25.02.2003 - 23:00
هواجس غير معلنة عشية الانتخابات
إبراهيم
اليوسف
alyosef@amude.com
- إيه لم أنت
أكثر من يصرخ؟
- لأنني
أكثرهم عوزاً
إلى الرغيف
والهواء
(أحدهم)
يمكن القول
عدم الفوز في
هكذا
انتخابات
كمرشح مستقل
قد يكون أهم
من الفوز فيها
ضمن
قائمة جبهوية
فائزة سلفاً
وقبل خوض
الانتخابات
(آخر)
بعد محض ساعات
قليلة، ستبدأ
انتخابات
مجلس الشعب (الدور
الثامن) وسط
ظروف عربية، ودولية،
من القلق
والتوتر،
والخوف، حيث
التهديدات
الأمريكية ضد
العراق (ولا
أقول: ضد
حاكمه) ضمن
السيناريو
الجديد، الذي
لما يزل يوجد
من لا يفهمه،
أولا يريد
فهمه، ولعلّ
لممارسات
الأنظمة
الدكتاتورية
الدور الأول
في دفع بعضهم -
ساسة ومثقفين
وعامة -
للعب دور
المقامر،
إزاء قراءة
وتقويم الدور الأمريكي
.. بعيداً عن
إستراتيجية المنطق.
عموماً، إنه
وتحت هيمنة
هذه الأجواء الكالحة،
تبدأ
انتخابات
مجلس الشعب، وهذا ما
يزيد
بالتأكيد من
تيئيس
المواطن العادي
بصدد هذه
التجربة،
التي اعتادت السلطة
وعلى امتداد
بضعة العقود
السابقة من
إيهام العوامّ،
والرأي
العام، بأنها "عرس
وطني"
للديمقراطية،
ومحطة للشروع
بمرحلةٍِ
مقبلةٍ في
حياة البلاد،
مرحلة سيتمّ فيها
تجاوز
"عثرات"
الماضي،
وإرساء عهد
مشرق جديد،
الأمر الذي
كان يدفع
مخيلة المستفيدين
لأن تسترسل في
نسج أحلامٍ وردية،
لم يتم
تحويلها -
وبأسف - على
امتداد ذلك
الشريط
الزمني
برمته، ولو
إلى محض جزء
من الواقع.
وعندما أسوق
مثل هذا
الكلام،
فإنني
بالتأكيد
أسجل خروجاً
على الذهنية
الببغاوية التي قد
ترى في تمديد
الكهرباء،
والهاتف، والماء،
والهواء ..
وسواه، مما
يندرج ضمن ما
قبل أولويات
أبجدية
الحياة
المدنية ..
إنجازات
هائلة
استظهرتها
أجيال
متلاحقة في بلادنا،
فهي تكاد تكون
متوفرة في
أكثر أنحاء العالم
بؤساً
وتخلفاً،
ناهيك عن وضع بلد خير
مثل بلدنا،
يعد في طليعة
الدول الغنية
عربياً، كما
يثبت ذلك واقع
أرقام الدخل
الوطني
الحقيقي،
تحول أبناؤه
إلى متسولين،
مستعطين أمام
أبواب
قنصليات وسفارات
الهجرة،
والعمل،
والعائدة
للأعراب،
والأجانب،
بكل أسف. ولعل
هذ النقاط مجتمعة
التقطتها
(اللجنة
الوطنية
لتوحيد الشيوعيين
السوريين) ممن
جعلوا عنوان ملصقهم
الانتخابي
بعنوان (كرامة
الوطن والمواطن).
بل، وإنني
أتنصل كذلك من
المقولة التي
- طالما - قيلت
لنا، أن
محاربة
الصهيونية، والاستعمار
هي وراء جوع
أمثالي، من
محبي ومواطني
وأبناء هذا
البلد .. وربما
أن ذلك يعود
لسبب وحيد قد
يوضحه
استفسار كهذا:
لماذا يعيش
أبناؤنا - نحن
العامة
المدقعين - في
الدرك
الأسفل، والحضيض
من المعيشة، بينما
يعيش أبناء
هؤلاء الذين
لم يحرروا شبراً
من أرضنا
المحتلة في
أقصى ما يمكن تصوره
من أنماط
البذخ،
والترف، بل
والبطر وبداعي
الوطنية
والنضال؟! ..
