www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
08.10.2003 - 00.16

بشار الأسد في حديث شامل الى "الحياة": إنهاء الورطة الأميركية في العراق مرهون بزوال الاحتلال ودور متوازن للأمم المتحدة

دمشق - جورج سمعان، غسان شربل  

الحياة     2003/10/7

من الواضح أن الضغط الأميركي المتزايد على سورية هو بسبب موقفها مما يجري في العراق. للأميركيين مطالب محددة يصرحون دوماً بأن دمشق لم تلبِّ شيئاً منها، وربما لهم مطالب أخرى. ما هي هذه المطالب؟ وهل دمشق مستعدة للبحث في تبادل مصالح مع واشنطن في العراق حتى يصبح هناك تعاون مع الأميركيين؟
- من عادة الاميركيين أن مطالبهم ليست محددة، لا بالعدد ولا بالنوع. وربما كانت أحياناً متناقضة مع بعضها بعضاً. وقد سقت منذ فترة مثالاً هو موضوع أسلحة الدمار الشامل. هم يطالبون بأن نتخلى عن أسلحة الدمار الشامل. وعندما نطالب نحن بإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل فإنهم يعترضون. المطالب كثيرة، لكن ما يهمنا هو هل تتناسب هذه المطالب مع المصالح السورية أم لا. لقد طلبوا الكثير من الأمور التي لها علاقة بالتخلي عن الثوابت وعن المصالح.

أما عن مطالبهم فأعتقد أن أهم شيء بالنسبة إليهم هو موضوع المنظمات الفلسطينية. طلبوا أكثر من مرة وبأكثر من شكل وطريقة طرد زعماء المنظمات. هم ليسوا زعماء المنظمات، وإنما مسؤولون في هذه المنظمات الفلسطينية لأن الزعماء موجودون في الأراضي المحتلة. نحن رفضنا الطرد طبعاً ولأكثر من سبب، في مقدمها اسباب مبدئية لأن هؤلاء الأشخاص لم يخالفوا القوانين السورية ولم يمسوا المصالح السورية وليسوا إرهابيين قبل كل شيء.

هذا أهم مطلب للأميركيين. أما المطالب الأخرى فكثيرة ومن الصعب حصرها في جلسة واحدة.

 تكررت الاتهامات على لسان اكثر من مسؤول اميركي، خصوصاً وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وقيل اخيراً في شأن المقاومة التي تدور في العراق ضد الاحتلال الأميركي، ان بعض عناصرها يتسرب من سورية، وربما من بلدان أخرى محيطة بالعراق. ما مدى صحة هذا الكلام، خصوصاً ان عدداً من المقاتلين العرب سقط خلال الحرب دفاعا عن العراق؟
- في شكل طبيعي، إذا كانت الأحوال طبيعية والعلاقات بين الدول طبيعية ولا توجد مشاكل، فهناك دائماً تهريب، تهريب أشخاص أو تهريب بضائع، سواء كانت ممنوعة أو غير ممنوعة وبكل أنواعها. ولكن، عندما لا يكون الوضع الأمني مستقراً وهناك حال حرب واحتلال وفوضى كما هو الوضع الآن في العراق، فمن الطبيعي أن يزداد هذا الموضوع في شكل مضاعف مرات عدة. وهذا الشيء طبيعي. الرئيس (جورج) بوش تحدث منذ فترة مع قناة "فوكس" في هذا الاتجاه. سألوه عن سورية فقال لهم: هي تقوم بواجب وتقوم بعمل لكن الحدود كبيرة. هذا الطرح منطقي، لكن هناك فرقا في أن يكون هذا الشيء بعلم الدولة أو أن يكون حالة مثل أية حالة تتم من دون علم الدولة. الحدود كبيرة ولا يمكن ضبطها. لكن الأهم من ذلك، بغض النظر عن العراق، بالنسبة الى الدول المجاورة ان الوضع هو نفسه سواء بين هذه الدول وبين العراق أو بين الدول العربية المجاورة له. هناك حالة من الفوضى كبيرة جداً. وهناك تهريب سلاح وهروب لأشخاص لا نعرف من هم. طبعاً الأميركيون يقولون ان هؤلاء إرهابيون وأي واحد بالنسبة إليهم أصبح إرهابياً وربما أي عربي بالنسبة اليهم هو إرهابي. نحن في حوارنا مع دول الجوار نعاني من هذه المشكلة الآن وهي ليست مشكلة مع الأميركيين. نحن نناقش الدول المجاورة في الموضوع نفسه. والسؤال المطروح دائماً هو: كيف نمنع تنقل الأشخاص غير القانوني وتهريب السلاح الذي يمس بمصالح الدول من دون تعاون مشترك؟ طبعاً هناك صعوبة وما دام الوضع في العراق على هذا الشكل، ستبقى هناك صعوبة في ضبط هذه المواضيع.

 هل توافقون على الطرح الأميركي بأن العراق يتحول إلى ساحة معركة أساسية مع الإرهاب الدولي. أعني بالنسبة الى الجماعات الأصولية أو جماعات "القاعدة" التي يبدو أنها تتسرب إلى العراق؟ إلى أي حد تخشى سورية من وقوع العراق في الفوضى؟ ألا يشكل ذلك ضرراً وخطراً مباشراً على سورية ودول الجوار الأخرى؟
- هناك تناقض في الكلام الأميركي نفسه. لم يكونوا موجودين في أفغانستان وكان هناك إرهاب. ثم أتى الأميركي بحجة مكافحة الإرهاب. وحتى الآن لم يكافح شيئاً، ولم يحقق شيئاً لكنه وصل إلى العراق قبل الإرهاب بحسب الفرضية الأميركية، ومع الوجود الأميركي أصبح هناك إرهاب كما يقولون. فماذا عن الدول الأخرى التي لا توجد فيها أميركا في العالم؟. إذاً الإرهاب سيكون أكثر شيوعاً فيها بحسب المنطق الأميركي. الطرح المنطقي هو أن كل العالم الآن أصبح ساحة مواجهة للإرهاب وليس العراق أو أفغانستان. وطرح قضيتي العراق وأفغانستان هو للفت الانتباه الدولي إلى الأعمال الأميركية لكن في شكل عادل، أي بمعنى إعطاء مشروعية وعدالة للعمل الأميركي في منطقة ما. أما قضية أن يكون العراق ساحة للإرهاب، فساحة الإرهاب في حاجة أولاً إلى مجتمع مهيأ لهذا الشيء. والمجتمع العراقي غير مهيأ ولم يوصم في يوم من الأيام بالإرهاب. اذا، هذا كلام غير صحيح. وما يقال عن مرور بعض الإرهابيين فهذا موجود في كل دول العالم. هناك ارهابيون في أميركا، وهناك ارهابيون في أوروبا. فهل يعني ذلك أن أميركا وأوروبا ساحة الإرهاب الأساسية. لذلك أقول ان الشيء المنطقي هو أن كل العالم ساحة للإرهاب وليس العراق فقط.

 في هذا الإطار إذا ما طُلبت مساعدة سورية لمنع، أو الحد من، وجود العناصر الإرهابية في العراق فما مدى استعداد سورية للتعاون في هذا الأمر؟. وقد صرحتم بأنكم ساعدتم الأميركيين والأوروبيين في كبح جماح الإرهاب والكشف عن بعض الخلايا في أوروبا وغير أوروبا؟
- منذ بداية مكافحتنا الإرهاب في الثمانينات كنا نرى أنه من دون هوية. وأصبح هذا الشيء ثابتاً لدى الاخرين ولدى كل من يتحدث عن مكافحة الإرهاب. فمكافحة الإرهاب إن كنت قادراً عليها في أي مكان في العالم هي الشيء السليم، سواء في سورية أو العراق أو أي مكان من العالم. ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين الدول. أنت لا تستطيع أن تكون لديك سلطات في دولة أخرى ولكن بالتعاون مع هذه الدولة تستطيع أن تحقق هذا الشيء. الآن في العراق لا توجد دولة، ولا توجد سلطة عراقية، فمع من تتعاون؟ من هو المهيأ ومن هو المكلف مكافحة الإرهاب؟ لا توجد جهة، ومن الصعب أن تقوم بهذا الدور في ساحة لا توجد فيها سلطة.

