www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda

10.02.2003 - 21:29

هل تعرف ما تريد وممن؟


حنظلة السوري ـ حلب

في العدد ( 302 ) ، تشرين الأول ، 2002 ، من صحيفة " اتحاد الشعب " الصادرة عن حزب الاتحاد الشعبي الكردي ، تطالعنا في باب يدعى بـ " شطحات فكرية " ، مقالة موقعة باسم ميرخان زارا ، بعنوان : ( زمن الانكسار الكوردي وعملية التكسير المجتمعي )
يبدأ الكاتب مقالته هذه ، بهذه الجملة التقريرية : " لم تكن هنالك نهضة كوردية كمشروع حضاري أسـوة بجارتها العربية " ، ثم يتابع باحثاً في الأسباب فيراها قائمة في الأيديولوجيا التي حكمت العقلية الكوردية وفي النخب الكردية القومجية .
بالنسبة للأولى يقول الكاتب : ( كانت الأيديولوجيا التي تحفزهم على الانطلاق والعمل ساذجة ، بسيطة ، شعورية ، تقفز من مطلق إلى مطلق آخر ....) .
أما بالنسبة للنخب الكردية القومجية ، فإنها ( لم تكن ترى أبعد من أنفها ، كان حرياً بها أن تنطلق من التنوير إلى التثوير لا أن تقفز منذ الخطوة الأولى إلى التثوير وشن الموت ) . و ( أن تتمتع بوعي عياني تفصيلي للحقائق الواقعية الموجودة في تركيا ، وفي سـوريا ، وفي الأرجاء الأخرى حينها ، قبل أن تقدم على مغامرات غير محسوبة ) . إن هؤلاء ، القوميين الأكراد ، قد ( سطحوا الواقع وقطعوه عن أبعاده التاريخية والسياسية وتأثيراتها على البسيكولوجيا الاجتماعية . إن هكذا وضع لا شك سيجعل صاحبه ينظر إلى الواقع بمنظار الأبيض والأسود وسيحدث بالنتيجة شرخاً في بنية المجتمع مما يولد عملية تكسير مجتمع ) .
وفي العدد ( 304 ) ، كانون الأول ، 2002 ، من  نفـس  الصحيفة  ونفس  الباب ، نقرأ  للكاتب نفسه ما يعنونه :
 ( فرسان من ورق .... عن محاولات التطبيع الكردية ) . ويبدو لنا من هذه المقالة ، أن الكاتب ما هو إلا استمرار لتلك النخب الكردية وللإيديولوجيا التي كانت تحملها ، كما رسمها لنا الكاتب  فيما سبق ، إيديولوجيا النظر إلى الواقع ( بمنظار الأبيض والأسود فقط  ) . فما حاول الكاتب أن يقطع معه في المقال السابق ، نراه يتمسك به ويذود عنه , وذلك عندما يخاطب من يسميهم ( سماسرة الشعارات والمسلمات الكبرى ) ,  إذ يقول : ( ما يهم فعلاً ألا تتحول القضايا التي أنفق الناس أعمارهم وأوجاعهم وانتظروا سرابها أو خيالاتها إلى مجرد خرقة ) . أما كيف تتحول ، القضايا إلى خرقة ؟!! فمن خلال سعي بعض القيادات الكردية إلى عقد حفنة من اللقاءات مع مرتزقة لا يمثلون حتى ظلالهم ، وذلك سعياً وراء - اعتراف قاصر-  لا ولن يلفظه شبه مثقف عربي أو نصف فلاح عربي ) .
إذ يسود لدى الأكراد البسطاء  الساذجين ،  أنه  بمجرد  الالتقاء  مع  ( مرتزق  ثقافة  عربي  نكون  قد  وصلنا إلى الضفة الأخرى .... ) .