ولا أريد أن أمضي
إلى مديات
أخرى يقود
إليها مثل هذا
الاستفسار
نفسه. أؤكد،
أن سبق ما
أشرت إليه،
ليشكل بعض
حصيد ركامات
حالة
الاحباط،
واليأس
اللذين
يسيطران على
أي مواطن في بلادنا،
ويجعلانه
يتعامل مع نبأ
الإعلان عن مثل
هذه الدورة
الجديدة،
وكأن الأمر من قبيل -
سقط المتاع -
وبأقل ما كان
يبديه من قبل،
من أحاسيس
ومشاعر تجاه
الانتخابات البرلمانية
في غواتيمالا
أو هونولولو ..!!
وهي لعمري -
نتيجة - لإرث
هائل من التراكمات
الخاطئة التي
ارتكبت بحقّ
ابن هذا
البلد، غير
مسموع الصوت،
وغير مسموع الحلم،
بل وغير مسموع
الاستحقاقات
.. إلخ. إن لم أقل
إن صوته،
وأحلامه،
واستحقاقاته..
جميعها تعرضت
للدوس،
والمذلة، عبر
هذه المرحلة
الفظيعة من
الانتهاكات
المنهكة، التي
عاشها ..
وأجهدته،
فبات يشبه إلى
حد بعيد تلك
الشخصية
الكافكاوية،
التي لا حول لها ولا
قوة.
لقد اعتاد
مواطننا في
الدورات
السابقة لانتخابات
المجلس
العتيد، أن
يشهد حماساً بالغاً
منذ اللحظة
الأولى التي
يقبل فيها، ويتم
ترشيح
الأسماء لخوض
الانتخابات،
إذ كان
هذا الحماس
وعن طريق
العدوى، يشكل
حمىّ انتخابية،
إذ أنه تكاد
لا ترى أحداً
إلا ويكون
مشغولاً
بهاجس إنجاح
مرشحه، الذي
يمثله، والذي
يتوسم فيه
الخير، كلّ
بحسب موقعه
الطبقي،
ومصالحه.
إن أي استعراض
لقائمة
المرشحين
يؤكد أن الأسماء
التي باتت
تقدم وبإلحاح
في الدورات الأخيرة،
هي أسماء
أصحاب رؤوس
الأموال وكبار
الصناعيين،
ورموز
السماسرة،
ممن رسخوا قناعة
سلبية لدى
المواطن
المسحوق،
بأنه - إذا كان
له ثمة دور -
فإن دوره
محصور – في أحسن
الأحوال - أن
يكون مجرد صوت
طوعي، أو مباع،
أو تابع، أو
مسخر لخدمة
سواه ..!
ولقد قيل لي
منذ أيام في
دمشق إن بعض
هؤلاء قد خصص
لحملته
الانتخابية
ما يزيد على 25 مليون
ليرة سورية!
وبمقارنةهذا
الرقم مع ما سيحصل
عليه العضو من
رواتب شرعية وحقيقية
خلال أربع
سنوات غاية
(يقدمها بعضهم
لعامل
البوفيه في
المجلس) فإن
غاية هذا الأنموذج،
إذاً، ليست
خدمة
المواطن، بل
سرقته
والسيطرة على
القرارين:
الاقتصادي والسياسي
في آن واحد. هذا
الإحساس المر
لدى مواطننا -
بالطبع - جاء نتيجة
الانتهاء من
معركة حسمتها
تجربة السنوات
الطويلة
الماضية، بأن
جماهير هذا الوطن،
هي من تقهقرت
في المعركة
الحقيقية بين
مصلحتين
متناقضتين:
مصلحة حفنة لا
تهتم إلا
بجيوبها،
ومصلحتها،
ومصلحة
الجماهير الواسعة
من أبناء
الوطن
الحقيقيين،
الذين يستشهد
أبناؤهم على
جبهات القتال
مع العدو الصهيوني،
بعد أية معركة
وطنية، لا من
يخدم أبناؤهم
العلم في
أحضان
أمهاتهم،
وأحضان المراهقات
..!، ويمكن
القول: إن ما
زاد الطين
بلة، وخيّب آمال
المواطن خلال الأسابيع
الماضية،
إبقاء - قانون
الانتخابات -
على ما كان
عليه ..! ناهيك
عن أن المتتبع
لما يجري من
تحضيرات،
انتخابية، وما
أعلن من أنباء
بصددها،
سيصاب - وبحق - بحالة
احباط هائلة.