استقبلتم وفوداً عراقية من مجلس الحكم الانتقالي ووفداً عشائرياً. وسورية وقفت دائماً في مجلس الأمن في الأمم المتحدة معارضة او منتقدة ما تطرحه الولايات المتحدة من مشاريع أو قرارات أو سياسات في ما يخص العراق. ما هو التصور الذي تطرحه سورية للحل في العراق؟ إذا كان مجلس الحكم الحالي يصر على بقاء الأميركيين فترة محددة لتأمين الاستقرار وتأمين إعادة البنية التحتية وقيام المؤسسات الشرعية في البلد، فهل تصر سورية على رحيل القوات الأميركية سريعاً أم أنها مستعدة لتفهم هذه المطالب التي يطرحها مجلس الحكم؟
- طبعاً نحن منذ بداية احتلال العراق كان طرحنا هو الانسحاب الفوري وهذا سيبقى الطرح السوري. وقبل أن أتحدث عن الطرح البديل أتحدث عن الطرح الموجود حالياً وهو بقاء القوات لفترة. ما هو السبب؟. البعض يقول لكي يمنعوا الفوضى والاضطرابات الموجودة في العراق. هناك خلط بين أن تكون هناك فوضى نتيجة عدم وجود سلطة ونتيجة عدم قيام المحتل بواجباته تجاه الدولة التي يحتلها وبين أن تكون هناك حرب أهلية. هناك خلط في الصورة التي يحاولون تصويرها للآخرين، وهي إذا خرجت القوات الأميركية الآن ستكون هناك حرب أهلية، لكن بذور الحرب الأهلية التي حاول الآخرون زرعها ولم تنجح تمت من خلال عمليات عدة واغتيالات وعمل سياسي وفشلوا. نحن استقبلنا قبل فترة عدداً من العراقيين في وفد العشائر، وهؤلاء يمثلون كل الشرائح، وسمعناهم يتكلمون لغة واحدة. لا توجد لغات متناقضة ولا مصالح متناقضة، والطرح واحد. إذاً، هذه البذرة ليست لها أرض تنبت فيها. ولا توجد أرضية لقيام حرب أهلية. واستمرار الفوضى ربما يهيئ لأي شيء لا نعرف ما هو، لكنني شخصياً متفائل بعدم حصول أي اضطراب بين أبناء الشعب العراقي. وإذا قلنا ستبقى قوات فما هو عمل هذه القوات؟ هل هو ضبط الأمن؟ هي لا تستطيع ضبط الأمن. الفوضى الأمنية والاجتماعية موجودة في المناطق التي تتواجد فيها قوات الاحتلال أكثر، فيما العراقيون في المناطق التي لا توجد فيها سلطة أميركية نظموا انفسهم وأوجدوا سلطات محلية بأشكال مختلفة ضبطت الموضوع أمنياً واقتصادياً، حتى أنها أخذت شكل أعراف تحل محل القوانين غير الموجودة الآن. إذاً، هذا الطرح غير صحيح. هناك شيء وحيد في أي دولة في العالم هو أن يتوحد الناس حول شيء يتفقون عليه. والكل عادة في الوطن الواحد يتفقون على بنية وطنية، والبنية الوطنية هي حكومة. المطلوب اذاً حكومة عراقية منتخبة من الشعب العراقي ودستور عراقي موضوع من الشعب العراقي. لا يوجد حل آخر.

الشكل شأن عراقي

 في حال نص الدستور على الفيديرالية فما هو موقف سورية وكم يقلقها موضوع الفيديرالية في العراق؟
- نحن لم نتحدث في هذا الموضوع. نحن نتحدث عن التقسيم. نحن نخشى دائماً من التقسيم. وما رأيناه هو العكس، لم نسمع من أي شخص عراقي من كل الشرائح العراقية بأنه يسعى إلى أي شيء تقسيمي. أما شكل العراق النهائي فهو طرح عراقي، وليس في وسعنا أن نحدده. هو شأن عراقي ونحن يهمنا توحد العراق ولا أعتقد أن أي عراقي لا يرغب في ذلك أو أنه يقول نحن لا نريد وحدة العراق. نحن لم نسمع هذا الطرح كي نكون قلقين منه. أما الطرح الفيديرالي وغيره فطروحات إعلامية لم نسمع بها. والكل، من دون استثناء، يتحدث عن الوحدة العراقية. وهذا هو الشيء الذي نريده وشكل الوحدة شأن عراقي.

خصوصية الجوار
 كي تساعد سورية في مسألة العراق هل لديها مطلب، مثل بقية الدول الأوروبية التي تطلب منها الولايات المتحدة المساعدة، ان يكون هناك دور أكبر للامم المتحدة. وسورية كبلد مجاور للعراق وبحكم العلاقات التاريخية والاجتماعية، هل لها مصالح محددة تريد أن تحافظ عليها، خصوصاً أنه خلال ثلاثة عقود كان هناك شبه صراع أو مواجهة بين النظامين في سورية والعراق؟ طبعاً الآن الوضع أسهل بكثير بالنسبة الى سورية، فهل هناك مطالب محددة أو مصالح محددة على مستوى اقتصادي أو سياسي أو غير ذلك تصر عليها سورية في مقابل أن تحاول مساعدة قوات التحالف أو قوات الاحتلال؟
- نحن ننطلق كما ذكرت من الماضي غير السليم للعلاقات السورية - العراقية التي كانت مليئة بالخلافات. الشيء الطبيعي اننا حين ننظر إلى المستقبل ننظر انطلاقاً من هذه الحالة السلبية، والتي كانت في كل الاتجاهات ضد المصلحة السورية لمجرد أنه كان هناك خلاف مع بلد عربي وجار.

الشيء الطبيعي الآن ان يكون أي شيء نفكر فيه في المستقبل هو النقيض. أي أن تكون العلاقة جيدة مليئة بالمودة والمصالح المشتركة وبكل الإيجابيات لمصلحة البلدين. إذاً، من الطبيعي أن ننطلق من المصلحة التي هي مصلحة مباشرة.

سواء كان هناك دور أوروبي أو دور أميركي أو دور دولي من خلال الأمم المتحدة أو دور عربي من خلال الجامعة العربية، العلاقة السورية ـ العراقية هي علاقة جوار، وتبقى هناك خصوصية الجوار في العلاقة لا تستطيع أن تأخذ مظلات أخرى. المظلات الأخرى نحن ندعمها عندما تأخذ دوراً سليماً في خدمة الشعب العراقي. لكن هذا لا يحل محل العلاقة المباشرة التي هي علاقة جوار. نحن طرحنا مع العراقيين الذين التقيناهم أن هذا هو المبدأ السوري. وأي دور ستلعبه سورية سينطلق من هذا المبدأ، وبالتالي أي دور ستلعبه سورية سينطلق مما يطرحه الشعب العراقي بأي صيغة. مبدئياً لا توجد صيغة معينة لأنه لا توجد دولة. لكن، من خلال لقاءاتنا مع العراقيين تتشكل في النهاية صورة بانورامية تستطيع من خلالها ان تقدّر ما هي تطلعات الشعب العراقي. وحتى هذه اللحظة لم أسمع أي مواطن عراقي يقول نحن في حاجة إلى قوات أجنبية. بالعكس، يقول نحن بشرطتنا وبجيشنا ، وقد تم حل الاثنين بعد سقوط بغداد، قادرون على ضبط الأمن وحتى على ضبط الحدود مع الجوار. طبعاً لا أعتقد أن هناك مشكلة الآن بين العراق ودول الجوار. وأي دور يمكن أن نلعبه ينطلق من هذا الشيء. وأعتقد، وقد سمعت جانباً من هذا من العراقيين، انهم يريدون علاقة جيدة. يريدون علاقة سياسية وتنسيقاً سياسياً، يريدون علاقة اقتصادية، وعلاقة اجتماعية. هذه العلاقة هي الدور. كيف نكرس هذا الدور من خلال هذه العلاقة؟ لا توجد لدينا الآن تفاصيل، لأن الشعب العراقي أيضاً يقوم الآن ببناء هذه التفاصيل ويبلور وضعاً معيناً لم يتبلور في شكل نهائي بعد.

دول الجوار... والتدخل

 بالنسبة إلى علاقات الجوار بين سورية والعراق، إلى أي حد هناك تنسيق بين سوريـة وإيران، وهي دولة مجاورة ولها علاقات تاريخية أيضاً. هل هناك خشية سورية من العلاقة المتنامية لإيران داخل المجتمع العراقي او تدخلها هناك؟ وماذا عن التدخل التركي أو العلاقة التركية، خصوصاً ان الأتراك لا يخفون استعدادهم لإرسال قوات إلى العراق؟ إلى أي حد تخشون هذا النوع من النفوذ الإيراني والتركي؟
- كلمة تدخل تعني في شكل دقيق أن تقوم بدور غير مرغوب فيه. أما إذا كان مرغوباً فيه فهو لا يشكل تدخلاً. وحتى نحدد ما إذا كان تدخلاً أم لا يجب أن نسأل العراقيين. أنا لم أسمع هذه الكلمة ولا أعتقد في ضوء ما سمعنا من المسؤولين الإيرانيين أنهم يرغبون في أي شيء غير الذي تحدثت عنه أنا بالنسبة إلى شكل العلاقة مع العراق ونتائجها. ولا ننسى أيضاً أن إيران عانت ثماني سنوات من الحرب، وبكل تأكيد ستأخذ هذه الحرب في الاعتبار. وهذا الموضوع يجب أن يكون مستقبلاً أول موضوع يتلافاه الإيرانيون. أي ألا تكون هناك حرب ولا مشاكل يومية. أنا حتى الآن لا أرى إلا الصورة الإيجابية. الطرح الإيراني مشابه للطرح السوري: انسحاب القوات الأميركية من العراق، الاستقلال العراقي، دستور وحكومة.

