www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
20.08.2003 - 23:36

مقدمة لتحطيم الأوثان

هفال نيو - دمشق

عَنْوَن الباحث إبراهيم محمود واحدة من مقالاته الممتازة بجملة مثيرة: "مساءلة البداهة". وعند الاطِّلاع على كثير من الدراسات والبحوث المتعلقة بالمسألة الكردية، نجد أن ما يغيب عنها هو هذه المساءلة للبداهة، مما ينتج خلطاً كبيراً بين الحقيقي والمتخيل (بحسب تعبير جورج لوكاش) في هذه الكتابات.
في الوقت الذي يتقدم كلُّ من أوتي شيئاً من العلم، ليدلي بدلوه بخصوص القضية الكردية ضمن الفضاء السيبري cyberspace ، الذي وفّرته ثورة الاتصالات، والانترنت خصوصاً، نلاحظ فقدان معظم هذه الكتابات للصرامة العلمية، والدقة المنهجية. وضعفاً في الأدوات الإجرائية النقدية في معالجة هذا الموضوع المصيري لملايين الأفراد من الكرد.
فإذا ما طرحنا سؤالاً حول ماهية القضية الكردية؟ فسنحصل على ردود غايةً في التباين والاختلاف، وإن كانت (قد) تشترك في خطوطها العريضة الغامضة المتعلقة بـ"الحقوق القومية المشروعة". وهنا بيت القصيد!
فكيف نفهم هذه الحقوق القومية المشروعة؟
لم توضع هذه الحقوق تحت مجهر المساءلة، ولم تخضع للتشريح والتفكيك والاستفهام، لماذا؟ لأنها، ببساطة، صارت من بدهيات الخطاب القومي الكردي. فهل هي مفهومة وواضحة حقاً؟ وهل نجد تمييزاً بين الحقوق الطبيعية والحقوق الوضعية في برامج الأحزاب الكردية، بل وحتى في بعض الدراسات الفكرية؟ ثم، ألسنا نتعامل مع مفهوم "القومية الكردية" الإيديولوجي، كبديل لواقع "الثقافة الكردية" كحالة طبيعية، بشكل سلس وبديهي؟
الآن، إذا كان الأمر على هذه الدرجة من الوضوح، فلماذا يختصر أحدهم هذه الحقوق في بُعده الثقافي "اللغوي"، ويذيبها آخر لتندرج ضمن إطار مسألة الديمقراطية، ويذهب بها ثالث إلى حدّ الحق في تقرير المصير؟
ندرك جميعاً، وربما لا، بأن مختلف أشكال التطرف والتعصب، التي بدأت تظهر في أوساط الشباب الكردي، تعود في جذورها إلى غياب الثقافة النقدية في الممارسة السياسية الكردية. وإذا كان للسلطات الحاكمة دور كبير في منع انتشار هذا الفضاء الديمقراطي، فإن هذا لا يبرّئ ساحة النخب الثقافية والفكرية الكردية، الحزبية والمستقلة، ولا ينفي عنها المسؤولية.
تبدو الحاجة ماسة، في الوقت الراهن، إلى تمزيق أستار القدسية المزيفة عن كثير من الأساطير العقائدية التي تشكل عماد الثقافة الشعبوية الناتجة عن أمية مغلّفة بالعلم والمعرفة، والتي تميّز هذيانات "المحافظين الكرد"، وهرطقات النخبة "الليبرالية" الفتية.
هؤلاء وألئك يسعون إلى توطيد سلطتهم وكسب "الجماهير" من خلال السير خلف، والاستجابة لـ، عواطف وانفعالات الشارع الكردي، غير مدركين - وبعضهم مدرك لما يفعل- بأنهم إنما يؤسسون لواقع الصراع عبر بوابتي الانهزام والتمرّد. في حين أن شعبنا يبحث عن الحرية والسلام من خلال قيم التكافل والتعايش مع الشعوب المجاورة.
يمكننا أن نتعلم ممارسة نقد حقيقي قادر على تجاوز حالة الأحكام الثنائية العقيمة: مع- ضد، جيد- سيئ، صحيح- خاطئ... إلخ. النقد الحقيقي إبداع، وهو نتاج صفاء الرؤيا ورقيّ الفكر. ويعمل على تفكيك القضايا للولوج إلى أعماقها، واكتناه جذورها، بهدف الفهم، لا لإطلاق الحكام. بهذا المعنى يخدم النقد سيرورة تطور الفكر، بل وعملية التفكير نفسها، ينعتق ممارسها من كافة أشكال التعصب والانغلاق. أما غيابه، فهو السبيل الأسرع للجمود والاستبداد، المادي المباشر، والفكري الرمزي.
فلتكن هذه مقدمة لإجراء مراجعة طويلة، وقد تكون مؤلمة في بعض الأحيان، لكثير من أفكارنا وعقائدنا وسلوكياتنا.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]