فالمواطن
الذي كان يتوسم
تطوير قانون
الانتخابات،
ان لم أقل: تغييره
.. وبالتالي
تمثيل كل
ألوان الطيف
السياسي،
والحالة
التعددية
الحقيقية،
وكل الشرائح
ذات الحضور
الفعلي في
البلاد؛ إن هذا
المتتبع
أُصيب بحالة
الإحباط. فعلى سبيل
المثال: إن
"حصص
المستقلين"
بقيت على ما هي
عليه، دون أن
يعاد النظر
فيها. وإذا
كان قد أدرج
أسماء مرشحين
ضمن قائمة ال!
جبهة
الوطنية، من
الحزب القومي
السوري الاجتماعي
على مستوى
البلاد، وهي
خطوة إيجابية،
تحدث لأول مرة
في تاريخ
الجبهة الوطنية
في سورية؛
فإنها ترافقت
- في الوقت نفسه
- مع تجاهل
مؤلم لأحزاب
"وطنية" ذات
حضور فعلي،
وهو خرق
لميثاق
الجبهة الوطنية،
لأن اضافة
أسماء أية
أحزاب وطنية ينبغي
أن يقرر من
قبل سائر
الأطراف المشكّلة
للجبهة
الوطنية (لا
أقولها هنا
بتسكين الهاء
وكسر الكاف).
ناهيك عن
تجاهل لتمثيل
الشيوعيين
السوريين (في
محافظة الحسكة)
وهو مؤشّر
خطير، وله دلالاته الطبقية،
والسياسية،
و.. التي لا
تخفى على أحد ..
وكذلك التشبث
ببعض الأحزاب
التي امّحت،
واضمحلت من
الحياة
السياسية
للبلاد،
ويكاد عدد
أعضائها لا
يزيد عن عدد قيادييها
قط ..!
وإذا كانت
أجواء
الكآبة،
والشعور
باللاجدوى،
هي المسيطرة
على
الانتخابات،
فإن الجهات
المعنية يبدو
انها لم تتمكن
من تزيين أو
إصلاح -
الصورة - في
ذهن المواطن المغبون،
إذ أن أدوات
ترميم وترقيع
الأحلام السندسية،
لم تعد صالحة
لممارسة
الدور الذي
كانت تقوم بها
من قبل، بل إن
هذا الإحساس
قد دبَّ في
نفوس هؤلاء
أنفسهم وإلا، فان
المواطن لم
يشهد (تشكيل
لجان منح
البطاقات
الانتخابية)
لمن غدوا فوق
سن الثامنة عشرة!،
هذه البطاقات
التي يمنع
الانتخاب إلا بموجبها،
وإذا علمنا أن
عدد الذين حصلوا
على بطاقاتهم
من أبناء هذا
الجيل - طوعاً -
ودون حملة
توعية
واستعدادات حكومية
لازمة قليل
جداً، فهذا
يعني أن جيلاً
كاملاً سيحرم
من حق
التصويت، وهو
يعني -
بالتالي -
حرمان جيل
الشباب ممن هم
بين 18 و21 عاماً
من تمثيلهم
الحقيقي، إن
كان هناك
من يمثلهم
أصلاً. وإن
هذه الجهة -
بتصوري - لا
تملك رؤية
واضحة تجاه الانتخابات،
ومن هنا فإننا
نتلمس تخبطاً
هائلاً في بعض
مواقفها،
فعلى سبيل
المثال: إن
بياناً
واحداً يقدم
في عدة دوائر
انتخابية على
مستوى
البلاد، تشطب
الجهات المعنية
بعض فقراته في
هذه الدائرة،
وتسمح بإبقائها
في دائرة أ! خرى،
وهكذا دواليك
..!!
أضف إلى ذلك
انه إذا كنا
جميعاً ننشد
وحدة وطنية
حقيقية، فان
هذه
الانتخابات
باتت - وفي
كل أربع سنوات
- تحرك الركام
القبلي،
والطائفي،
لدرجة أنه في
محافظة
الحسكة يتم تمثيل
القبائل
والعشائر
والأفخاذ ضمن
قائمة الجبهة
الوطنية
التقدمية!