هل هناك تنسيق بين الموقفين؟
- التنسيق يتم طبعاً من خلال اللقاءات. ولكن، عندما نلتقي فإن وجهة النظر الإيرانية هي في الأساس بهذا الشكل. ولا أستطيع أن أقول أننا توصلنا إلى نتيجة جديدة. هذه النتائج توصلنا إليها في شكل منفرد والإيرانيون توصلوا إليها في شكل منفرد. وعندما يتم اللقاء نتناقش ونرى أن المواقف في الأساس متطابقة. فدول الجوار لها وجهات نظر متشابهة، وحتى الأتراك لهم وجهة نظر مشابهة.

 وحتى الأردن مثلاً؟
- في الموقف المعلن وما سمعناه، نعم .

 والسعودية؟
- السعودية منذ البداية موقفها واضح. إنها مع الانسحاب ومع الاستقرار. وهذا الشيء تم إعلانه في أول لقاء لدول الجوار، ولا يخرج عن هذا الإطار. لكن، طبعاً صيغة التعبير عن الموقف تختلف بين دولة وأخرى. لكنني أعتقد أن الكل، وفي كل حواراتنا معهم، يتخذون الموقف نفسه وحتى في حواراتنا مع الدول العربية الأخرى. وأعتقد أن الجميع توصل إلى نتيجة بأن الوضع في العراق ندفع ثمنه في شكل جماعي. طبعاً دول الجوار خصوصاً تدفع الثمن أكثر من غيرها لأن الوضع أصبح أصعب بكثير مما كنا نتوقع. وأعتقد أن هذا الموضوع يوجد حوله اتفاق ما، ولا نرى أن هناك رؤية ساذجة للموضوع العراقي. هناك شيء من النضج بالنسبة الى نظرة هذه الدول المختلفة.

سيادة الرئيس، بالنسبة الى الموضوع العراقي هل أضاف بنداً جديداً إلى سوء التفاهم القائم أصلاً مع الولايات المتحدة أم أنه عمّق سوء التفاهم؟
- هناك سوء تفاهم أميركي مع دول العالم ونحن إحدى دول العالم. بكل تأكيد إذا كنا نحن ضد الاحتلال وأميركا مع الاحتلال فهذا يشكل نقطة اضافية في سوء التفاهم. لكن ليس بسبب الاحتلال. فمنذ طرح موضوع العراق ونحن على خلاف منذ البداية. وعندما كانت هناك الحرب العراقية ـ الإيرانية، وكنا ضد الحرب، كان هناك خلاف حول الموضوع نفسه مع أنه كانت هناك دول أخرى داعمة للحرب. لا أستطيع أن أقول "أضاف" فهناك خلاف كان موجوداً في الأساس. وربما في فترة معينة ظهر توافق حول موضوع مشاركة سورية في التحالف (لتحرير الكويت) لكن هذه المشاركة كانت لها أهداف مختلفة على ما يبدو. نحن انطلقنا من اتفاقية الدفاع العربي المشترك ولا أعتقد بأن الولايات المتحدة تنطلق من المبدأ نفسه وإلا لكانت قامت بالحرب نفسها لتحرير الجولان أو لتحرير أي أرض عربية أخرى. إذاً المبادىء تختلف إلا انه في النتيجة كان هناك توافق في تلك المرحلة.

اقترب الأميركيون من المنطقة وأصبحوا في قلبها وعند حدود سورية فهل هذا الوجود الاحتلالي في العراق إضافة الى المواضيع الأخرى يوفر فرصة لمزيد من الاصطدام والاشتباك أم أنه يبرز أهمية الحوار؟ وأين أصبح الحوار السوري - الأميركي؟
- الحوار مستمر. ولا أعتقد أنه يجب ان يتوقف في أي ظرف من الظروف. نحن نختلف مع سياسات أميركية لأن أميركا لها سياسات مختلفة. على سبيل المثال، نحن في موضوع الإرهاب لا نختلف. هناك خلافات في موضوع الإرهاب لكن كمبدأ أو كمصلحة نتفق. نحن بكل تأكيد لا نسعى الى خلاف مع الولايات المتحدة ولا مع أي دولة. نسعى دائماً الى التوافق. والحوار هو أهم طريق للتوافق. ولا يعني هذا أن الحوار يحقق النتائج المطلوبة. لكن ربما يحقق شيئاً على المدى المتوسط والبعيد. وربما يحقق شيئاً على المـدى القصـير ولا نشعر به دائماً لكنه موجود، وربمـا تكون الظروف من دون حوار أسوأ بكثير، لكن هذا الحوار موجود ولا يتوقف. وفي هذا الاتجاه نحن نرى أن الأميركيين يريدون الحوار، لكن، أحياناً، حتى عندما تـكون هناك رغبة متبادلة في الحوار تبرز عقليتان مختلفتان ومبادىء مختلفة وثقافة مختلفة من الطرفين. هذا الشيء موجود حقيقة بيننا وبين الولايات المتحدة، ولذلك، حتى الحوار أحياناً يكون حواراً فيه شيء من الصدام. لكن هناك قناعة لدى الجانبين بأن الحوار هو الأساس وهذا الأمر نسمعه من الأميركيين باستمرار.

 هل يحتاج تسهيل الحوار الأميركي ـ السوري إلى وسطاء؟ وهل هناك أطراف أوروبية أو عربية تساعد في تسهيله؟
- العلاقة بين الدول هي مثل الشبكة. حتى بينك وبين الدول الشقيقة التي هي الدول العربية هناك حاجة احيانا إلى طرف عربي ثالث كي لا نقول وساطة. أحياناً تبدو كلمة وساطة بين جهتين لا علاقة بينهما، فيما هناك علاقة بيننا وبين دول عربية وبيننا وبين دول العالم في شكل عام. لكن هذا الدور المساعد كما أسميه طبيعي. على سبيل المثال أوروبا تفهم المنطقة أكثر من أميركا. وفي حوارنا معهم في موضوع السلام وموضوع العراق هم أقرب كثيراً إلى وجهة نظرنا، وأحياناً تتطابق الوجهتان في محاور معينة. وبكل تأكيد، لا بد من الاستفادة من هذا الاقتراب في الفهم وفي الموقف لكي يتم نقل الصورة إلى الأميركيين، وبكل تأكيد الأوروبي أقدر على نقل هذه الصورة ووجهة النظر والموقف من الدول العربية بسبب الفارق الثقافي. بعض الدول العربية لديها علاقات مع أميركا أقوى من دول عربية أخرى. لا يوجد بينها وبين الولايات المتحدة صدام وربما كلمتها مسموعة أكثر. ومن الطبيعي أن تلعب هذه الدول دوراً لتقريب وجهات النظر بين سورية والولايات المتحدة وبين أي دولة عربية وأي دولة أخرى سواء كانت عربية أم غير عربية.

"محاسبة سورية"

 هل تنظرون إلى مشروع "قانون محاسبة سورية" كتصعيد في الموقف الأميركي من سورية أم كجزء من عملية تحريك الأوراق لدفع سورية إلى تقديم مواقف أقل تشدداً في الملف العراقي، وأقل تشدداً في الشرق الأوسط؟ كيف تنظرون إليه؟ وهل هناك قلق من مشروع "قانون المحاسبة"؟
- "قانون المحاسبة" يجسد أمرين: صراع بين الإدارة عموماً التي لا ترغب في صدوره لأنه يحرجها، وبين القوى الأخرى، سواء الموجودة في الكونغرس أو اللوبي خارج الكونغرس المرتبط بإسرائيل والذي يدعم صدور القانون، وصراع داخل الإدارة نفسها بين قوى تريد هذا القانون وقوى لا تريده. هذه هي نظرتنا إلى القانون. أما مضمون القانون فهو مطبق في شكل عام. أي أن موضوع الحصار على سورية مثل منع التكنولوجيا ومحاولة الضغط في المجالات الاقتصادية إلى آخره، هي أمور موجودة. وما يختلف هو الشكل السياسي. وفي الوقت نفسه لا توجد علاقة تجارية واقتصادية بين سورية والولايات المتحدة سوى شركات النفط الأميركية التي تستثمر في سورية، وهي محدودة بالعدد وبالحجم. فالضرر لن يكون في اتجاه سورية بل في اتجاه هذه الشركات. وعدا عن ذلك لا أعتقد أنه سيكون هناك ضرر آخر.

