وأسست لشرخ واسع بين الأحزاب والجماهير رغم أن هذه الجماهير هي الحامل والمحرك للنضال الديمقراطي السلمي.
ومع اقتراب الذكرى السنوية للإحصاء الاستثنائي المشؤوم، تتهيأ الأحزاب الكردية – بمختلف أجنحتها- للتعبير عن رفضها للسياسة الشوفينية التي أنتجت الإحصاء الاستثنائي ونتائجه التي أسقطت الجنسية السورية عن عشرات الآلاف من أبناء الشعب الكردي، يصل تعدادهم اليوم إلى أكثر من ربع مليون، بكل ما يتركه هذا التجريد من آلام ومعاناة، وكذلك رفضها للمحاولات المستمرة لتغييب الشعب الكردي ومصادرة حقوقه القومية.
وثمة تباينات واختلافات شاسعة تبرز بين المواقف من حيث شكل التعامل مع هذه المناسبة، وكيفية التعبير عن الرفض للسياسات الشوفينية، وتتراوح هذه المواقف بين الدعوة لاستثمار هذه المناسبة من خلال تنظيم تظاهرات في أكثر من موقع وبين الاستمرار في الأساليب القديمة.
وعلى الرغم من أن هذه الطروحات لازالت على سبيل وجهات نظر تخضع للنقاش والحوار بين مختلف الأحزاب الكردية، إلا أن الغريب والمدهش أن التحالف الديمقراطي الكردي بدأ يروج –وبصورة مبكرة- بأنه قد اتخذ قراره بهذا الشأن، وأنه يعتزم تنظيم تجمع أمام وزارة الداخلية للمطالبة بإعادة الجنسية إلى المجردين منها، وهو بذلك يقطع الطريق أمام أي حوار أو تبادل للرأي بينه وبين باقي الأطراف الكردية، بل ويحاول أن يوهم الناس بأنه بصدد فتح جديد في الممارسة النضالية الكردية، بينما يحمل هذا القرار –من حيث الصيغة والشكل- في جنباته الكثير من التساؤلات وإشارات الاستفهام المشروعة. نتمنى من المهتمين والمثقفين الأكراد أن يخضعوها للحوار والمناقشة، لعل هذه النقاشات تفيدنا جميعاً في بلورة خياراتنا النضالية، راهناً ومستقبلاً، في ضوء الظروف والمعطيات المحلية والإقليمية والدولية الجديدة والاستحقاقات التي تفرضها على حركتنا في سياق تصديها لمهام العمل من أجل القضية الكردية في سوريا.
وبرأيي، فإن التحالف –بهذا القرار المبكر والمتسرع- يسعى لتحقيق هدفين على الأقل، الأول هو محاولة إفشال المبادرات الأخرى، وخاصة المبادرات التي تدعو إلى استثمار المناسبة من خلال تنظيم تظاهرات في العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية، ترفع شعارات تدعو إلى حل القضية الكردية  من خلال الدعوة إلى الاعتراف بوجود الشعب الكردي وخصوصيته القومية وحقوقه الثقافية واللغوية والسياسية. وعلى اعتبار أن معظم أطراف التحالف ترفض فكرة التظاهر على إطلاقه، وشنت حملة دعائية ضد المظاهرات التي نظمتها بعض الأطراف الكردية في دمشق واتهمتها بكل النعوت والصفات المقذعة، وكان من نتائج ذلك استهجان الجماهير الكردية لهذا الموقف ووصفه بالتقاعس والتخلف عن أداء الواجب، الأمر الذي انعكس سلباً على أصحابه/الموقف ومصداقيتهم بين الجماهير. فيأتي هؤلاء لاستعادة تلك المصداقية على اعتبار أنهم غيروا موقفهم وأسلوبهم العام.
