17.08.2003 - 00:43
جواب
حول مادة
النقاش:
بعيداً عن
الأوهام
هفال
نيو - دمشق
الإنسان كائن
متعدد
الهويات،
بعضها حقيقية دائمة،
كانتمائه
الأسروي والبشري،
مثلا، وأخرى
وضعية
متغيرة،
كانتمائه
العقائدي.
تتداخل هذه
الهوياتوتتصارع
وتتعايش في الإنسان،
وعبر علاقاته
مع المحيط
بحسب تطوره
الاجتماعي
والعقلي،
فانغلاقه
داخل هوية صغيرة،
وإجبار
المحيط
الخارجي على
الاندماج مع
منظومته
المغلقة هي
سبب رئيسي
للصراع. أما انفتاحه
على تعدد
هوياته،
وقدرته على
خلق انسجام
وجودي فيما
بينها هي
ركيزة
التعايش.
الجماعات
الاثنية
السورية
تشترك في جملة
من المعطيات،
حيث أن لكل
منها بعدا
ثقافيا
(قوميا) يمتد إلى
خارج حدود
سوريا،
وتتشارك في
المجال السياسي
(الوطني). كما
أن التنوع
الاقتصادي
(الزراعي،
الصناعي،
التجاري) يخلق
علاقات
جديدة، كالعلاقات
المدنية،
ويحافظ على
علاقات أخرى قديمة،
كالعلاقات
العشائرية
والإقطاعية في
الأرياف.
العامل
القومي هو
الأقوى
تأثيراً في
بناء العلاقات
البينية،
ولهذا سببه المباشر.
فبعد استيلاء
القوميين
العرب على السلطة،
عملت على نشر
الإيديولوجيا
القومية،
وتقوية
الانتماء
القومي
العربي في
البنيان
الفكري والنفسي
للإنسان
العربي،
واستجابت
الجماهير العربية
لهذا التنميط
بسبب
الاستقلال
الحديث
العهد،
وطبيعة
المجتمع
العربي
العشائري والقبلي،
الذي يتميز
بروح العصبية
المدعومة من
علاقات إنتاج
زراعية
إقطاعية.
وعملت هذه الروح
العازلة
للقوميات غير
العربية،
والمغرّبة
لها، على
تنمية الوعي
القومي لدى
غير العرب،
كاستجابة
مضادة، بهدف
حماية الذات
القومية. وما
كان لهذه
الهويات
المنغلقة إلا
أن تتصارع فيما
بينها، لأنها
لم تعمل على
إنتاج، أو
دعم، المحيط
الأوسع
القادر على
احتوائها
(سوريا). وبهذا
المعنى،
كانت، وما
زالت، علاقات
القوة هي
الفيصل في هذا
الإطار.
لم
تعمل سلطة
البعث على دعم
الروح
الوطنية، بل
وقفت بعناد
وقسوة ضد هذا التوجه،
بتهمة
الإقليمية،
وشعارها في
ذلك: "أمة
عربية واحدة".
وعمدت إلى تسخير
ما هو قطري
لصالح ما هو
قومي، وما
سياسة
التعريب إلا
دلالة واضحة
على هذا
التوجه، وبغض النظر
عن العامل
الاقتصادي،
والمتغيرات
الخارجية.
ساعدت سياسة
حزب البعث
هذه، وساهمت
في تغريب
الجماعات
العرقية غير
العربية عن
الوطن
السوري، وبهذا
المعنى لم
تتشكل، حتى
الآن، هوية
ثقافية سورية
يمكن الاتكاء
عليها كرابط
يجمع فيما بين
القوميات
السورية. بل
ذهب الأمر
أبعد من ذلك،
في ظل استئثار
الحزب بقيادة
الدولة
والمجتمع،
وإعطاء بعد
طائفي – حقيقي
أو وهمي-
للسلطة،
أثناء حكم
الرئيس
الراحل حافظ الأسد،
حيث نمت الروح
الطائفية
داخل الكيان العربي
نفسه (علوي،
سني، درزي،
الساحل، الداخل،
...إلخ). ولهذا،
وفي ظل انعدام
ركائز ما يمسى
بـ(الوحدة
الوطنية)،
فليس لهذه
الدعوى إلا
بعدها
الأخلاقي،
بغض النظر عن
براغماتية
الطرح من قبل
من ينادون
بها، وما
الوحدة الوطنية
المزعومة إلا
انعكاس لقوة
المركز، وكان
الاحتلال
الأمريكي
للعراق، وما
تبعه من تداعيات
داخل المجتمع
السوري،
الجزيري خصوصا،
مؤشراً
واضحاً على
هشاشة هذه
الوحدة.