 سيادتكم تشددون في المدة الأخيرة على العلاقة مع أوروبا. هل العلاقة مع أوروبا بمـا فـي ذلك اتفاق الشراكة هي وليد القناعة بأن الأوروبيين أقدر على فهم المنطقة، أم أن هذا القرار السياسـي هو خيار في انتظار تحسن العلاقة السورية - الأميركية؟
- دعنا نقول انه ضمن ظروف العالم ككل فإن الشراكة السورية ـ الأوروبية تأتي من خلال التكتلات التي تحدث في العالم، تكتلات الدول الكبرى، من منظمة التجارة العالمية إلى الاتحاد الأوروبي إلى أي تكتل آخر سيفرض نفسه على العالم. فهي كأي خيار آخر فيها سلبيات وفيها إيجابيات، وربما تكون سلبياتها أكثر من إيجابياتها في المدى القصير. وربما لا تأتي بإيجابيات إلا في المدى المتوسط أو المدى البعيد. والدخول في الشراكة الأوروبية قرار سياسي ليس بجديد والتأخير أسبابه تقنية وليست سياسية، لكنني أعتقد أنه خيار الدول الصغيرة الآن. الدخول في هذه الشراكات في معزل عن الموضوع الأوروبي. عندما تدخل في شراكة من هذا النوع وندخلها بالشكل الأفضل وبأقل سلبيات وبأكثر إيجابيات فمن الطبيعي أن تكون النتائج النهائية تؤثر في علاقتك بأي كتلة دولية أخرى سواء كانت ضمن منظمة التجارة العالمية أو ضمن علاقة مباشرة اقتصادية مع أميركا أو مع أي دولة اخرى. ولكن عندما اتخذ القرار لم تكن له صلة بالعلاقة الثنائية السورية - الأميركية. هو موضوع مستقل. فأوروبا قريبة منا ومصالحنا أصبحت متداخلة ومتبادلة. وأنا قلت للأوروبيين إن لم تكن الشراكات مبنية على أساس سليم سنتبادل المشاكل بدلاً من أن نتبادل البضائع. وأنا قبل 11 أيلول (سبتمبر) في لقائي مع رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي قلت له: إذا لم تقوموا بحل مشاكل هذه المنطقة السياسية والاقتصادية، ستنتقل المشاكل إليكم خلال فترة قصيرة في شكل مكثف.

اوروبا اضعفت نفسها

 ادرج الاتحاد الأوروبي الجناح السياسي لـ"حركة المقاومة الاسلامية" (حماس) على لائحة الإرهاب. هل تتخوفون من تطابق أوروبي ـ أميركي في عدد من هذه المواضيع التي تعد حيوية بالنسبة الى سورية وتهمكم؟ وهل يعرقل مثل هذا الموقف الدور الأوروبي في المنطقة؟
- إن جزأي السؤال مرتبطان ببعضهما بعضاً. إذا تمت عرقلة الدور الأوروبي فنحن نتخوف من ألا يكون هناك سلام في المدى المنظور. أي أن الموضوع مترابط. لا نتخوف من قضية التطابق الأوروبي ـ الأميركي. عندما يكون التطابق والتوافق في الاتجاه الصحيح فهو لمصلحتنا. عندما يكون هناك تناقض هناك ضرر، وعندما يكون هناك توافق في الاتجاه الخطأ فهناك ضرر ايضاً. بكل تأكيد الشيء الذي قامت به المجموعة الأوروبية أضعف إلى حد كبير جداً دورها في عملية السلام. أي عندما تريد القيام بدور في ساحة معينة فأنت في حاجة الى القوى المسيطرة، وأنا قلت للأوروبيين، قلت لأحد المسؤولين في شكل واضح: لا يهم أن تسميها إرهابية أو لا تسميها إرهابية. هناك قوى موجودة على الأرض لا بد من التعامل معها. هي القوى التي تستطيع أن تحقق السلام وأنت مضطر الى التعامل معها، أما أن تسميها أو لا تسميها، فهذا لا قيمة له. الفرق أنك تخسر دوراً ربما من خلال هذه التسمية. أعتقد أن أوروبا أضعفت نفسها كثيراً، خصوصاً في الساحة الفلسطينية وفقدت جزءاً كبيراً من صدقيتها، لأن الأوروبيين بالذات يعرفون أن إسرائيل تقوم بالأعمال الإرهابية وهم في لقاءاتهم معنا كانوا يقولون هذا الكلام أي أن (رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل) شارون لا يريد السلام وان الحكومة الإسرائيلية هي التي تسعى الى ضرب أية مبادرة سلمية. فكيف يكون هذا التناقض في الموقف؟ إنه بكل تأكيد سيضعف الدور الأوروبي.

 هل تعتقدون أن "خريطة الطريق" انتهت؟
- أعتقد أنها منتهية وقد ولدت ميتة.

 كيف تصفون العلاقة بينكم وبين السلطة الفلسطينية، خصوصاً أن اتصالاً تم بين وزير الخارجية السوري فاروق الشرع والرئيس ياسر عرفات. وهل ترون أن حكومة "أبو علاء" غير حكومة "أبو مازن". وهل يمكن أن تكون سياستها مختلفة وهل هناك اتصالات، مثلاً استقبال وفد من السلطة أو لقاءات؟
- هناك بعض الاتصالات وبعض الاستقبالات، وكلاهما محدود. بكل تأكيد موقف سورية هو الموقف الداعم للقضية ونحن لا نتدخل في الشأن الداخلي مثل كون حكومة أفضل من حكومة. نحن لا نقف مع سلطة ضد سلطة أخرى. نحن نقف مع القضية وموقفنا من القضية معروف ولم يتبدل منذ زمن طويل. نحن في بداية عملية السلام كنا مؤمنين بإمكان أن يكون هناك تنسيق وأن يكون المسار العربي - السوري اللبناني الفلسطيني - مساراً واحداً حتى اتى اتفاق اوسلو وفصل المسارين. ففي عملية السلام لم يعد هناك من رابط بين المسارين سوى قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يتعلق مصيرهم باتفاق سلام سوري - لبناني مع الإسرائيليين أو فلسطيني - إسرائيلي وهذا هو الرابط الوحيد الآن بين المسارين. عدا عن ذلك هناك فصل في كل شيء. هناك فصل في الأسلوب وهناك فصل في التوجهات وبالتالي فصل كامل في المسارين. ما بقي يوحّدنا هو قضية اللاجئين. طبعاً هناك شيء آخر لا علاقة له بالمسار، انطلاقاً من الوقوف مع القضية، هو أن سورية من الطبيعي أن تهتم بالشعب الفلسطيني الموجود داخل الأراضي الفلسطينية سواء أراضي عام 1948 أو عام 1967، لكن لا توجد لدينا سلطة لأن هناك سلطة فلسطينية هي المسؤولة. وانطلاقاً من هذه النقطة نقول اننا مستعدون دائما للعب أي دور لخدمة هؤلاء. ولذلك نعتقد بأن العلاقة مع السلطة بالنسبة الى عملية السلام شئ منفصل. لا يوجد تنسيق ولا يوجد رابط، المبادئ تختلف، والمرجعيات تختلف. بالنسبة الى سورية المرجعية الأساسية هي (مؤتمر) مدريد. على المسار الفلسطيني الذي حصل هو التالي: بعد كل مرجعية كانت تأتي مرجعية أخرى. أتت أوسلو كمرجعية جديدة ولم تعد لها علاقة بما قبلها وهو مدريد. وبالتالي كان في ذلك فصل كبير. ومن ثم كل مبادرة صغيرة تأتي وآخرها "خريطة الطريق" كانت تعتبر مرجعية جديدة تنسف كل ما قبلها وتنسف حتى أوسلو، فيما سورية بقيت على مرجعية مدريد حتى اليوم.

 ألهذا السبب لم تهتم سورية بالحديث عن "خريطة طريق" للمسارين اللبناني والسوري؟
- لا توجد علاقة. نحن قلنا لكل المسؤولين الذين التقيناهم في شكل مكثف بعد "خريطة الطريق" مع بداية إعلانها إعلامياً كعنوان أن لا علاقة لسورية ولبنان بها. ما هي "خريطة الطريق"؟

 انتم تريدون خطوة واحدة بالنسبة الى المسارين السوري واللبناني والانسحاب الكامل؟
- تماماً. هذا هو الفارق. طبعاً بالنسبة الى "خريطة الطريق" هناك مراحل وخطوات. وبالنسبة إلينا في سورية ولبنان هناك خطوة واحدة، هي ترسيم الحدود والانسحاب. لا توجد خطوات أخرى.

في مقابل الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، هل سورية على استعداد لتقديم سلام كامل؟
- طبعاً، هناك محاور مختلفة للاتفاق. محور له علاقة بالعلاقات، ومحور له علاقة بالترتيبات الأمنية وبكل التفاصيل الأخرى. شيء طبيعي. والسلام الكامل بالنتيجة يحدد الشعب شكله وليست الدولة. الدولة تقول علاقات عادية. ونحن نؤكد على كلمة عادية، أي علاقات عادية كما هي الحال بيننا وبين بريطانيا مثلاً: اتفقنا واختلفنا.