وأكثر ما يحز في نفس الفارس  الحديدي ، هو أن فرسان الورق هؤلاء من  ( التلفقويين التمجيدويين الأكراد أصحاب النزعات الانبطاحية .....) ، والذي يشكل مجرد وجودهم حالة خطيرة متفاقمة في الخطاب السياسي الكردي ، هو ( انهم ينشرون أخبار لقاءاتهم التاريخية في الأعلام الخارجي ويهللون ويطبلون ويزمرون . لماذا ؟ .. وفي خدمة من يقع كل ذلك ، غير جهات لا تؤمن بحق العصافير وحق الحمام في الهديل ) إن ما أخذه الكاتب على النخب الكردية الذين كانوا ( يقفزون من مطـلق إلى مطـلق آخر ) ، نراه يقع فيه بوضوح  ، وذلك بوضعه جميع المثقفين العرب في كفة واحدة ، وهي كفة المرتزقة ، وخصوصاً إذا علمنا ، أن هذه ( الحفنة )من اللقاءات، اشترك فيه من الجانب العربي العديد من  الناشـطين الوطنيين في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان ، و من المهتمين بالشأن العام ومن موقع المعارضة .  والأدهى من ذلك , أنه يتجلى التاريخ  العربي كله ، وكأنه مجرد تاريخ قمع الأكراد وكرههم ، وذلك عندما يوجه الكاتب كلامه إلى ( الانبطاحيين ) الأكراد قائلاً : ( لا بد من العقلانية في الممارسة السياسية الكردية وذلك عبر جعل التاريخ حاضراً في العقل يلهمه و يعلمه الدروس والعبر ...) .
وهكذا يخترع الخطاب الكردي ، الاطلاقي  و التعميمي منه تحديداً ، تاريخاً وثقافة ، من نوع معين ، للعرب ، وليضع وعلى النقيض منهما ، تاريخاً وثقافة للأكراد ، وفي هذا يتجلى المثقف العربي ، عبر التاريخ العربي ، وكأنه جلاد للأكراد ، يرسم بقلمه التاريخ والجغرافية على أساس عدائه لهم ، إنه والسلطة في هذا سواء . وإذا ما سألنا فرسان الجوهرانية الكردية المزعومة ، عن السجون والمنافي التي غصت بالمثقفين والسياسيين العرب ؟ فانهم »قد« يجيبون : بأن هؤلاء ما هم إلا شواذ واستثناء لا يغير من القاعدة في شيء ، وهم مثلهم مثل السماسرة الأكراد الذين شذوا بدورهم عن الجوهر الكردي ....!!
إنها ثقافة التعميم  إذن  ، حيث الثقافات والحضارات هي عبارة عن أنساق متجاورة , متوازية ، لا يمكن أن تلتقي ، وقد تتصارع أحياناً ، إلا أنها لا يمكن أن تتفاعل فهي أنساق خارجة عن الزمان والمكان ، إنها فوق التاريخ .
وهذا إذ يذكرنا بشيء ، فإنه يذكرنا بفرسان القومية العربية .
فالقومية , في طبعتها العربية ، إنما هي إيديولوجيا قائمة على فهم خلاصي للأمة ، ينفي عنها أنها أمة وجدت في التاريخ وبالتالي لا يمكن فهم  حقيقتها إلا في سياق التاريخ أو صيرورته ، ولا يرى في مستقبلها إلا استئنافاً لماضيها ، هذا المختزل بدوره إلى لحظة ذهبية مزعومة ، يجب استرجاعها ، إذ شكل الانحراف عنها مأساة سارترية ، تضطلع الأمة العربية فيها بدور البطولة ، من حيث هي أمة مغتربة في التاريخ ، يتحكم فيها العبث ، مستهدفة من قبل الآخر الذي هو الجحيم ،.... إلى آخر هذه المفاهيم السارترية الباعثة للغثيان . لقد رأت هذه الإيديولوجيا في العرب ظاهرة قديمة ، فلم تفرق بين العرب كأثنية , وبينهم كأمة  . أما الديمقراطية , فقد تم استبعادها بسبب شمولية وفحولية هذه الإيديولوجيا فالوحدة العربية لا تتحمل ، في سبيل تحقيقها ، غير إيديولوجيا واحدة موحدة , وإلا فلا يمكن أن تتحقق حرية الأمة التي بدونها لن يكون الأفراد أحرارأً . أما الأنظمة العربية الحاكمة التي حملت لواء الوحدة العربية ، والتي يمكن أن تستدل على لا مشروعيتها من حيث هي أنظمة مستبدة , هذه الأنظمة  استندت في سياق شرعنة نفسها ، إلى هذا الفهم الخلاصي ، من خلال تبنيها لقيم بائدة تحتل مكاناً مرموقاً في الوجدان الشعبي . كمفهوم التمثيل التاريخي ، حيث تدعي أنها تمثل هذا الشعب الموغل في العراقة , والذي فرقته الأهوال والمؤامرات التي حيكت في الظلام ، فترسم تاريخاً موهماً ، ومليئاً بالأمجاد ، لتأتي هي بدورها ، خلاصة مشرفة لهذه الأمجاد.