كل
ما يمكن أن
يُقال عن
الوحدة
الوطنية هو
مجرد خداع،
للذات أولا،
ومن ثم
للآخرين، في
ظل انعدام
مرتكزات هذه
الوحدة.
وبعيداً عن
الدعوات
الأخلاقية،
الحسنة
النية، لا بد
من توفر بنى
تحتية،
اقتصادية
واجتماعية
وسياسية، قادرة
على إنجاز
ثورة ثقافية
تعمل على
إخراج
المجتمعـ(ات)
السورية من
قواقعها، إلى
فضاء مشترك
أوسع، يحتوي
الكل دون أن
يلغي
خصوصياتها.
تحتاج هذه
الثورة إلى
جهود الجميع،
والحكومة
(وليس السلطة)
خصوصاً.
ولذلك، فمن
واجب الكل
العمل على
تحرير طاقات
المجتمع
السوري،
أفراداً وجماعات،
لتتوفر
القدرة على
خلق وتنمية
وتطوير هوية
وطنية
حقيقية، يشعر
الجميع
بالانتماء إليها.
تأتي التنمية
الاقتصادية
في المقام
الأول، وتطوير
الريف
خصوصاً، لردم
الهوة بين
المدينة
والريف من
جهة، وبين
الأغنياء
والفقراء من
جهة أخرى،
وهذا ما لا
تبدو بوادره
حتى الآن.
في المقام
الثاني، يأتي
محو الأمية، و
نشر التعليم،
حيث تصل نسبة
الأمية في بعض
المناطق إلى
85%، وخصوصاً
بين النساء.
ومن الأهمية
بمكان تحرير
المناهج
التعليمية
والتربوية من
أبعادها
الأدلوجية.
ولا بدَّ من
أن تترافق هذه
الخطوات مع
إصلاح سياسي
من الأعلى
(تجنباً لما
هو أسوأ)، من
خلال إلغاء
حالة الطوارئ
والأحكام
العرفية،
وإزالة هيمنة
الأمن والعسكر
عن المجتمع.
والدخول، ولو
في خطوة أولى،
إلى فضاء
الشفافية
والديمقراطية،
من خلال تحرير
الإعلام
والتجمعات
(السياسية
وغيرها) من
سلطة الدولة.
أما
المصالحة
الوطنية، فهي
دعوى سياسية،
أولاً، ينادي
بها لفيف ممن
هم خارج الأطر
السلطوية
(التجمع
الوطني)،
والذين لم يقدموا،
الآن أو في
الماضي،
بدائل حقيقية
للثقافة
السائدة، بل
ينتمون إلى
الجذور
الفكرية
نفسها،
وحقوقية،
ثانياً،
يتبناها دعاة
المجتمع
المدني وحقوق
الإنسان،
تركز على حقوق
الأفراد،
وتتجاهل
عمداً أو
قصداً عن حقوق
الجماعات،
وهذا ينمّ عن
قصور نفسي،
قبل أن يكون
فكرياً.
هؤلاء وأولئك
يتعامون عن
إدراك مضمون
حديث السلطة
عن التطوير
والتحديث، ويتوهمون
بأن خطاب
القسم للسيد
الرئيس بشار الأسد
قد تمَّ
التراجع عنه،
بادِّعاء
أنهم إنما
ينشطون ضمن
بنود ذلك
الخطاب.
يمكن للمتتبع
للتطورات
الأخيرة في
السلطة السورية
أن يلاحظ أن
التطوير
والتحديث
المعنيين
ينحصر في
الإطار
الإداري
فحسب، ومن هنا
تأتي
التشكيلة
الحكومية
المرتقبة،
والتي يبدو
بأن
التكنوقراط
من الخبراء
ورجال الأعمال
الكبار هم
عمادها
الرئيسي،
ولذلك تمَّ
تحييد دور حزب
البعث عن
المرافق الإدارية
مع الاحتفاظ
له بالدور
المركزي في السلطة.