 معنى ذلك تبادل سفراء؟
- لذلك أوردت بريطانيا كمثال. تبادلنا السفراء وعندما حصل بيننا خلاف سحبنا السفراء. أما الإسرائيليون، على سبيل المثال، فلديهم اتفاقاتهم المحددة ومن ضمنها أنه لا يوجد سحب سفراء وهذه علاقة غير عادية. ومن غير المعقول ألا يكون للدولة الحق في أن تتحكم في برودة العلاقة وحرارتها. لذلك نحن نقول علاقة عادية تخضع للمصالح وللتطورات الطبيعية بين أي بلدين. هم يريدون فرض العلاقة الحارّة. والعلاقة الحارة يحددها الناس لا الدولة، وكذلك طبيعة العلاقات.

 

ألا تتوقعون إعادة إحياء عملية السلام، خصوصاً أن الأميركيين بدأوا يعيشون في جو الانتخابات الرئاسية؟ وهل هذا ممكن في ظل وجود شارون في حال بقائه؟ وهل تتوقعون أن تتقدم مسيرة السلام خطوات إلى الأمام؟
- في هذا الإطار الأهم من توقعاتي هو توقعات كل من التقينا بهم من دون استثناء. لا احد يؤمن بأن السلام ممكن في وجود هذه الحكومة الإسرائيلية وبالتالي نحن في شكل طبيعي نتوقع هذا الشيء. فهو بديهي وواضح بالنسبة إلينا. لكني أؤكد على توقعات الآخرين، عرباً وأجانب بكل اتجاهاتهم، الأقرب إلى إسرائيل والأبعد عن إسرائيل. كلهم يقولون النقطة نفسها. مع هذه الحكومة لن يكون هناك سلام. هناك إيمان مطلق في هذا الشأن وكان موجوداً منذ مجيء هذه الحكومة. وبمرور الأيام يتكرس هذا الاعتقاد. وأعتقد أنه اعتقاد دولي الآن وليس اعتقاداً سورياً.

 ألم تشعروا ولا للحظة من خلال الاتصالات مع الأميركيين بأن الولايات المتحدة مستعدة في زمن ما ووقت معين لممارسة نوع من الضغوط، خصوصاً أن الرئيس بوش أعلن التزامه الدولة الفلسطينية وأعلن "خريطة الطريق" والتزمت بها اللجنة الرباعية؟ وهل شعرتم في لحظة من اللحظات أن أوروبا نفسها قد تضغط؟
- كي أكون دقيقاً فإن كلمة ضغط تفسّر في شكل ذاتي. فالانسان يعطي انطباعاً بأنه مضغوط أو لا. وهذا الأمر متعلق بكيفية الاستجابة. فهل نفسرها ضغوطاً أم مطالب؟ هذا موضوع ذاتي.

دعني أقول أن الكل طلب من سورية فهل نعتبر هذه ضغوطاً على سورية؟ نحن نسير في التوجه الذي نسير فيه بحسب قناعاتنا. والدليل "خريطة الطريق". فمنذ البداية معظم من زارنا طلب منا دعم "خريطة الطريق"، من الأميركيين إلى الأوروبيين الذين زاروا سورية، واليابان وكل الدول التي مرت طلبت في شكل مباشر من سورية دعم "خريطة الطريق". فكان رأينا من البداية أن سورية لا تدعم شيئاً يفشل. قلنا لهم منذ اليوم الأول أننا لا ندعم شيئاً يفشل، لا ندعم شيئاً غير مقنع ولا ندعم شيئاً يعاكس مصالحنا أو لا علاقة لنا به، وبكل جوانب هذا الموضوع.

الشيء نفسه حصل أيام مبادرة ميتشيل وتينيت. طلب من سورية الشيء نفسه في عملية السلام على المسار السوري عندما كانت في مراحل مختلفة والمراحل التي تسير. وكانت هناك دائماً طلبات من سورية، ولكن في كل الأحوال نحن نقول لهم ان أي شيء يخالف مصالحنا لا نقوم به تحت أي ظرف من الظروف، سواء سميت مطالب أو سميت ضغوطاً أو سميت إلحاحاً. لا تهم التسمية. لن نقوم بأي شيء يعاكس المصلحة، وهكذا أيضاً كان انطلاقنا بالنسبة الى "خريطة الطريق".

 هل طُلب من دمشق أن تستقبل رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمود عباس (أبو مازن)؟
- طُلب استقبال "أبو مازن"، كما طُلب إعلان موقف سياسي رسمي بدعم "الخريطة"، وسورية ليست لديها مشكلة مع أشخاص. وفي اطار الموقف الذي طرحته قبل قليل فقد أبدت سورية استعدادها لاستقبال أي مسؤول فلسطيني. وأبوابنا مفتوحة لكل الفلسطينيين وكل التيارات، ولا يوجد مانع لدينا.

أما بالنسبة الى "الخريطة"، فقلنا أبداً لن نتدخل بها، لن نعارضها ولكن لن نؤيدها لأنها لا تعنينا، وإذا ذكرت سورية ولبنان ضمن "الخريطة" فهذا لا يعني أن سورية ولبنان معنيان، وإذا تم ذكر سورية ولبنان من دون أخذ رأي سورية أو لبنان فهذا الكلام غير منطقي. وأنا متأكد من ان "خريطة الطريق" صيغت من دون العودة إلى الفلسطينيين. انطلاقاً من هذا الأمر رفضنا دعم "خريطة الطريق".

المأزق موجود اصلاً

 هل نستطيع أن نقول انه يمكن ان يكون بين الخيارات: الانتظار النشط. أي ان تنتظر سورية المأزق الأميركي في العراق، وتنتظر مصير حكومة شارون، وهل يمكن أن تنتظر الانتخابات الأميركية أيضاً؟
- هناك أشياء مفروضة، أعني إذا كانت قضية العراق، وقضية "خريطة الطريق" وقضية السلام على المسار الفلسطيني أو على المسار السوري اللبناني وقضية السلام عموماً جزءاً من الانتخابات الاميركية. فعلينا الانتظار في كل الأحوال لأن الانتخابات لها متطلباتها وهذه المتطلبات ستفرض نفسها على الساحة.

بالنسبة الى الورطة في العراق، نحن من قبل الحرب كنا نقول للأميركيين، خصوصاً اعضاء الكونغرس والبعض منهم، كنا نقول لهم ان الانتصار امر بديهي لقوة عظمى مثل أميركا، لكن الفشل بعد هذا الانتصار هو المأزق الذي لا ترونه. الحديث عن المأزق الأميركي من قبل الحرب كان واضحاً، أي أن كثيراً من الناس كانوا يرونه وبينهم بعض الأوروبيين، لذلك أقول لا ننتظر المأزق الأميركي لأنه من أول يوم بعد سقوط بغداد هو مأزق ولكنه يتعمق، ولا داعي لأن ننتظر هذا المأزق. من الطبيعي أن ننتظر هذه الظروف الأميركية كيف تتبلور لكن أهم عامل فيها بكل تأكيد هو العامل الانتخابي. انه أهم شيء بالنسبة الى أي إدارة أميركية. أما بالنسبة الى العامل الإسرائيلي فكما قلت مع هذه الحكومة لا قناعة لأي جهة دولية بأنه ستكون هناك عملية سلام. والأمر المنطقي في هذه الحال وفي هذه الصورة الواضحة على الاتجاه الأميركي والإسرائيلي سواء بالنسبة الى الاتجاه الفلسطيني والسوري واللبناني والعراقي أن يكون الموضوع هو الانتظار مع التأكيد على كلمة الانتظار النشط لأن البعض يعتقد أن الانتظار هو حالة خمول. الأمر بالعكس، ونحن نطرح الموضوع مع الأوروبيين. مثلاً طرحوا موضوع السلام فقالوا اليوم لا يوجد سلام. ماذا نفعل؟ قلنا لهم لا، نحن سنظل نتحاور لأنه لاشك بأنه بعد 13 عاماً من بدء عملية السلام لابد من أن يكون هناك الكثير الكثير من الدروس التي يجب أن نتعلمها لأن العملية فشلت، فهذه الدروس هي التي يجب أن نناقشها. وأول درس يجب أن نناقشه على سبيل المثال هو: لماذا فشلت عملية السلام؟ وعندما تكون الظروف الدولية والإقليمية مهيأة للانطلاق في عملية السلام تكون أمامنا تصورات. فالجانب النشط في السياسة السورية سيكون إبقاء الحوار مع الآخرين، والحوار الصريح.

