www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
11.06.2003 - 10:37

مقابلة مع الأستاذ جديع نوفل عضو مكتب الأمناء في لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا

أجرى المقابلة عمار داود*

الأستاذ جديع نوفل نرحب بك ونشكرك على تلبيتك دعوتنا لأجراء هذه المقابلة

أهلا ً بكم

حبذا لو تحدثتم عن كيفية تأسيس لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا منذ بداياته.

تأسست لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا في 10/12/ 1989 م، وذلك استجابة لضرورة وجود منظمة تدافع عن حقوق الإنسان في سوريا . وقد رافق فترة التأسيس ظروف صعبة ومعقدة , على المستويين الموضوعي والذاتي , فعلى المستوى الموضوعي لم تعرف البلاد من قبل مثل هكذا منظمات  , وعلى المستوى الذاتي كانت تنقصنا الخبرة والتجربة في العمل في هكذا مجال . يضاف لذلك تداخل فكرة العمل في السياسة مع العمل في هذا المجال في فكر العاملين في هذا المجال , وكان من الصعب التصور الفصل بين العمل السياسي والعمل في مجال حقوق الإنسان . يضاف لذلك غياب التقاليد الديمقراطية في بلادنا , ووجود حالة الطوارئ والأحكام العرفية . كل ذلك بالإضافة لعوامل أخرى , أدى إلى اعتقال أعضاء وأصدقاء المنظمة الأساسية داخل البلاد , وذلك اعتباراً من منتصف الشهر الثاني   عشر من  1991 م ولغاية الشهر الأول 1992 م، وتم تقديمنا لمحكمة أمن الدولة ، وحكم علينا بالسجن من ثلاث إلى عشر سنوات .
وفي 15/9/ 2000 م قررنا ترميم المنظمة داخل البلاد وذلك بعد عدة لقاءات ومشاورات مع المهتمين بهذا الشأن . وانطلق العمل العلني في البلاد في 15/9/200 وأصدرنا البيان من دمشق  , ومن ثم توزيعه على وكالات الأنباء المختلفة بما فيها السورية .
والآن بعد مضي ما يقرب من الثلاث سنوات تقريبا ً على انطلاقتنا في العمل ثانية , ورغم الصعوبات التي نواجهها في عملنا إلا أننا نستطيع القول : إن الظروف الموضوعية والذاتية باتت أفضل من السابق بكثير , وإن تجربتنا في هذا المجال تغتني وتتطور يوم بعد يوم .
ولقد شارك العديد من الأعضاء في المؤتمرات ولقاءات دولية وإقليمية وأقمنا دورة تدريبية في القاهرة في العام الماضي , وذلك بمساعدة مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ونستعد الآن إقامة دورة ثانية.

ماذا يعني لك مفهوم حقوق الإنسان ؟

يعني لي مفهوم حقوق الإنسان ،الحقوق الطبيعية للإنسان الفرد .  وأقصد الحقوق التي منحتها الطبيعية للإنسان , وفي مقدمتها حق الحياة والحركة والتعبير والحرية ...الخ
هذه الحقوق التي تطورت مع تطور البشرية , والتي منحتها لأول مرة في إعلان عالمي ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في 10/12/1948 ) الصادر عن الأمم المتحدة . وتلى ذلك عدد من المواثيق والإعلانات العالمية ومن أهمها  العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبالبروتوكول الملحق بالحقوق المدنية والسياسية والتي صدرت في 1966 , يضاف لذلك ما صدر متعلقا ً بحرية المرأة والطفل وغير ذلك ...
إن هذه الحقوق من حق أي إنسان بغض النظر عن قوميته أو جنسه أو دينه أو الجغرافية التي تنتمي إليها , بغض النظر عن وضعه الاقتصادي أو الثقافي أو الاجتماعي أو مستوى تعليمه .. ولا يجوز لأي سلطة كانت و لا لأي عذر أو حجة أن يحرم الإنسان منها ...