و(مع اهمال واضح
لحالة
الأكراد
السوريين) وهو
ما يوقظ تلك
الركامات،
وينفخ فيها
الروح،
الأمرالذي يسيء
إلى وجود وحدة
وطنية فعلية ..!
وحقيقة، ان
هذه الحالة
المؤلمة التي
آلت اليها
انتخابات
مجلس الشعب
تدعو إلى الرثاء،
وهي تتطلب -
أول ما تتطلب -
من الجهات المعنية
التوغل
عميقاً في
دراسة الأسباب،
والعمل
الصحيح من أجل
تلافي كل ما يعيق
عملية
الديمقراطية،
واستدراك كل
ما فات،
لا التشدق
بالعبارات
الممجوجة
إزاء نوايا كل
من يتناول
بالتمحيص،
والتحليل، مستلزمات
المرحلة -
وتخوينهم - لا
سيما أن الكثيرين
من الغيارى
على وطنهم،
يكتبون في
هذا المنحى،
يحدوهم حب
الوطن، وكي
يكون بلدهم
حصناً منيعاً
في وجه كل
مؤامرات الإمبريالية
والصهيونية
وأعوانهم
أياً كانوا
وأينما كانوا
..
وكاقتراح مني
هنا، أرى أنه
كان من
الأولى، قبل
الشروع بهذه
الانتخابات،
القيام بدراسة
المرحلة،
واستحقاقها،
ودور الجماهير،
ودور مجلس
الشعب، وذلك
اعتماداً على "استبيان"
مسبق لأخذ
آراء
الجماهير: ما
الذي تفكر به
بعامة؟ ماذا
تريد من مجلس الشعب،
كجهة تشريعية
مخوّلة
باقصاء، أو
تحديد، أية
وزارة، لا
العكس، كما قد
يحصل؟ وإذا
كنت أزعم،
أنني أنطلق من
مثل هذه
الوقفة كي
أعيش - كمواطن -
كريماً في بلد كريم
قوي، فإنني
أرى انه لما
يزال الكثير
من الوقت،
لاستدراك
الأمور، وذلك
من خلال العودة
إلى الشارع،
الجماهير ..
والاحتكام
إليهما، وهذا
ما يرتب بكل
تأكيد إيجاد قانون
الأحزاب
"العصري"،
بالاضافة إلى
ايجاد "قانون
المطبوعات"
المتخلص من
سوءاته، والذي
يكفل كرامة
الكاتب
والمواطن
والوطن في آن
واحد،
والتحسين
الفعلي –
وأقول الفعلي
- للاوضاع
المعيشية،
ورفع الأحكام
العرفية
وحالة
الطوارئ،
والافراج عن معتقلي
الرأي واطلاق
الحالة
الديمقراطية،
وإيجاد قضاء
نزيه بعيداً
عن الوصاية الايديولوجية،
واعتبار
"نظافة اليد،
والسلوك،
والضمير"
شرطاً رئيساً
لأية قائمة
انتخابات
مقبلة، ليشكل
بذلك كل
المرشحين الشرفاء
قائمة
مفتوحة، غير
محددة بأسماء منزّلة،
مزكاة، لأن
تزكية
الجماهير هي
الأنقى،
والأفلح،
والأصح،
والأصلح،
والأكثر استراتيجية،
وكل الشرفاء
من أبناء
الوطن حريصون
على أرضه،
وسمائه،
ورايته،
وترابه، لا
أبناء محض حزب
معين، أو جبهة
معينة دون غيرهم.
ناهيك عن
ضرورة إعادة
النظر في واقع
الإثنيات
القومية
والدينية،
التي هي حقيقة
ضمن النسيج! الوطني،
لا يمكن القفز
فوقها
(المعاناة
الهائلة
للحالة
الكردية
مثلاً).
أجل، ان
معالجة هذه
الاشكالات
المتعددة، وغيرها،
بأسلوب
ديمقراطي
حقيقي معاصر، كفيلٌ،
بخلق السبل
اللازمة
للمضيّ
ببلدنا إلى
المسارات
الحقيقية
للتطور
والتقدم الطبيعيين،
ومواجهة كل
التحديات
الخارجية التي
طالما يتشدق
بعضهم
بتحقيقها من
خلال القفز
السحري،
وتجاهل
مستلزمات
البيت الوطني
من الداخل.
|