الاقامة بين حربين

 تبدو سورية حالياً كأنها تقيم بين حربين: حرب مفتوحة عملياً في العراق، وحرب مفتوحة في الأراضي الفلسطينية. هل هذه أصعب أزمة تواجهونها منذ انتخابكم رئيساً لسورية. وهل أثرت في الخيارات والقرارات؟
- لا أستطيع أن أقول انها أصعب أزمة لأنها نتيجة طبيعية للظروف الدولية خصوصاً بعد التسعينات وتفرد الولايات المتحدة. انها نتيجة طبيعية. لا شك في أن الصورة التي تتحدث عنها لها إيجابيات ولها سلبيات بحسب الدور الذي تلعبه سورية. سأوضح الصورة أكثر وهي أن قضية السلام في الغرب وقضية العراق في الشرق الأوسط وقضية الإرهاب تمر في المنطقة، وسورية من ضمنها. سورية أهم دولة في مكافحة الإرهاب بحسب خبرتها وبحسب اعتراف الأميركيين. تبقى القضايا الأساسية التي تطرح الآن على مستوى العالم كله كقضايا جوهرية وليس فقط بالنسبة إلينا. سورية أساسية فيها. فأما أن نكون قادرين على لعب دور إيجابي وهذا يقلب الصورة من سلبية إلى إيجابية فلا نقول أزمة عند ذلك. أما خطأ الدور فيحولها إلى أزمة. لكن الأزمة ليست في أن نكون نحن في الوسط، الأزمة هي أزمة النظام الدولي في ألا يكون هناك إلا منطق القوة وألا تكون هناك رؤية للمستقبل. لقد ثبت أن القوة بعد حرب العراق لا تحل شيئاً ولا تحقق شيئاً. القوة تحقق احتلال أرض وتدمير بلد وقتل ناس، ولا تحقق أي شيء آخر. الجانب الإيجابي هو: هل نستطيع أن نتعلم درساً، على المستوى الدولي، بأن العودة إلى الأمم المتحدة هي الحل، العودة إلى الأمم المتحدة في شكلها العادل وليس في شكلها ذي المعايير المزدوجة من خلال سيطرة بعض القوى عليها. فإذاً، لا أنظر الى الموضوع على أنه أزمة ولا أنظر إليه على أنه مطَمئن، لكنه يفتح باباً سلبياً وباباً إيجابياً بحسب استخدام دول المنطقة لدورها ليس فقط سورية. أتحدث الآن عن سورية، لكن لا ننسى بأن دول الجوار لها دور أساسي. ولا ننسى ايضا بأن دول المنطقة غير المجاورة لها دور أساسي يؤثر في الدور السوري سلباً أو إيجاباً.

 الخوف في هذا الإطار أن يلجأ صقور الإدارة الأميركية الأكثر حماسة لإعادة انتخاب جورج بوش، الى الضغط المستمر لتحميل سورية وإيران مسؤولية التعثر الاميركي في العراق، إلى أي مدى يمكن أن يكون ذلك مصدر خوف لسورية وإيران؟
- أن نقول اننا مطمئنون، كلام غير سليم وغير واقعي. لكن أن نقول اننا خائفون أيضاً كلام غير واقعي. هناك دائماً نوع من الحذر، لنقل أن الحال تراوح بين الحذر والقلق. نحن لسنا دولة عظمى، لكن أيضاً دولة ليست ضعيفة، لسنا دولة من دون أوراق، لسنا دولة من دون اساس، لسنا دولة يمكن تجاوزها في القضايا المطروحة. الحقيقة انه لو فشلت الولايات المتحدة في أقصى آسيا وفي أقصى الأميركتين ستقول سورية وإيران. هذا موضوع أصبح بديهياً.

 وكذلك الأزمة مع كوريا الشمالية؟
- تماماً، لذلك أستطيع أن أقول ان هذه التهديدات التي تتكلم عنها والتي يمكن أن يسميها البعض ضغوطاً هي هروب من المأزق الأميركي. قضية العراق كانت هروباً من المأزق في أفغانستان. الهجوم على سورية هروب من المأزق في العراق. يفشلون في مكان فينقلون المعركة إلى مكان آخر. أحياناً ينقلونها عسكرياً وأحياناً ينقلونها دبلوماسياً وإعلامياً. هذه هي حقيقة التهديدات الأميركية لكل من سورية وإيران، لكن كلما ازدادت هذه التهديدات فانها تدل على ورطة أميركية أكبر وليس العكس.

نفذتم خطوات إعادة انتشار في لبنان. هل يمكن توقع خطوة جديدة من هذا النوع؟
- كمبدأ من الأساس، وقلت ذلك سابقاً، الشيء الطبيعي أن تكون هناك دائماً إعادة انتشار ترتبط بإمكان قيام الدولة اللبنانية بالحلول محل القوات السورية والجزء الأكبر من إعادة الانتشار تم على الأراضي اللبنانية في شكل عام. تحديد التوقيت والشكل والحجم هو جانب تقني وليس سياسياً. انه يتم بين جيشين في شكل مباشر، لا تتدخل القيادات السياسية في البلدين في هذا الموضوع. القرار السياسي متخذ سورياً ولبنانياً. يبقى الجانب الآخر الذي يرتبط بموضوع السلام مع إسرائيل. عدا ذلك الانتشار حقق تقريبا المراحل الأكثر أهمية. أما الجانب التقني فهو مفتوح للاتفاق بين الجيشين.

 في لائحة المطالب الأميركية، يثار في شكل موسمي ومتعلق بالأحداث موضوع الانسحاب السوري من لبنان. إذا تحدثنا عن ترتيب لائحة المطالب، أين يأتي هذا الموضوع؟ هل هو مهم للأميركيين أم هو فقط لتذكير سورية بالأوراق التي تملكها الادارة الاميركية؟
- لا نعرف، لأن البعض من الأميركيين يطرحه والبعض الآخر لا يطرحه. الشخص نفسه يطرحه أحياناً ولا يطرحه احيانا اخرى. لا نستطيع أن نحدد ما هي الأهمية بالنسبة الى الأميركيين وهل هو فعلاً مطلب أميركي، وأنا لا أعتقد ذلك. لا توجد حدود لبنانية مع أميركا، حتى يكون مطلباً أميركياً. فإذاً، هو مطلب اسرائيلي. هل هو للضغط أم ليس للضغط؟ في كل الأحوال النتيجة واحدة لأن هذا الموضوع هو سوري - لبناني، ولا نناقشه مع الآخرين. ومن يحدده هو نحن واللبنانيون، ولا علاقة لا للأميركيين ولا لإسرائيل ولا لأي جهة أخرى بهذا الموضوع في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل.

لبنان والاشخاص والمؤسسات

 الرئيس اميل لحود صديق حميم لسورية. والرئيس رفيق الحريري صديق لسورية. على رغم ذلك تحول سوء التفاهم بين الرئيسين، أسلوب حكم في لبنان، صحيح أن سورية لا تستطيع الزامهما تبادل الود والحب، لكن، لماذا لم يتيسر ترطيب هذه العلاقة لتسهيل الملفات اللبنانية، خصوصاً الوضع الاقتصادي السيء؟
- لو استمعنا لما يقوله بعض اللبنانيين الذين يأتون إلى سورية. الكثير والبعض منهم، كانوا يقولون: الترويكا في الماضي خربت البلد، ثم قالوا الكلمة نفسها عن علاقة الرئيس لحود بالرئيس (سليم) الحص. وعندما أتى الرئيس الحريري مع الرئيس لحود وحصلت بعض الخلافات قالوا الشيء نفسه. وعندما اتفقا قالوا الشيء نفسه. البلد لا يبنى على علاقة شخصية، يبنى على علاقة مؤسسات. هنا ننتقل الى السؤال الأساسي: هل تم بناء المؤسسات؟ أو هل هناك جهود حقيقية باتجاه بناء المؤسسات؟ وإذا كان هناك جهود حقيقية هل هناك عرقلة؟ هناك عرقلة كبيرة، هناك عدد كبير لا يرغب في بناء المؤسسات، بل يهدف الى تكريس المصالح التي ظهرت خلال الحرب وبعدها، وبناء المؤسسات ضار له، فالحل لهذا الموضوع ليس بأن تكون هناك علاقة ودية أو علاقة غير ودية بين الرئيسين. ليس بالضرورة الرئيس لحود والرئيس الحريري، أي رئيسين. الحل أن تكون هناك مؤسسات تحكم العلاقات بين الأشخاص. لا يمكن أن نضع شرطاً في بلد ما هو أن تكون هناك محبة وعلاقة صداقة بين رئيسين، ليس بالضرورة. لكن يجب أن تكون هناك علاقة مؤسساتية. هذه هي الثغرة في العلاقة بين أي شخصين سيأتيان الى هذين الموقعين.

 تبدو مزارع شبعا هادئة. هل لعبت سورية دوراً في هذا الهدوء؟ هل شجعت عليه؟ هل ساهمت في ترسيخه؟
-كلا. حتى في بعض اللقاءات مع الأميركيين عندما كانوا يتصلون أو يأتون إلى سورية بعد حصول قصف متبادل على الحدود الجنوبية للبنان، كنا نقول لهم هناك معادلة بسيطة، عندما تضغطون على إسرائيل وتتوقف عن الانتهاكات لن يكون هناك رد لبناني. هذه هي المعادلة. وفعلاً في حالات معينة ربما ضغطوا على إسرائيل أو ربما توقفت إسرائيل نتيجة الردود، لا أعرف، كان هناك هدوء. الواضح أن "حزب الله" ليس من يبدأ التصعيد وليس هو الطرف الذي يسعى الى التصعيد وهو يقول هذا الكلام في مواقف مختلفة. يقول نحن سنرد. ان من يبدأ التصعيد هو من يستطيع أن ينهيه، وهذا الموضوع يرتبط بإسرائيل. هي التي تبدأ وهي التي تتوقف. وبالتالي فإن الشيء الطبيعي هو أن يكون هناك رد لبناني. سورية لا تلعب دوراً، وأنا بلّغت هذه المعادلة الى كل الجهات التي تحدثت في هذا الموضوع في مراحل مختلفة ومواقف مختلفة.