لهذه
الأسباب
كافة، فإن
الحديث عن
تعددية قومية
يقع خارج خطاب
السلطة
و"المعارضة
العربية" على
حدٍّ سواء،
للأسباب
المذكورة
سابقاً.
فالديمقراطية
المعنية في
خطاب المعارضة
إنما ترمي إلى
الجانب
النفعي من الديمقراطية،
وهي أسوأ
جوانب
لديمقراطية، بل
نقطة ضعفها،
كالانتخابات
مثلاً. فما هي
تلك
الديمقراطية
التي لم ترتقِ
إلى مستوى
إدراك نموذج
مختلف عن
الدولة
القائمة على
أساس عرقي أو
مذهبي؟ بل نجد
داخل هذه
المعارضة
نفسها من
يتمتع بتوجه
شوفيني صارخ
(ولا داعي
لذكر
الأسماء)، فما
الذي تعترض
عليه هذه
المعارضة؟
إنها تعترض
على ممارسات
السلطة، وليس
على سياستها،
مع وجود
استثناءات في
بعض الجوانب،
بطبيعة الحال.
الحقوق
الطبيعية
للأفراد
والجماعات هي
الركيزة
الجوهرية
للديمقراطية،
وكل تغييب
لهذه الحقوق
ينفي عن خطاب
كهذا مضمونه
الديمقراطي. والديمقراطية
ثقافة،
بالمعنى
الواسع للثقافة،
أي كلية
النشاط
البشري،
وليست
مشروعاً
سياسياً،
ولقد سبق أن
قلت بأننا نفتقر
إلى هذا
التيار في
ثقافتنا
المحلية.
كما
نفتقر إلى
مفهوم واضح
للمواطنة،
بتعدٍّ نحو
دولة المواطنين،
بدلاً من
رعايا الوطن.
المواطنة
تتجه إلى حقوق
الأفراد، قبل
الجماعات.
السائد في الخطاب
الثقافي
المحلي،
العربي
والكردي على
حدٍّ سواء، هو
أن تحقيق حقوق
الجماعة يؤدي
تلقائياً إلى
إنجاز حقوق
الأفراد،
وهذا خطأ يستدل
عليه من
واقعنا.
فتحرير
البلاد
العربية من الاستعمار
لم يحرر
الإنسان
العربي. كما أن
الاعتقاد
السائد في
المجتمع
الكردي، وكذلك
الفلسطيني،
هو أن تحرير
الأرض
يؤدي
إلى تحرير
الإنسان، فهل
هذا صحيح؟
في السياق
ذاته،
فالمواطنة
ودولة
القانون، هي
المدخل إلى
مجتمع مدني
حقيقي،
وليس
العكس. لم
تقدم
المعارضة هذا
المنظور، ولا
السلطة التي
تقول بأن المجتمع
المدني يتحقق
في الإطار
المؤسساتي. فالمواطنية
هي خطوة أولى،
وتأتي نتيجة
لإصلاحات
دستورية
وقضائية، بل
وسلطوية، لا
بدَّ أن تتبع
بخطوات
لاحقة، تنبع
من الاعتراف
بالواقع كما
هو، والتعامل
معه ضمن
معطياته. الواقع
القائم على
التنوع
والتمايز،
الثقافي
والاثني.
ولهذا نرى بأن
بعض من ينادون
بالمواطنية
في الوسط العربي،
ينادون
بمساواة تصل
إلى حدِّ صهر الأجزاء
في الجزء
الأكبر، في
تناقض مع
الواقع، دون
أن يشعروا
بتناقض، بل ويدافعون
باستماتة عن
موقفهم
العجيب، لا لأنهم
لا يدركون هذا
التناقض، بل
لأن تربيتهم
وبنيتهم
النفسية لا تسمح
لهم بحرية
أكبر، وهذا،
لعمري، يحتاج
إلى عمل كثير.
والتناقض
قائم في الفعل
الكردي الخاص
(إن صحَّ
التعبير)،
كانعكاس
لسلوك مشابه،
ومتعاكس في
الآن ذاته، مع
السلوك
السياسي
العربي. لأن الثقافة
السياسية
الكردية لم
تستطع، حتى
الآن على
الأقل، أن
تحقق
الانسجام المطلوب
بين الواقع
الدستوري
الوطني،
والامتداد
الثقافي
القومي. وهذه
"الفوضى"
الفكرية هي
السبب الرئيس
للبلبلة
والتفرقة في
الفعل السياسي
(الحزبي)
الكردي من
جهة، ولعدم
وضوح الرؤيا
لدى النخب
السياسية
العربية.
