www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
01.09.2003 - 15:06

مؤتمر عائلي: أعمل كي أتكلم

إبراهيم اليوسف
alyosef@amude.com


إبراهيم اليوسف
سأعترف قبل كل شيء، إنني واضافة إلى احساسي المسبق بفشلي في ميادين حياتية كثيرة، يعدّها بعضهم رئيسة؛ إلا انني بدات في السنوات الاخيرة، أعزو كل ذلك إلى سوء فهمي في قضايا الاقتصاد الشخصي، الامر الذي لا اعيره أي اهتمام ..! ناهيك عن أميتي التامة في الإتيكيت، والتملق الدبلوماسي مع كل امرئ ذي سطوة أو بأس وجبروت، ولو كان ذلك أحد حَمِييّ، وطبيعي، في مثل هذا الحال، ان اعاني من سوء التخطيط، فلم يحدث لي يوماً ما وأنا اعد ما يلزم من مال لوجبة طعام الأولاد، ان افكر لا بوجبات اليوم التالي، فحسب، بل بالوجبات المقبلة في اليوم نفسه، إذ أحس وكان الامر لا يعنيني البتة، بيد أنني أتحول ازاء احساسي بعدم مقدرتي على تأمينها إلى رجل يفهم بالرياضيات، والتجارة، والاقتصاد، فاصبح مدير مال ناجح، أعد، وأعد، وأحسب، كي انسى كل ذلك وبدونكيشوتية فور خروجي من الازمة، لأعود اليها بعد ساعات فقط، وهلم دواليك.

فمنذ ان كنت طفلا صغيرا، وحتى هذه اللحظة حيث بدأت أتجاوز أرذل أربعين العمر، لا اعود إلى البيت قبل ان انفق كل ما في جيبي! هذا مع أن هذا الجيب يعاني من الفراغ والخواء المزمنين، وحين اكتب ذات مرة مقالاً، ناري اللهجة، فثمة اصدقاء من حولي، يعرفون سلفاً أنني كتبته تحت ثقل معاناة احساس خانق بالضائقة المالية، لا سيما وانني صرت أُعيل أسرة وأطفالاً زغب الحواصل لا ماء ولا شجر، حيث ثمة واجبات ومستلزمات والتزامات يومية قاهرة ينبغي توفيرها، بدءاً بأقلام الرصاص وثمن شريطة شعر طفلتي الصغيرة، ومروراً بثمن الرغيف، والماء والكهرباء، ولا أقول: ثمن شراء كتاب، أو صحيفة، أو مجلة، أو فاتورة الإنترنت والأدوية الدورية .. إلخ، وهو ما لا يتحمله الراتب الضئيل الذي يدفعني في حالات الحنق لأكتشف نظريات اقتصادية هائلة سرعان ما أنساها.

فمثلاً يخطر ببالي ان افكر بان اطلب من احد اولي الامر ان اضعه هو وأسرته في معسكر مغلق، واكلف شخصياً بالاشراف على ادارة امورهم المعيشية اعتمادا على الراتب المعلن لهم وحده، مدركاً تماماً أي مصير ينتظرهم إذ ذاك، ولا أخفي أن طريقة تفكيري هذه اصابت افراد اسرتي ببعض العدوى، فهم أيضاً، أحيانا، وتحت وطاة الضغط المعيشي اليومي يشطح بهم الخيال للتفكير بتدابير مستقبلية، الامر الذي دعاهم إلى إقامة مؤتمر عائلي ضيق، عقد منذ أيام قليلة، بنجاح منقطع النظير، وكانت أسطوانته الرئيسية: النقد والنقد الذاتي، والرأي والرأي الآخر، والصراحة، والمواجهة؛ لدرجة ان جدران الغرفة، وطوال ساعات متتالية، كانت تحمل شعارات تندد بسوء إدارتي الاقتصادية، وان شراء خط هاتف خليوي ولو بالاقساط، يعني ان ابيع بيتي الذي اشتراه لي أبي .. لا سيما وانني اسدد ستة اقساط شهرية من راتبي الذي لم يبق منه عند المعتمد غير بضع مئات من الليرات فقط، ولعل ما أستغربه الآن هو كيف تمكنت من تحمل الادانات الصريحة بحقي، وانا اسمع ما لم اعتد على سماعه إلى درجة الاسقاط ..؟! بل وما لم اسمح لهم بقوله في يوم ما.

أمهم، أطال الله عمرها، فلقد كانت طوال ساعات المؤتمر هذه جالسة إلى قربي - خلف المنصة الرئيسة، معتقدة انني لن اكتشف أيديولوجيتها - فهي كانت تقود المعارضة ضدي من جهة، وتدافع عني عندما يشتد خناق أسئلة الأسرة حول عنقي من جهة اخرى، ولعلي، حقاً أُحرجت جداً أمام ذاكرتها الحسابية القوية، عندما صفعتني بالحقيقة المرة، قائلة: أوتدرك أن ما دفعته لمؤسسة الهاتف وحدها من أموال عن فواتيرك الخيالية، منذ ما ينوف عن عقدين وحتى الآن .. يعادل 80 في المائة من رواتبك، وأجور استكتاباتك الصحفية وإعانات أهلك؟

ثم راحت تتحدث عن تفاصيل خصوصية محرجة بهذا الصدد، أعفي نفسي من التصريح بها، وان كانت بتصوري قد جافت الصواب عندما اعتقدت أنني خلال اثنتين وعشرين سنة من عمر الخط الهاتفي في بيتنا، لم أرفع المهتاف إلا لمحادثة أنثى .. وهو ما يهدد الأمن الأسري .. وخريطة البيت. أجل، إذا كنت أوافق أم العيال أن رأس كل "بلاويّ" الاقتصادية هو فواتير الهاتف، والماء، والكهرباء، فإنني أؤكد لها اني مصاب بداء الإدمان الهاتفي العضال، وهو من فصيلة أمراض الثرثرة، إلا أن ثمة أصدقاء كثيرين ألجأ للتحدث إليهم للتنفيس عن كربة الأيام، وهم جميعاً داخل مدينتي أو بلدي.

ولكن أية حياة كئيبة بائسة هذه التي لا يستطيع المرء خلالها أن يغطي براتبه الوظيفي ثمن حديثه إلى الناس؟ فالكلام حقاً صار ذا ثمن باهظ لم نعد نطيقه. ومن هنا فانني كلما أدرت قرص الهاتف في لحظة خاصة للتواصل مع الآخرين أُفاجأ بصوت حنون ناعم، رقيق، يرد علي: هاتفكم مفصول لأسباب .. مالية!

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]