 هناك جهات تعتبر أن علاقة سورية بـ"حزب الله" وتأييدها المقاومة كانا ورقة قوة لسورية في مرحلة معينة، لكنهما تحولا إلى مصدر إحراج لها في عالم ما بعد 11 أيلول؟
- أستطيع أن أقول لكم، نحن نؤيد المقاومة في لبنان. هل هذا محرج؟ لو كان محرجاً لما أيدناها. نحن كنا وما زلنا نؤيد المقاومة حتى يكون هناك انسحاب أيضاً من مزارع شبعا. تأييد المقاومة ليس تأييداً لأننا نحب هذه المقاومة أو نحب هذه المجموعة أو هذا الحزب بل لأنها ضمن المبادىء التي نتحدث عنها دائماً. طالما أنه توجد قضية لبنانية هي قضية احتلال جزء من الأراضي، واللبنانيون مع تحرير هذه الأراضي، فنحن نؤيد هذه المقاومة من دون أي إحراج.

هل لسورية علاقة بموضوع تبادل الأسرى الذي يجرى تداوله بين "حزب الله" وإسرائيل عبر طرف ثالث؟
- نحن مطلعون على الحوار، لأن هناك جانباً من السوريين أيضاً ضمن الأسرى، ونحن قلنا منذ البداية أننا نتمنى أن يكون السوريون جزءاً من ملف المفاوضات. وكان "حزب الله" منذ البداية متجاوباً. بعد اللبنانيين، وُضع السوريون مباشرة بالإضافة إلى العرب الآخرين. وهذا هو الجانب الأهم في هذه المفاوضات.

العالم منشغل بالانتخابات الأميركية واللبنانيون منشغلون بانتخابات الرئاسة. ما هي المواصفات التي ترتاح سورية الى وجودها في شخص الرئيس المقبل؟ وهل سيرى اللبنانيون رئيساً جديداً لدى حلول موعد الانتخابات؟ وما هي المواصفات التي تتمنى سورية توافرها فيه؟
- التوافق اللبناني على الرئيس أهم نقطة. أعتقد بأنه لا يمكن أن يكون هناك توافق من دون توافر الصفات الأخرى المطلوبة: الوطنية والإيمان بالعلاقة العربية. أعتقد أن هذه المواضيع أصبحت محسومة لبنانياً. لم تعد مثار خلاف كما كانت أيام الحرب اللبنانية أن هذه هي المواصفات التي نتمناها نحن ويتمناها اللبنانيون.

 هذه المواصفات يمكن أن لا تجلب رئيساً جديداً؟
- أعتقد ان هناك الكثيرين في لبنان لديهم مثل هذه المواصفات، لكن الأهم هو من يوافق عليه الشعب اللبناني اكثر.

هل تسمع سورية صوت المعارضة في لبنان؟ وهل كانت خيارات المعارضة اثناء حرب العراق واقعية ومنطقية وأكثر عقلانية؟
- هذا الموضوع في الماضي وتحديداً في حرب العراق وقبله. كنا نرى مجموعات في لبنان وليس بالضرورة المعارضة، مجموعات في شكل عام، تعيش حالة رهان. ولو عدت الى تاريخ لبنان من 200 سنة ترى أن حالة الرهان موجودة. لكن الشيء الذي يجعلنا نتفاءل هو أنه في مرحلة بعد سقوط بغداد لم يكن الرهان بالطريقة التقليدية والتي كانت تنقل اللبنانيين في شكل عام، ليس فقط هذه الشريحة المراهنة، التي كانت تنتقل من أزمة إلى أزمة ومن فشل إلى فشل وتنقل معها اللبنانيين من فشل إلى فشل. لاحظنا ان ثمة تغيراً في طريقة الرهان. طبعاً على إطار ضيق تبقى موجودة. لكن سورية تسير بخطوات ولا أريد أن أقول سريعة لكن جيدة في فتح أقنية مع كل الجهات في لبنان، وحتى مع المعارضين الذين لا يتفقون مع سورية، وهناك لقاءات تمت بين مسؤولين سوريين وبين الكثير من الذين لا يتفقون مع سورية. لكن طبعاً أفرّق بين نوعين من الذين لا يتفقون مع سورية: نوع لا يتفق معها لأسباب لها علاقة بالرؤية، بالموقف السياسي أو غيره أو ربما العلاقة السورية - اللبنانية. وهناك مجموعة وهي كبيرة لا تتفق مع سورية لأنها تريد من سورية كرسياً صغيراً. لكن نحن نقول دائماً أن أبواب سورية مفتوحة للجميع، لجميع اللبنانيين حتى لمن لا يتفق مع سورية.

 أين وصل الحوار مع البطريركية المارونية؟
- هناك رسائل، وهي رسائل إيجابية وتتطور. وهناك أشخاص ينقلون وجهات النظر المختلفة بيننا وبين بكركي. وأستطيع أن أقول بأنها تحقق تقدماً أيضاً.

سورية والتغيير الحكومي

 انتظر السوريون التغيير الحكومي، ومثل أي بلد في العالم يفترض الناس أن التغيير سيحمل أكثر وسيكون أوسع من السابق. في هذا المعنى كيف لبّى هذا التغيير رغبات السوريين؟ ظهر أنه لم يحدث التغيير الكبير الذي انتظره السوريون؟
- الآمال الكبيرة هي جانب إيجابي، معناه وجود طموحات كبيرة. هذا جانب إيجابي وليس جانباً سلبياً. لكن حجم التغيير أيضاً يرتبط بالواقع وبالمنهجية المتبعة للتغيير. معروف أن المنهجية في سورية والتي اتبعتها أنا شخصياً، منهجية التغيير التدريجي. أنا لا أقوم بقفزات في المجهول. أقوم دائماً بخطوات مدروسة. وعندما تقوم بتغيير، فليس بالضرورة أن يكون هدفك التغيير الحالي. أنت تنظر دائماً الى الأبعد، لكن المهم أن تسير في اتجاه الهدف النهائي.

غالباً لا تستطيع أن تحقق كل الطموحات، لأن الطموحات ليست واحدة. هناك دائماً طموحات، لنقل بأنها مشروعة وعالية المستوى. هذا شيء إيجابـي، لكـن، نعنـي بـأنها موحدة أيضاً. كل مجموعة من الناس لها رأي يختلف عن مجموعة أخرى كما أن كل شخص يختلف عن الآخر. لكن يجب أن يكون هناك من خلال التغيير تقاطع بين الآراء المختلفة. أن يحقق وأن يجسد هذا التغيير تقاطع هذه الآراء. الآن أن يكون هذا التغيير كبيراً أو صغيراً هذا شيء طبيعي، أحياناً يكون كبيراً، أحياناً يكون صغيراً بحسب المتطلبات وبحسب الرؤية الموجودة لدى الرئيس ولدى القيادة. المهم أن نسير باتجاه التغيير بخطوات ثابتة. البعض يعتقد بأنها بطيئة، ربما صحيح. والبعض يعتقد بأنها معقولة أيضاً، ربما يكون صحيحاً. لكن، المهم النتائج.

هل تعتبرون الحكومة السورية السابقة مسؤولة عن بعض البطء في تنفيذ التغيير أو الإصلاح على المستويين السياسي والاقتصادي؟ وهل لدى الحكومة الجديدة قدرات اكثر أو صلاحيات أوسع؟
- الشيء الطبيعي عندما تبدل، فأنت تبدل باتجاه الأفضل. لا أستطيع أن أقول بأن السابق كان أقل أو أفضل حتى نرى عمل الحكومة الحالية. لا نستطيع أن نحدد الآن. هدفنا دائماً في أي تبديل أن يكون أي شيء يأتي أفضل من السابق. قد يكون الماضي جيداً، لكن، نأمل ان يكون المقبل أجود، لكي لا أقول ان الماضي سيئ والحالي جيد. هذا كلام ذاتي وغير دقيق. لنفترض أن الماضي دائماً جيد، يجب أن يأتي الأجود، ومن يأتي لاحقاً يجب أن يكون أجود من الحالي وهذه المهمة يومية. دائماً تحضر نفسك للخطوة اللاحقة. هي ليست خطوة ارتجالية، تأتي في وقتها.

تبديل حكومة ليس خطوة تأتي يوم تبديل الحكومة. بل يجب تحضير الأرضية للتبديل الذي يأتي لاحقاً. ما نتمناه هو أن يكون التبديل الحالي أفضل مما سبقه وهذا شيء طبيعي وأن يأتي التبديل اللاحق أفضل من الحالي.