ولكن بنفس الوقت يتبادر للذهن السؤال التالي : هل يجوز ممارسة هذه الحقوق كيفما أتفق ؟ , وبتعبير أخر هل يجوز أن يستخدم هذا الحق أو ذاك لنشر الكراهية والعداء بين بني البشر ؟

أنا بتقديري أن هذه الحقوق والمعلنة عنها بإعلانات عالمية ومواثيق دولية ... تتقيد أيضا ً بنفس هذه المواثيق والإعلانات , أي أن ممارسة هذه الحق أو ذاك يجب أن ينسجم مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ..فلا يجوز باسم حق حرية التعبير أن تنشر الكراهية بين الشعوب , وإن تنشر ثقافة الاستعلاء والتعصب أيا ً كان نوعه ...
إن مفهوم حقوق الإنسان رغم أنها تبدو بديهية للوهلة الأولى , لكنها في الواقع مفهوم إشكالي فكل مجموعة أو شخص أو دولة يحاول أن يوظف هذا المفهوم لما يخدم مصلحته , ومن هنا ظهرت إعلانات ومواثيق إقليمية وبعضها ذات طابع ديني .. مثلا ً الإعلان الأفريقي لحقوق الإنسان والإعلان العربي لحقوق الإنسان وإعلان طهران والإعلان الأوروبي لحقوق الإنسان ...الخ
أنا أرى إذا شكل الإعلان العالمي الجديد أيا ً كان مصدره , وتحت أية حجة كانت ( خصوصية قومية أو دينية أو ثقافية ..الخ ) إذا شكل موقفا ً متخلفا ً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 وعن الإعلانات العالمية الأخرى .. فهو خطوة نحو الخلف وتشويه لمفهوم حقوق الإنسان , ومحاولة للتهرب والالتفاف على المواثيق والإعلانات الدولية ,أما إذا شكل خطوة متقدمة على ما هو موجود حاليا ً , فهو خطوة على طريق تطوير وتحديث المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ...

الدستور السوري وليدة الأحكام العرفية وحالة الطوارئ المعلنة منذ 8/3/1963 والمراسيم الجزائية الخاصة. كيف تقيم الدستور السوري ؟ وما هو موقع حقوق الإنسان في الدستور السوري ؟

إن الدستور السوري الصادر في 13/3/1973 صدر في ظل الأحكام العرفية وحالة الطوارئ التي مازالت سائدة حتى الآن , وكان من المفترض أن تلغى هذه الأحكام بمجرد صدور الدستور , لأن الدستور هو الأصل , وبالتالي من الصعوبة لا بل من الإجحاف بحق الدستور الحكم عليه وعلى فعاليته , ما لم يتم تطبيقه في أحوال طبيعية,هذا من جهة ومن جهة ثانية , مضى على صدوره ما يقارب الثلاثين عاما ً وبالتالي من المنطق وتطور الحياة أن تكون بعض المواد أو أجزاء منها بحاجة للتعديل والتطوير , بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة ومتطلبات العصر.
وحول حقوق الإنسان في الدستور السوري فقد أقر الفصل الرابع - فصل الحريات والحقوق والواجبات العامة - حقوق المواطنين من حق التعبير وحق العمل وحق التنقل والمشاركة في بناء الوطن ...الخ . ولكن عادت المواد نفسها و قيدتها بعبارة " وفق القانون " .
المادة 26 : لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك .
المادة 27 : يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقا ً للقانون .
المادة 38 : لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية القول أو الكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد والبناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي والنظام الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقا ً للقانون .
ووفقا ً لهذه الحالة يواجه الدستور حالة الطوارئ وحالة الأحكام العرفية , وحالة وفقا ً للقانون خاصة أثناء ممارسة تنفيذ هذه القوانين من قبل الجهات المختصة , وهذه الحالة تساهم إلى حد ٍ كبير إلى إفراغ الدستور من مضمونه .
المشكلة ليست في الدستور إنما في طرق وأشكال التعاطي مع الدستور .

