www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
04.09.2003 - 11:56

مستقبل الكتاب في سوريا: الكتاب في قمامة

ابراهيم محمود

elaph, 03.09.2003

 لا اتحدث عن موضوع مجرد،إنما عن موضوع عشته حدثاً لايشتهي معايشته أحد،وهأنذا أدونه لالكسب شهرة إعلامية معينة، فأنا كما يعلم القريبون مني بعيد عن هذاالجانب. حديثي خاص بالثقافة التي تنبىء بموت الانسان قيمياً، حين تروَج لكل ما من شأنه تسطيحه وتمسيخه، وضمناً عن الكتاب الذي يشكل المدخل الرئيس في تنوعه الفكري والأدبي عن الانسان المتعدد، خصوصاً راهناً. أتحدث عن مستقبل الكتاب في سوريا: كيف ينظر إليه، وحين يريد عبور حدود معينة, وحين يكون صاحبه متهماً لأنه يرسم مستقبلاً عبر الكتاب.
لن أطيل في المقدمة كثيراً. ثمة حادثة هي حدث متعدد الأبعادليس بالمستغرب حصولاً، حين التمعين في ثقافة عربية لاأقول عن أنها مأزومة، وكأنها كانت ذات يوم خلآف ذلك، وإنما ثقافةأزمة متنامية، في الوقت الذي نشهد فيه، وحتى داخل المعتقلات العربية السرية والدوائر الأمنية وسواها كل ما يحدث في العالم وبالصوت وبالصورة، لا بل ومحاولة تشجيع على ذلك.أليس الترويج للمعلوماتية منذ سنوات عدة في سوريا وعلى أعلى المستويات نوعاً من التبشير بانسان كوني يتجاوز الأطر الضيقة لثقافته المحلية والمعتقدية والقوموية وسواها وعبر الأنترنت؟
بتاريخ3-8-2003- ليوم السبت، الساعة الثالثة والربع عصراً،وكنت قادماً من بيروت كعادتي بين الحين والآخر بسبب عملي المهني كباحث وصحفي وينشرهناك إلى جانب النشر في سوريا،حيث أحمل معي مجموعة كتب تعنيني في عملي البحثي الانتروبولوجي خصوصاً الذي أعرف به لدى متابعيَ.
على الحدود السورية(جديدة) كان هناك ماينتظرني، ليؤكد هاجس الخوف الذي يسكنني أنَى تحركت( ليس لأنني خائف بالفطرة وجبان كما يظن للوهلة الأولى هنا،،إذ ثمة العديد من كتبي ممنوعة من التداول في سوريا على الأقل، وهي بلدي، كما في حال: الجنس في القرآن،جغرافية الملذات، المتعة المحظورة، الشبق المحرم...الخ، وهذا مايعرفه المطَلع وأولو الامر جيداً) وإنما بسبب تنامي سعة الحدق البصاصية للقيمين عموماً هنا بمنكرهم ونكيرهم المشخصين ولهاثهم لمجرد رؤيتهم طرف كتاب ما حتى قبل معرفة ما يتضمنه( لم أصبح مهرباً كبيراً مثلاً لأكون تجسيداً لمثل اعلى كما يبدو لما هو وطني ) فهم يعتبرون الكتاب مستو دع بارود فعلاً).