وبهذا نراها تحتكر مفهوم الوطنية ، حيث تقوم بأدلجة الوطن , والوطن المؤدلج ، لا يحتمل إلا إيديولوجيا واحدة ، وقائد واحد , وخلاص واحد . ولهذا لا يبدو غريباً ، أن نرى في الخطاب القومي العربي ، والسلطوي منه تحديداً ، تأكيداً مستمراً على مفاهيم من مثل : الرسالة الخالدة ، البعث ، الانبعاث ، الرحمانية ، المصير الواحد ، ......الخ .
ومن هنا جاء هذا الخطاب ، وبالتالي الأنظمة التسلطية ، غريبين عن الواقع ، من خلال طرح إشكاليات زائفة ، تحولت فيما بعد إلى شعارات مقدسة ، تقود من يأخذ بها إلى فردوس الحضارة .
بل إن هذه الأنظمة ، تخلت حتى عن شعاراتها التي طرحتها عندما استلمت زمام الأمور , تحولت إلى ما يشبه المافيات ، تجمع الثروة والسلطة ، يعضدها جيش من أبواق نباحها الأيديولوجي الزائف ، خالقة كابوسها المخابراتي ، محرمة النقد ، بل حتى الهمس ، واختزلت الإنسان إلى مجرد راضخٍ أو معادٍ قيد الطلب ، فاسد أو قيد الإفساد . أما سر استمرارها وقوتها فيكمن في تعميمها مشاعر اليأس والرعب ، وذلك بالإرهاب والتجويع ، إذ أخذت تعالج قضايا الموطنين بالنطع والسيف ، وهي باحتكارها مفهوم الوطن ، قامت بسلب السياسة من المجتمع ، وذلك باحتكارها الشارع ، الذي لا يمكن تصور سياسة أو ديمقراطية من دونه .
لقد كان لهذه الأنظمة اليد الطولى في الانقضاض على أي فكر نهضوي تنويري ، دافعةً بالمجتمع إلى أقصى حدود الاستنقاع والهلام والتصحر والتذرر . هذا المجتمع الذي ينغلق بدوره على خيارات بائدة ( دينية ، طائفية قبلية ، عشائرية ، جهوية ، عرقية ) , نسخت كفاعلية وفعالية ، من عُرف التاريخ . وهذه الخيارات ، ستكون لها ، فيما بعد ، المساهمة الفعالة في تكريس حالة التذرر هذه ، واعادة إنتاجها ، بالاستناد إلى تصورات مزعومة ، يتحدد بها الآخر ويتم اختراعه ، كنقيض مباشر عن مأزق الأنظمة التسلطية وزيف إيديولوجيتها من جهة ، وعلى مأزق الهوية السورية من جهة أخرى ؟ !
والآن ، هل يبقى هناك من مبرر القول ، أن الثقافة العربية ، وبالتالي منتجيها ، هم وراء ما نزل بالأكراد من آلام وكوارث أم أن التاريخ يقول لنا شيئاً آخر ، إذ يحيلنا إلى حقيقة من نوع آخر ، وهي أن ما نزل بالأكراد وبالعرب وغيرهما من نوازل ، إنما هو  بسبب العلاقة التاريخية بين الاستعمار الغربي ، وهو هنا العامل الموضوعي الذي تجلى تأثيره بدءاً من سايكس بيكو  , مروراً بنهب خيرات وثروات المنطقة , وصولاً إلى تكريس التخلف والتأخر اللذان شكلا القاعدة الموضوعية لقيام أنظمة الحكم الاستبدادية ما بعد الاستقلال ، والتي تشكل هنا العامل الذاتي ، وقد أمعنا في الكلام عن هذا العامل واقتصرنا عليه في ورقتنا هذه لأسباب من نوع معين .