تعتبر السلطة القضائية من أهم السلطات إلا أننا في سوريا نجد تدخلا ً مباشرا ً في شؤونها نتيجة الصلاحيات الممنوحة للمحاكم الاستثنائية. كيف تنظر إلى القضاء السوري وما مدى نزاهته ؟

نتيجة لظروف موضوعية وذاتية , ذات بعد تاريخي تتعلق بطبيعية الدولة ونشأتها في بلدان مثل بلداننا , تداخلت مهام السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وهذه الظروف ساعدت وسمحت للسلطات التنفيذية أن تتدخل في مهام السلطتين التشريعية والقضائية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وبهذا الشكل أو ذاك .
هذا لا يعني أني أوافق على تدخل السلطة التنفيذية في مهام وعمل السلطتين التشريعية والتنفيذية لكني أتفهم الوضع الذي أنتج هذه الحالة .
ومن هنا ومن أجل الوصول إلى قضاء مستقل تماما ً وسلطة تشريعية مستقلة تماما ً , وسلطة تنفيذية تلتزم حدودها وتتقيد بالقانون , نحتاج لفصل حقيقي بين السلطات الثلاث .. وهذا ليس بالأمر السهل في بلدان مثل بلدنا ,ولن يأتي بين ليلة وضحاها , ويحتاج لعمل طويل ومستمر ومعقد , ولنجاح هذه الخطوة تتحمل السلطات الثلاث مسؤوليات متساوية في ممارسة حقها ومنع الأخريين من التفاؤل عليها .

الدستور السوري لم يشر إلى وجود قوميات أخرى أو إلى التنوع الثقافي في سوريا . كيف تنظر إلى مكونات المجتمع السوري ؟

يشكل المواطنون العرب والأكراد والأرمن والشركس والسريان والتركمان والآشوريين المجتمع السوري , بنسب متفاوتة وإنما الغالبية العظمى من العرب .
إن احترام حقوق الإنسان , وتوفر مناخ ديمقراطي سليم , يجعل من هذا التنوع مصدرا ً غنيا ً للتنوع الثقافي والتنوع العادات والتقاليد الاجتماعية ذات المحتوى والشكل الإنساني , ويساهم في خلق مجتمع مزدهر متماسك من أجل خلق سوريا أكثر إنسانية وأكثر جمالا ً .

ثمة مفاهيم جديدة لعالمية حقوق الإنسان منها التركيز على حق الشعوب بتقرير مصيرها دون تفرقة ودون النظر إلى هذا الموضوع بمعايير مزدوجة , بعكس ما نجده لدى لحان الدفاع عن حقوق الإنسان في موقفها من القضيتين الفلسطينية والكردية فنراها تؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بينما لا تعطي الحق نفسه للشعب الكردي .
فما هي أسباب هذه الازدواجية ؟


للمسألة الفلسطينية خصوصيتها وعمق تأثيرها في سير التطورات في المنطقة , وهي تختلف تماما ً عن المسألة الكردية . نحن ننظر للأكراد في سوريا على أنهم مواطنون في الدولة اسمها  سورية- بينما الفلسطينيون يعملون من أجل إنشاء دولتهم الخاصة بهم -  وهؤلاء المواطنون الأكراد يعانون ما يعانيه السوريون الأخر ون . يضاف لذلك عدم حصول قسما ً منهم على الجنسية السورية , لذلك نرى أن تطبيق حقوق الإنسان في سوريا , وتوفر مناخ ديمقراطي سليم يساهم في حل مشاكل المواطنون الأكراد شأنهم في ذلك السوريين جمعاء , ويساهم في حل مشكلة من لا يحمل الجنسية .. ومن هنا فأنا لا أرى ازدواجية في موقفنا من المسألة الفلسطينية وموقفنا من الأكراد في سوريا . وباختصار الأكراد مواطنون سوريون من المفترض أن يتمتعوا بكل صفات المواطنة شأنهم في ذلك شأن المواطنين السوريين الأخريين , بينما الفلسطينيون يواجهون مشكلة إقامة الدولة الخاصة بهم .

ما مدى إطلاعكم على انتهاك حقوق الإنسان في سوريا وما هي المصادر المعتمدة لديكم لرصد هذه الانتهاكات ؟

حول انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا ومدى إطلاعنا عليها , أن العمل في هذا المجال يحتاج لمحترفين ومختصين . ونحن نفتقد لذلك حتى اللحظة , وإطلاعنا عل انتهاكات يتم من خلال علاقاتنا العامة , ومن خلال ما يصل إلى أسماعنا من انتهاكات , وهذا الجانب ما زال ضعيفا ً

ماهية علاقاتكم مع منظمات حقوق الإنسان الأخرى في سوريا ؟ وهل هناك التنسيق بين هذه المنظمات ؟

يوجد في سوريا منظمة ثانية لحقوق الإنسان وهي الجمعية السورية لحقوق الإنسان وعلاقتنا ببعض أفرادها جيدة , ولا يوجد تنسيق معها كمنظمة .