أنا أعطيك الآن منهجية تفكير، ليس بالضرورة أن أعطيك جواباً بنعم أو لا. انها منهجية تفكير بالنسبة إلينا قد أخطىء وقد أصيب، لكن، هذه هي المنهجية.

 الضغوط الأميركية ووجود حكومة إسرائيلية متشددة والصورة الاقليمية، هل ضاعفت التوجه نحو التدرج في التغيير؟
- بعض ما يطرح ومع كل أسف في الداخل، كان يربط أي تغيير سيأتي بالوضع الإقليمي، خصوصاً بالضغوط الاميركية كما تسمى. وليس كما نشعر بها وكما نعتقد. الحقيقة أنا لا آخذ ، في أي تبديل داخلي، إلا المصالح الوطنية. لا يعنيني أي تبدل إقليمي أبداً، ولن يعنيني. فأي تبديل ينطلق من اعتبارات غير وطنية هو تبديل فاشل حتى لو كانت النية صادقة. هو تبديل فاشل حتماً.

هذا الموضوع أيضاً من المواضيع المحسومة في سورية. لذلك لا يوجد أبدا أي تأثير خارجي ولن يكون هناك أي تأثير خارجي في أي عملية تبديل. أنا أحاور الجميع، لكن، داخلياً، في المواضيع الداخلية، ولا أناقش هذه المواضيع مع اية جهة خارج سورية.

الأداء والأسماء

 هل هناك شبكة مصالح تؤدي إلى العرقلة وتأخير مراحل التغيير؟
-هذا شيء طبيعي. في أية عملية تغيير في العالم هناك اصطدام. لكن المشكلة ليست المصالح. المشكلة هي العقلية. المصالح تكون عادة مرتبطة بمجموعات صغيرة لكن الذهنية تكون مرتبطة بمجموعات كبيرة وهي الأصعب. تبديل الذهنية هو العائق الأساسي. القوانين. لنفترض أننا شكلنا بنية، سواء أكانت حكومة أو مديرية أو أي شكل لمؤسسات، فالقوانين لا تحل المشكلة. ما يحل المشكلة هو الذهنية، وأنا في توجيهاتي لمجلس الوزراء قلت لهم بعد أن تحدثت عن الشكل الجديد للحكومة نحن بدّلنا الهيكليات. هناك شيء لا يمكن أن نضعه في القانون هو العلاقة بين المسؤولين. شكل العلاقة هذا يرتبط بالذهنية. العلاقة بين المسؤول والمرؤوس. العلاقة بين المسؤولين في المستويات المختلفة والمواطن. هذه المواضيع مهمة جداً لنجاح اية عملية تطوير. من دون هذه العلاقات لا تستطيع تحديد هذه العلاقات ولا يمكن أن تكتبها ولو كتبتها لا تستطيع أن تراقبها، هذه تعتمد على تربية الإنسان.

لا شك نحن لدينا جوانب مختلفة من التأخر، الجانب الأساسي هو الجانب الفردي في دول العالم الثالث، ونحن كدول عربية نعرف بأن تربيتنا هي تربية فردية وليست تربية جماعية بشكل عام، هذا أحد العوائق الكبيرة.

هناك الفهم لعلاقة المؤسسات. الفهم المؤسساتي، فهم معنى الدولة بالنسبة للجميع. هناك التأهيل. العالم يتطور بسرعة كبيرة. نحن في مراحل كثيرة حاولنا أن نعتمد على خبراتنا الذاتية. هذا أحد الأماكن التي قطعنا فيها خطوات بطيئة وبسيطة، لكن، عندما توازنها بخطوات يقطعها الآخرون من الدول المتطورة ترى بأنك تعود الى الخلف. أنت تتقدم لكنك بالمنطق الدولي تعود للخلف، فكان قرارنا الأخير أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، عندها ننطلق بسرعة.

نعم هناك معوقات كثيرة. الطريق ليست مفتوحة كما يعتقد البعض. القضية ليست قضية قرار. القرار موجود لكن، أنت لا تستطيع أن تنطلق إلا من الإمكانات. هناك كما قلت رؤى مختلفة بالنسبة الى الأسماء وبالنسبة الى الشكل، شيء طبيعي أن يكون هناك تناقض وعدم توحد بالنسبة الى الأسماء. هذا يعني بأن التقويم لا يأتي من الأسماء وإنما من الأداء. فإذاً علينا أن ننتظر الأداء قبل أن نحدد ما هو حجم التغيير وليس الأسماء، لأن الشخص نفسه في مرحلة ما يقوم بعمل يختلف عن مرحلة أخرى. يتطور إيجاباً، أو يتراجع سلباً. هذا شيء طبيعي. لذلك ننتظر الأداء قبل أن نقول إن حجم التغيير كبير أو صغير.

محاولة التطوير الاقتصادي، ألا ترتبط بوجوب التطوير على المستوى السياسي وبمعنى بتحرير الإدارة من ذهنية الحزب والجبهة الحاكمة؟
- لا توجد ذهنية اسمها ذهنية الحزب. ما هو الحزب؟ ذهنية الحزب هي "أمة عربية واحدة". أعتقد أن أغلب الشعب العربي يؤمن بالعروبة. ليس بالشكل المثالي بمعنى الدولة الواحدة، وإنما أقصد كأمة، كذهنية، ليست ذهنية حزب بل ذهنية عامة ترتبط بالتربية. ذهنية الحزب من أين تأتي، لا تأتي من الأيديولوجيا السياسية، تأتي من تربية اجتماعية.

النقد الذاتي

هنا ألا توجد حاجة لعملية نقد ذاتي للتجربة الحزبية؟
- هذا الذي قمنا به في المؤتمر القطري الاخير وفي لقاءات عدة، واتخذنا قرارات لها علاقة بهذا الموضوع. يجب أن يكون هناك فرق بين أن يكون هناك خطأ في العقيدة الحزبية وأن يكون هناك خطأ في الممارسة، فأي ممارسة تدخل إليها بعد وقت المصالح، كما تدخل إليها الذهنيات المتحجرة وتحولها إلى شيء آخر. لنأخذ على سبيل المثال التطرف الذي يسمونه تطرفاً إسلامياً، وهو مجرد تطرف لا علاقة له بالإسلام. انه يحوّل ممارسة الدين من ممارسة صحيحة إلى ممارسة لا علاقة لها بالدين، فأي شيء يمكن أن يشذ لا علاقة له بالعقيدة. هناك فرق بين عقيدة إسلامية هي صحيحة بكل تأكيد وبـين ممارسـة لا علاقة لها بالإسلام، وهي ممارسة خاطئة.

لا بد بالتأكيد من الإصلاح بهذا الاتجاه. عندما لا تستطيع أن تطور كل الأمور دفعة واحدة فلابد أن تضع أولويات، والأولويات تعتمد على شيئين: على أهمية محور من المحاور، أهمية بالنوع وأهمية بالزمن، وتعتمد بشكل آخر أيضاً على سهولة التقدم في هذا المحور. فإذا كانت لديك محاور عدة، فإذا رأيت أن محوراً قادراً أن تتقدم به بشكل أسرع، من الطبيعي أن أدفع بالأسرع، لأن الأسرع يؤثر على المحور الآخر.

هناك خلط بين كلمة أولوية وبين كلمة "تتالي". الأولوية لا تعني التتالي. لا يعني أن أطور أولاً الإدارة ومن ثـم أطـور الاقتصـاد ومـن ثم أطوّر السياسة. الموضوع مختلف. الأولوية تعني التركيز على مجال قبل مجال. تعني الإلحاحية أكثر، أعني مثلاً المواطن، مشكلته اليوم هي المشكلة المعيشية في الدرجة الأولى. من الطبيعي أن يكون تركيزك على المشكلة المعيشية في الدرجة الأولى. هي رقم واحد. لا يعني أن لا تطور في المجالات الأخرى. مثلاً أنا أعطيت الحكومة أولويات. هذه الأولويات ترتبط بوزارات معينة. هل يعني أن الوزارات التي ليست ضمن هذه الأولويات يجب ألا تتطوَّر. لا يعني أن لا تطور لكن الآن يجب أن نركز على هذا المجال لأنه يمس المواطن.

اذا، التطوير دائماً يكون في كل المجالات، لكن الأولوية قد تعني أن أعطي أفضليـة للزمـن، قد يعني أن أعطي أفضلية للتحـويـل إذا كانت في حاجة للتحويل. قد يعني أن أعطي أفضلية للتفكير. لكن لا يجوز أن تتوقف. أو أن تعطي أفضلية للكمية. أن تسير عشر خطوات في مجال وتسير خطوتين في مجال آخر. هذا هو تفسيري لكلمة أولوية. دائماً أسأل السؤال نفسه. أنت تطوّر في هذا المجال ثم هذا المجال. كلا في كل المجالات في الوقت نفسه.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]