لا أريد أن أدافع عن الثقافة العربية ، نتاجاً ومنتجين ، فهي في أزمة ولا سبيل إلى إنكار ذلك ، إلا أنني أرفض مبدأ المحاكمات المستند ، وحسب ، على ثقافة الاتهامات والشتائم ومنطق التعميم ، من دون أن نسأل عن الأسباب والظروف التي جعلتها على هذا النحو ، لا نحو آخر ...
أليس الأنجع ، أن ننظر إلى الثقافة تاريخياً ، وفي إطار العلاقة الموضوعية بين الاستعمار والأنظمة التسلطية من جهة ومن خلال تأثرها وانفعالها بالمحددات ـ المباشرة وغير المباشرة ـ على المستوى العالمي والعربي والإقليمي والمحلي ، وشكل الرهانات التي نتجت عن هذه المحددات ؟
ثم أليس الأزمة الكردية هي جزء من أزمة المجتمع السوري عموماً ، وبالتالي لا يمكن أن تحل إلا في إطار حل سياسي شامل لأزمة الوطنية السورية ؟!!
أما كيف ذلك ؟ ... إنه يتم من خلال البدء ببناء الدولة الوطنية ، التي هي كما يقول الأستاذ جاد الكريم الجباعي ـ الذي يتجلى عند ميرخان زارا على أنه مرتزق ثقافة ـ ( دولة الكل الاجتماعي ) حيث ( حقوق الأقليات هي واجبات الأكثرية )
فالدولة الوطنية ، القائمة على أسس علمانية ديمقراطية ، هي التي تعترف بواقع التعدد الأثني والعرقي والديني والثقافي والسياسي في سوريا ، وتقوم بإقرار مبادئ النظام السياسي المدني القائم على التعددية السياسية دون قيد أو شرط أو وصاية ، واعتبار المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السورية ، التي يجب أن تكفل بدورها المساواة التامة بين المواطنين  ، بغض النظر عن الدين والعرق والجنس والثقافة ......الخ .
وتعلن سيادة حكم القانون واستقلال القضاء , وتقوم بإعادة تكوين أجهزة الدولة المدنية والعسكرية على أسس وطنية , على النقيض من الدولة التسلطية التي تقوم بتكوين هذه الأجهزة على أساس الولاء للحزب الحاكم أو القائد الواحد .
الدولة الوطنية هي التي تستخدم دبلوماسية الشوارع لا دبلوماسية الكواليس وتراعي العدالة في توزيع السلطة والثروة ، وتسعى لترسيخ هوية وطنية قوامها جدلية الوحدة والتنوع . ولا ينطبق ما سبق على الدولة السورية القائمة الآن ، التي تحاول أن تحافظ على طابعها الاستبدادي ، باسم التطوير والتحديث والإصلاح ، قاطعة مع النظام السابق الذي حاول أن يحافظ على هذا الطابع باسم الشعب والمعركة من أجل تحرير فلسطين.
إن بناء الدولة الوطنية ، دولة الكل الاجتماعي ، لا يكون إلا بتضافر جهود جميع القوى الديمقراطية ، من أجل تأسيس فعل معارض ، يهدف إلى تفكك ، نظام الجبهة الكاريكاتوري وفتح الطريق للتصدي لجذور أزمتنا الوطنية التي تجلت منذ الاستقلال واستمرت إلى الآن .
إن التأسيس لفعل معارض ديمقراطي ، يتطلب من القوى السياسية الوطنية ، على اختلافها ، أن ( تتمتع بوعي عياني تفصيلي للحقائق الواقعية الموجودة .....قبل أن تقدم على مغامرات غير محسوبة ) . كما يرى ميرخان زارا  في المقال الأول ، وأن تتمتع بثقافة ديمقراطية حوارية ، قولاً وفعلاً ، وأن تقطع مع ثقافة الاتهامات والشـعارات ومنطق التعميم ، وهي ما نراها حاضرة تـماماً ـ أي هذه الثقافة وهذا المنطق ـ عند ميرخان زارا في المقال الثاني .
>> صفحة البداية <<

 ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]