هل لكم علاقات مع المنظمات الحقوقية الدولية وما مدى هذه العلاقات ؟

منظمتنا عضو في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان وفي الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان وفي المنظمة العالمية لمناهضة كافة أشكال التعذيب وفي محكمة الجنايات الدولية , وأؤكد بأن هذه المنظمات الإنسانية لا تتدخل في طبيعة عملنا , ولا في طبيعة توجهاتنا , إنما يقتصر دورها على إشراكنا في المؤتمرات واللقاءات الدولية , وأيضا هذا يعود لرغبتنا واستعدادنا نحن.

لديكم مشروع إقامة دورة تدريبية في مجال حقوق الإنسان في سوريا . هل سيسمح النظام السوري بإقامة مثل هذه الدورات ؟

حول الدورة التدريبية وإمكانية أقامتها في سوريا نحن نسعى لذلك ونأمل أن نحصل على موافقة لإقامة هذه الدورة ونحن نعتقد أن إقامة مثل هذه الدورة في دمشق يفتح صفحة جيدة ومضيئة في مجال العمل لأجل حقوق الإنسان في سوريا .

أخيرا ً ما هي العلاقة القائمة بين حقوق الإنسان والسياسة ؟ وهل يمكن الفصل بينهما في المجتمع السوري ؟

حول العلاقة بين العمل السياسي والعمل في حقوق الإنسان : هذه هي الإشكالية الحقيقية في ميدان العمل في حقوق الإنسان , خاصة في البلدان ذات الطبيعة المشابهة لطبيعة بلدنا . حيث تتشابك المهام الديمقراطية بالاجتماعية بالاقتصادية بالسياسية بالثقافية ...الخ هذا من جهة ومن جهة ثانية الغالبية العظمى من العاملين والنا شطين في مجال حقوق الإنسان لهم أصولهم السياسية وآخرون ما زالوا يعملون في السياسة . اعتقد أن أهم خطر يهدد مصداقيته عمل منظمات حقوق الإنسان هو انخراطها في العمل السياسي , أو تداخل عملها مع العمل السياسي أو إضفاء الصبغة السياسية على عملها , وهذا لا يعني أبدا ً أن ندير ظهرنا للمسألة السياسية ونتجاهلها . ولكن هناك فرقا ً كبيرا ً بين أن تشتغل بالسياسة وبين أن تنشغل السياسة .وأعتقد لكي تتجنب المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان خطر الانغماس في العمل السياسي عليها , إن تتمتع بمهنية عالية في عملها , وإن تكون محايدة تماما ً , وإن تنظر للانتهاك الذي يقع على حقوق إنسان , وتقيمه على ضوء المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان , وإن تكون مستقلة في رؤيتها وتوجهاتها , وإن لا تخضع لمزاج الشارع أو الضغط العام الصادر عن هذه الجهة أو تلك . ولوصول المنظمات في عملها إلى المهنية العالية والحيادية التامة والاستقلالية الواضحة تحتاج للاحتراف في عملها وهذا غير متوفر الآن .

نشكرك مرة أخرى أستاذ جديع نوفل على هذه المقابلة.

شكرا ً لكم

دمشق 2/6/2003

-------------------------------
بطاقة شخصية:

الأستاذ جديع نوفل من مواليد 1951 م
المهنة: مدرس رياضيات .
انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري عام 1972 , وعمل في صفوفها حتى 1988.
في عام 1991 انتسب إلى لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا .
اعتقل أثناء حملة الاعتقالات التي طالت كوادر اللجان الأساسية في البلاد من 19/1/1992 و لغاية 27/1/1997 .
يعمل الآن كعضو مكتب الأمناء في لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا .

-------------------------------
* ناشط في مجال حقوق الإنسان

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]