الكتب التي أحملها معي أضعها في كيس عادي، وأودع الكيس ( باكاج ) السيارة، حيث أعلم السائق مسبقاً وهو يبدي خوفاً ملحوظاً أن لا داعي للخوف فهي كتب ( عادية) ويقبل ذلك على مضض، وثمة سائقون يرفضونها لأسباب معلومة، رغم أنني أعرَفهم بنفسي بأنني باحث وصحفي لكن ذلك لا يشفع لي.فتح الباكاج وبعد مرور وقت قصير كالرصاص سمعت صوتأحدهم: مين صاحب الكتب؟وكان ضابطاً برتبة ملازم وهو يتقدم نحو الداخل. قلت:أنا، محسوبك باحث أنتروبولوجي وصحفي. فردد ذلك لسواه( للذي يفتش بالتحديد)، وبعد أقل من ثانية جاءني صوتهك الكتب رجَعن.نزلت. كانت الكتب مبعثرة في صندوق السيارة، وبعد لحظات صارت فرجةللداخل والخارج وقد وضعت على المصطبة الحجرية.تقدمت من الضابط المسؤول وكان برتبة ملازم أول وأنا أعرَفه بنفسي مجدداً وبشكل مسهب، وبالمقابل كان هناك من يقلب في الكتب ربما بحثاً عن عنوان صفيق أو كلمةذات مغزى أحاسب فوراً على أساسها ويكافأ هو اتقانه لدوره في اكتشاف لغز الكتاب اللعين، حيث تنوعت الكتب بأحجامها وألوانها وعتاوينها الرئيسة، لكنه أصر على ضرورة ارجاعهن، لأن ليس من اختصاصه الموافقة، إذ لا بد من موافقة من وزارة الإعلام حصراً. تصورت نفسي وقد ألقي القبض علي بالجرم المشهود خطيراً وذا شأن). كانت عيون تضيق وتتسع لمرأى الكتب، كتب من مثل:المقدس والمدنس، عن أمريكا وعلاقتها بالارهاب الدولي ل"فضل الله".الأحزاب السياسية في سوريا ل"هاشم عثمان،الهاشميون ل"دوكور رانس"،أسياد الجريمة، عن عصابات المافيا بوصفها ضد الديمقراطية ل"جان زيغلر "...الخ.وضَحت للضابط أن معظم هذه الكتب تهمني في عمل بحثي أقوم به عن النقد الفكري في المغرب، وسوف أقدمه لوزارة الثقافة لاحقاً لتطبعه بعد الموافقة عليه، وهذه حقيقة.لكنه أصر على الانكار. سائق السيارة أخذ أجرته ومضى لابقى رهين الحدود.حاولت أن أوضح للضابط مجدداً أن لاخوف مما يرى، قلت له: كنت ضابطاً في الجيش( خدمة إلزامية)قبل عشرين عاماً( تصوروا لو أنني استمريت لغدوت الآن جنرالاً بحق أين منه جنرال "غ.غ.ماركيز)، والآ نفإن ابني الكبير قد أنهى خدمة العلم والآخر على وشك أن ينهيها( ماضرورة كل هذا الكلام؟)أبدى الضابط ضرباًمن الود وهو يقول:إن شاء الله يتسرح بالسلامة، أما الكتب فلا مجال لإدخالها.رجَعن. ترى كيف يمكنني كباحث تأمين الكتاب المطلوب؟ هل علي باستمرار أن أتقدم بطلب خطي للجهات المختصة؟ وماذا بشأن الكتاب الذي يصدر حديثاً هل علي انتظار نتيجة هاتيك الجهات؟ وماذا بشأن آلاف الكتب والموضوعات المحظورة، هل علي تجنبها؟ ترى ماهي حدود الأمن الثافي، بل ماهو مفهوم الأمن الثقافي وكيف يقرر؟ كما في حال كتابي" الجنس في القرآن" الصادر في لندن سنة 1994حيث اعتبر ممنوعاً إلى جانب قائمة اخرى أصدرتهاأعلى جهة امنية وقتها، بوصفه يصف في خانة الامبريالية؟ وكيف يمكنني الحصول على موافقة وزارة الإعلام -سلفاً- حيث يحق لي ادخال ثلاث نسخ من أي كتاب والحدود مغلقة؟ أليس من حقي كمواطن ( تثيرني هذه الكلمة اإلى درجة التقززلأسباب معلومة جيداً)ادخال نسخة من أي كتاب قبل أن أكون باحثاً أو غيره، أم أن علي أن أنتظر التقرير الميكروسكوبي للقَم على الثقافة المغدورة؟ ترى لماذا هذا الرعب إزاء الكتاب في أمة تدعي انها أمة الكتاب؟أم هي مقبرته؟سألت:
ألا يوجد ضابط آخر لمراجعته، قال لا، وقال لي محتداً هذه االمرة: ياأخي ما قصتك، أنت باحث وتفهم، ادخال الكتاب ممنوع ,،ضعهن في مكان ما، عند أحدهم. سألت وكبف أرجعها، وأضعها عند من؟ قال: لا علاقة لي بالموضوع.قلت يا سيادة الملازم أول، الكثير من هذه الكتب أَمنته بطلوع الروح، وأنفقت عليها الكثير، وأنا من أقصى الشمال الشرقي في سوريا. كل محاولاتي ذهبت أدراج الرياح. قلت ياسيادة الملازم أول خذوا الكتب التي ترونها سياسية واتركوا الباقي لي. احتد وقال:عندي كتب كثيرة بشو تفيدني؟ رجعن. .أحدهم قال:سيدي نصادرن. قال لا. بعدها بلحظات تقدمت منه وهو بين الحين والآخر يمارس عمله الاعتيادي وقلت له: أخي هذه الكتب أقدمها هدية لكم، ولسوف أعض بعد ذلك حتى لاأصطحب معي كتاباً
وسوف ترى.تأملني هذه المرة ملياً ثم قال: لا نريد كتباً. قلت له: أخي خذوا الكتب فأنا لن أرجعها الى لبنان حتى لا أكون موضوع قضيةأخرى .بعدها وكأنه استشعر شيئاً مفقوداً، وقال لي بهدوء وهو يلتفت يمنة ويسرة: ضع الكتب التي تخص المغرب جانباً. لم أدر بأي سرعة أنجزت المطلوب.حيث كان من بينها كتاب "نيتشه": العلم الجذل، وكذلك:شاعرية أحلام اليقظة ل"باشلار" و:طيش الياقوت ل"سليم بركات" وهو الذي أثاره كثيراً إذ تصفحه، ربما لأن العنوان لفت نظره...الخ تصوروا أن الألماني والفرنسي والسوري ( مغربتهم)أليس في هذا الإجراء ما يطقق؟قال لي بعدها( كأنه وجدني موضوعاً للدعابة والاستظراف): يبدو أننا ضد الثقافة .كانت العبارة موحية ومفخخة،وقد نطق بالحقيقة ولكن دون أن يعنيها كما لا يخفى على اللبيبقلت: إنكم تقومون بواجبكم، الله يعطيكم العافية .ثم قال: والآن تخلص من هذه الكتب الأخرى، ابعثها إلى أي مكان في لبنان . قلت ل أعرف أحداً.قال: اعطها لأي سائق، قلت: وهل يعقل دون أن يعرف أحدنا الآخر؟قال بعد ذلك بأعصاب باردة:ارمها في حاوية ما( يعني برميل زبالة تماماً)قلت: معقول؟ كيف أرمي الكتاب الذي حملته معي، وهو بأهميته المعروفة وفي برميل زبالة.ياأخي سلمها أنت لأي كان. قال: لايوجد ولا "قرنة"؟ قلت: هي عندكم. تنهد هذه المرة تابعته: أتعرف يا سيادة الملازم أول أن عيني لم تدمع على موت أبي، ولكن كلما ذكر تتملكني حالة الهسترة والبكاء لأنني صرفت عليه الكثير ويهمني قال: ضع كتبك المفروزة في كيس. كان الكيس صغيراً نسبياً ولكنه وسع الكتب .بدى لطيفاً هنا: ألا يوجد كيس آخر؟ قلت لا . كنت أريد المضي في طريقي قبل الإيقاع بي في (محظور) آخر.طلبت منه أن يساعدني هذه المرة في إيجاد سيارة تقلني. رفض العديد من السائقين اصطحابي معهم حين يعلمون أن معي كتباً بعد الاستفسار عما أحمل، وأنا قريب من الضابط كان موقعي وهيئتي وما معي جميعا في حالة شبهة.زمن طويل مضى حتى عثرت على سيارة أجرة ولكن من خارج الخط، ربما لأن السائق ذاك يقدر الكتاب نسبياً، وقد علم بما معي، أو ربما- وهذا هو الاحتمال الأكبر-لم يعلم بما يجري، وكيف تتنامى وشائج القربى بين الكتاب والزبالة.هكذا صار مستقبل الكتاب في سوريا في ( الحاوية)، ولم أدر أن الحاوية لكل مستهلك وفضلاتي. سأضع إصبعي في عين كل من يقول خلاف ذلك إلا إذا ثبت العكس، وهذا له موضوعن أعتقد أن القيمين(عندنا)، أعني على مشروع (الكتاب في زبالة) يدركون جيداًإلام أرمي.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]