والثاني هو التخلص من مسؤولية عدم الاستجابة للمبادرات التي ستطرح عليه/التحالف.. بمعنى أن التحالف بهذا القرار المتسرع والمبكر إنما يمارس نوعاً من الخداع والتضليل مع الجماهير التي تنتظر نشاطاً متميزاً هذا العام بعد النقلة النوعية التي أحدثتها المظاهرتان الكرديتان على صعيد النضال الكردي العام، وأن التحالف من خلال قراره وشكل التجمع الذي يعتزم القيام به، إنما يسعى إلى تكريس حالة المستنقع والعدمية النضالية التي تفاءلت الجماهير خيراً بالتخلص منها، وذلك لأسباب كثيرة ومتعددة، سنحاول التعرض لبعض منها:
1ً- إن هذا التجمع الذي ينوي التحالف تنظيمه أمام وزارة الداخلية للمطالبة بإعادة الجنسية إلى الكرد المجردين منها، والذي يسميه بالاعتصام، ليس له علاقة –لا من قريب ولا من بعيد- بمفهوم الاعتصام. ولا أعتقد أن التحالف سيتبنى هذا المفهوم على صعيد موقفه الرسمي، وإنما يروج لهذا المفهوم فقط للتسويق الجماهيري، ذلك أن الصيغة المطروحة لا تتعدى جمع بضع عشرات من المجردين من الجنسية أمام وزارة الداخلية وبشكل صامت، وينفضّ هذا التجمع بمجرد إيصال رسالتهم إلى أي موظف في وزارة الداخلية، ودون أن يتبنى هذا التجمع أية شعارات أو لافتات تشير إلى أهدافه، وإلى هوية المتجمعين، أو إلى ما يثير انتباه الشارع الدمشقي. وبحيث لايمكن لأحد أن يميز بين هذا التجمع وبين حشود المواطنين من المارة والمراجعين لوزارة الداخلية، وهو أمر قد ألفنا رؤيته في السنوات الماضية؛ حيث كانت هناك تجارب مماثلة. ويبدو أن هذا الأمر محسوب بعناية من جانب التحالف حيث يحرص كل الحرص على عدم الخروج عن تقاليد عدم إزعاج السلطات أو الظهور بمظهر غير عادي وغير مستساغ.
2ً- إن ممارسات من هذا النوع هي ممارسات ممجوجة ومتكررة، جربتها معظم الأحزاب الكردية في السنوات السابقة، وكان المتجمعون يعودون كل مرة بأقل من خفي حنين، وخيبة أمل؛ حيث كانت الوزارة ترد عليهم بأن قضية المجردين من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي ليست من اختصاصها، وإنما من اختصاص القيادة القطرية. بمعنى أن القضية ذات أبعاد سياسية، ويرتبط حلها بقرار سياسي من القيادة القطرية. ومع ذلك يعود التحالف لينفخ في نفس القربة المقطوعة، وكأنه يتقصد النفخ فيها، وهو يعلم علم اليقين، أن لا جدوى ولا فائدة منها.
3ً- إن مثل هذه التجمعات التي كانت تحدث تحت مسمى الوفد الشعبي من المجردين من الجنسية  شكلت باستمرار فرصة للأحزاب للتنصل من المسؤولية السياسية تجاه هذه التجمعات وفرصة لعدم تبنيها بشكل رسمي وتحمل مسؤولية تنظيمها أمام السلطة.
 يبدوان إن محاولة التحالف الجديدة لا تخرج عن هذا التقليد العريق، والذي –وللأسف- يعبر عن ضحالة الإرادة النضالية، وعن روح الهزيمة والانكسار ليس إلا، لأن التخفي خلف ما يسمى بالوفد الشعبي هو في الحقيقة إحدى تجليات الجبن السياسي، وهروب من المسؤولية السياسية، وهذا بالقطع ليس من تقاليد الأحزاب السياسية، ولا من تقاليد المناضلين.
4ً- إن الإصرار على اختبار وزارة الداخلية – وبصورة حصرية ومتكررة في هذه المناسبة- رغم رد الوزارة بأن القضية ليست من اختصاصها، هو الآخر أمر بعيد عن البراءة وسوء التقدير، وينطوي على تداعيات ومعاني خطيرة يجب الوقوف عندها، إذ يعني ذلك نزع الصفة السياسية عن القضية، وهو ما يستتبع دفع الشأن الكردي برمته نحو الدهاليز الأمنية التي دأبت السلطة باستمرار وضعها فيه، والتعامل معها وفق المنهج الأمني، ونزع كل صفة سياسية عن القضية الكردية كلها. بينما نؤمن "جميعاً" بأن القضية الكردية قضية سياسية، وإن اختصاص البت فيها يعود لمركز القرار السياسي في البلاد، وبما في ذلك قضية المجردين من الجنسية، لأن مشروع إسقاط الجنسية عن المواطنين الكرد نفذ تحت دوافع عنصرية سياسية، ولا أعتقد أن لدى التحالف تفسير آخر، أو أن هذا المشروع جاء في سياق محاولات تغييب الوجود الكردي، وتصفية القضية الكردية حسب الوصف الذي يتفق عليه معظم أو جميع الأحزاب الكردية.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]