وبطبيعة الحال،
كان للوضع
الإقليمي
الشرق أوسطي،
أثناء وبعد
احتلال
العراق، دور مهم
في ذرِّ
الرماد في
العيون.
الحركة
السياسية
الكردية
بحاجة إلى
مشروع واضح،
استراتيجي لا
تكتيكي (كما
يقولون)، متفق
عليه من قبل
الجميع، يضمن
كامل الحقوق
المشروعة، لا
الحدِّ
الأدنى، لأن
الحقوق
الطبيعية لا
حدود لها، فهي
إما مستحقة أو
لا، إما حقوق
أو أوهام.
وسأترك آلية
إقرار وإنجاز
هذه الخطوة
البالغة
الأهمية
لأولي الأمر.
أما
بخصوص السؤال
الأخير،
فاسمحوا لي
بالقول، بأنه
يتضمن حكماً
خاطئاً
لطبيعة
السلطة في سوريا.
وغالباً ما
يتردد بأن حزب
البعث هو الحاكم،
أو أن السلطة
في يد الطائفة
العلوية، أو أن
القوانين
يمليها
التجار
والصناعيون
الكبار. هذه
الأحكام
تختزل الكثير
من التفاصيل، وتحتوي
على أغلاط
تحليلية،
تمتد جذورها
إلى سبعينيات
القرن
العشرين. وجرت
العادة بأن يتم
وصف السلطة في
سوريا بأنها
شمولية أو
توتاليتارية،
في إسقاط واهن
للمصطلح على
الواقع.
للإجابة على
الشطر الأول
من السؤال
يحتاج الأمر
إلى تحليلات
ونقاشات
مطولة، ولكني
سأتنطع
للإجابة على
الشطر الثاني
منه، من خلال
تحليلي الخاص
لطبيعة
السلطة
السورية.
برهنت السلطة
السورية على
مرونة عالية
في التعامل مع
المستجدات في
السنوات الأخيرة،
منذ تسعينيات
القرن
العشرين. ولديها
من الخبرات ما
يكفي، فيما لو
استجاب أولو
الأمر والنهي
لهذه
الخبرات، وهذا
هو ما يبدو في
الأفق، لكي
تتجدد وتجتاز
أزمتها
الراهنة، مع
الاحتفاظ
بإمكانية الارتداد
الرجعي، إذا
ما تغيرت
الظروف. من
جهة أخرى، لا
نجد لدى
الأطراف خارج
السلطة بدائل
قادرة على
الحلول محل
السلطة، أو
المشاركة، على
الأقل، في صنع
القرار
الوطني.
ولهذا، فإن
التجديد
المرجو يمكن
أن يحدث من داخل
هذه السلطة،
بتفاعل مع
المتغيرات
الدولية
والإقليمية.
أما التدخل
الخارجي، فهو
قائم على قدم
وساق،
وتتفاعل معه
السلطة
السورية
بحيوية براغماتية
عالية، ولا
داعي للتفكير
بأن هذه السلطة
تعيش خارج
التاريخ، بل
على العكس،
فأنا (وهذه
رؤية شخصية
جداً) أرى بأن
كثيرين ممن
يطالبون
بالإصلاحات
يتأخرون عن
السلطة، في
خطابهم
السياسي.
والفصل
القائم بين ما
هو داخلي وما
هو خارجي، هو
فصل فكري
موهوم وغير
حقيقي، ولذلك
فإن السلطة في
سوريا يمكنها
الاستمرار والبقاء
من خلال
التجدد
البطيء
والمستمر،
حتى تستنفذ
إمكاناتها،
وعندها لا
بدَّ من بدائل،
والتي لا يمكن
إبداعها
وتطويرها إلا
ضمن فضاء
مختلف عما هو
سائد الآن، ولذلك
فإن إطلاق
الحريات
العامة سيبقى
العامل
الأساس من أجل
إنقاذ البلد
من كوارث
محتملة.
|