www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
08.03.2003 - 19:20

الحالة العربية الراهنة:
غياب صحوة العقل أمام صرخات العاطفة


حواس محمود

يمر الفكر العربي وبخاصة ما يتجسد في الخطاب الإيديولوجي الراهن بأسوأ مرحلة من حيث التخبط والتشوش والالتباس وفقدان البوصلة الحقيقية للوصول إلى فهم موضوعي وحقيقي الواقع الراهن… أقول هذا الكلام بالاستناد إلى متابعاتي العديدة لما يطرحه المفكرون والباحثون العرب في أغلبيتهم ( في الصحافة والفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام المعاصر ) الذين أجدهم يلتقون إلى حد كبير في آرائهم وأفكارهم مع السياسيين أو بالتحديد مع رجالات السلطة. لقد قرأت باهتمام ( لكن بأسف وحزن ) مقالة المفكر المعروف أدوارد سعيد الموسومة بـ " العجز المرفوض في الواقع العربي (الحياة, 23/1/2003) وفوجئت بالعديد من الأفكار والنقاط التي يجمعها طابع البساطة من جهة والالتباس والتشوش من جهة أخرى . وأحاول هنا مناقشة المفكر الكبير ( في بعض نقاط مقالته بشكل موجز ) الذي أقدره وأحترمه لثقافته الأكاديمية العالية ومشاريعه الفكرية العديدة.

- مسألة " الاحترام لكوريا والاحتقار للعرب من قبل السياسة الأمريكية ": أعتقد أن ذلك يتعلق بظروف داخلية وموضوعية لكلا البلدين. فكوريا رغم الدكتاتورية التي أشار إليها الأستاذ سعيد إلا أن الدكتاتورية في بلد كالعراق فاقت حدود القمع والإرهاب والتنكيل إلى حد خلقها لمشكلة إقليمية ودولية بهجرة أكثر من أربعة ملايين عراقي إلى منافي ودول العالم. وبالنسبة للظروف الموضوعية فالعراق خلال عشر سنوات غزا دولتين جارتين وهذا ما لم يحدث حتى الآن بالنسبة لكوريا الشمالية.

- أما موضوع ترديد البعض " للصيغ الأمريكية المتهافتة التي تفيض بها شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد يتحدثون عن افتقارنا إلى الديمقراطية " فإنني هنا سأؤكد على مسألة جوهرية وهامة وهي أنه إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من الدول الغربية تنادي بالديمقراطية فليس معناه أن نتخلى عنها . إن مجرد فهم الموضوع بشكل آلي ميكانيكي يؤدي بالفكر إلى الانزلاق إلى الشعبوية والسذاجة والآلية الميكانيكية الفاقدة لروح الديناميكية والفاعلية والحيوية الإبداعية. أعتقد أن طرحاً من هذا القبيل خطير جداً وسيحاسب التاريخ والشعب هؤلاء المثقفين الذين يلتقون مع رجالات السلطة في هذه النقطة وستخسر الأمة أغلى ما لديها وهي كرامتها كأمة تحب الحرية والعدالة والتقدم.

- إذا " كانت أمريكا تخطط لمستقبلهم - الملايين في العالم العربي - باحتقار دون مشاورتهم هل نستحق هذا الاستهتار العنصري" إنني أيضاً أرفض هذا الاستهتار ولكن لماذا لا نبحث في الأسباب الحقيقية المؤدية إلى الوصول لهذا الاستهتار؟ ألا تتوزع المسؤولية على الأنظمة والمثقفين؟ ثم إنني أتساءل ماذا كنت تعمل يا دكتور سعيد طيلة الفترة الماضية قبل هذا الاستهتار؟ وهل حاولت التأسيس لمقاومة القمع والظلم وغياب الحريات في العالم العربي التي كان من الممكن حال تواجدها - الحريات - أن تخفف كثيراً من آلام هذه الأمة وأبنائها.

- " إن هذا ليس مرفوضاً فحسب بل يستحيل على التصديق ، كيف لمنطقة يسكنها 300 مليون عربي أن تنتظر بهذه السلبية انهيال الضربات والانتظار دون إطلاق صيحة جماعية للمقاومة والاحتجاج والطرح القوي البديل هل تلاشت الإرادة العربية تماماً",أتساءل: لماذا الاندهاش من حالة عربية هي تحصيل حاصل مما ذكرناه فيما تقدم من قمع وتجاهل للحريات وهجرة وتهجير ونفي وملاحقة الشرفاء والمناضلين من خيرة شباب الأمة؟ هل يفكر مفكرنا بعواطفه أم بعقله؟ لماذا تغيب صحوة العقل أمام صرخات العاطفة أثناء الأزمات والنوائب؟ كما يمكن ني هنا الإشارة إلى والإشادة بـما يقوله في هذا الصدد المفكر العربي د . محمد جابر الأنصاري " أمريكا قوة إمبريالية؟ إسرائيل قوة عدوانية؟ بطبيعة الحال … ولكن لماذا معظم جهدنا الذهني والخطابي متركز في أن نفسر الماء بعد الجهد بالماء ونراوح في نقطة الصفر؟ خطاب فكري وشعبوي كهذا إلى أين يقود الأمة؟ هل أمريكا وإسرائيل جمعيات خيرية؟ لا توجد قوى زاهدة ورعة وقوى طامعة وشريرة في العالم، كل القوى ذات مصالح ولا تفهم غير لغة القوة … فلماذا نحن أعني العرب والمسلمين المعاصرين رغم كل التضحيات لم نعرف بعد كيف نسلك الطريق إلى مثل هذه  " القوة " الرادعة والفاعلة المنصوص عليها في كتابنا القويم الذي علمنا أيضاً ألا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة " - العربي - عدد 518 - يناير 2002 - مقالة بعنوان: هل نحن في علاقة مشوهة مع النفس؟

- يقول المفكر سعيد: " نحن العرب مقموعون ويعانون من أبشع أنواع سوء الحكم لكنهم يتمكنون بالرغم من كل شيء من الاستمرار في حياتهم". إن هذا الاستمرار هو الاستمرار الجسدي المادي بينما الاستمرار الروحي مقتول بفعل القمع الذي ذكره مفكرنا الكبير، ثم ألا يدل طرح مثل هذا السؤال أن مفكرنا يعاني من تبسيطية فاقعة وفاضحة فهل الأمور بمثل هذه البساطة؟ ثم هل يريد من الناس أن تموت جسدياً أيضاً بعد الموت الروحي حتى يشعر حقيقة بأنهم مأزومون وحينها تشتعل الحاجة إلى نهوض أو استنهاض بدون بشر وبدون جماهير؟!

- وختاماً فإن البديل الحقيقي للحالة العربية الراهنة (هي موضع تساؤل المفكر سعيد في ختام مقالته) هي تركيز كافة الفعاليات الفكرية والبحثية والثقافية العربية على موضوعة الديمقراطية بشتى تفريعاتها باعتبارها حلاً ناجعاً لإخراج المجتمعات العربية من أزمتها الراهنة والقيام بعملية تأسيسية كبرى للتوغل في شرايين المجتمع بإحداث نقلة هامة لها أبعاد تكنولوجية واق تصادية واجتماعية وثقافية وتنموية كبرى تكون قادرة على الانطلاق من نقطة الصفر تماماً كما جرى الحال في دول أخرى نهضت فنجحت وأبدعت كاليابان والصين ودول أخرى.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]