www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
29.07.2003 - 14:06

مناقشة أولية حول مفهوم اليمين و اليسار في السياسة

فرحان مرعي - آليان

لقد استخدم اليمين و اليسار في السياسة كقيمة و معيار للدلالة و التعبير عن القوى التي تدعو إلى التقدم و التغيير و تلك التي تسعى للحفاظ على الأنظمة والأوضاع القائمة وحمل طابعاً أيديولوجياً عالمياً واسعاً , خاصة أثناء الحرب الباردة والصراع بين القطبين الاشتراكية والرأسمالية فانقسم العالم يميناً ويساراً على الصعيد الدولي والتيارات السياسية والتحالفات والبرامج السياسية ورجال السياسة , حتى وصل الأمر إلى سهولة إدراك التمييز بين اليمين واليسار من خلال العبارات والكلمات التي يستخدمونها وينطقون بها ومن الشعارات والمظاهر الشكلية مثل اللباس والياقات الحمراء والملونة .
ولقد برز مفهوم اليمين واليسار ودخل الساحة السياسية أثناء الثورة البرجوازية الفرنسية عام / 1789م / من أولئك الذين أجبروا الملك على سن دستور جديد لفرنسا بحيث تصبح ملكية دستورية وجلسوا إلى يسار الملك في الجمعية التأسيسية وكانوا يمثلون عامة الشعب أي الطبقة الثالثة التي تلي النبلاء ورجال الكنيسة الذين وقفوا على يمين الملك وهو المكان المخصص للأشراف وأصحاب الامتيازات وعارضوا التغيير الجديد .
إن اليسار بوجه عام كان يعبر عن القوى التي تؤمن بالتقدم والتحرر من الماضي والسعي لأحداث تغييرات اجتماعية سريعة سواء ً عن طريق الثورة أو الإصلاحات وإلى تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد والتطلع على الملكية الجماعية والعداء للملكية الخاصة ونصرة قضية البروليتاريا وتحرر الشعوب من الإمبريالية والسعي إلى مجتمع بلا طبقات ومشاركة الشعب في العمل السياسي وكان التأييد للاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية من السمات البارزة لليسار سواء كان المؤيدون ماركسيين أو قوميين أي إن اليسار صار يتسع للقوى الماركسية والقومية على حد سواء , بينما كان اليمين يدعو للحفاظ على الأوضاع القائمة والرجوع إلى الماضي والتراتبية والتفاوت الطبقي في المجتمع حيث كان يجد اللامساواة ظاهرة طبيعية وليست اجتماعية ويشجع الاقتصاد الحر والتخفيف من نفوذ الدولة على الاقتصاد والعداء للسوفييت والتأييد للغرب الرأسمالي وكما أعتبر الموقف من الدين من معايير التمييز بينهما وكان ما يميز اليسار والنظرة المادية للكون بعكس اليمين المثالي الميتافيزيقي .
لقد جرت تغييرات كثيرة في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب وتغييرات في المفاهيم والأفكار والقيم والأيديولوجيات وتخطت البشرية المفاهيم المطلقة والحتمية حول الكون والمجتمع وأحلت محلها مفاهيم النسبية والمرونة والعقلانية الموضوعية ونتيجة لهذه الظروف والمستجدات فقد أصبح مطروحاً وضرورياً تجاوز المفاهيم التقليدية لليمين واليسار , وإكسابهما مدلولات جديدة أكثر تكيفاً مع متطلبات العصر وتطوراته وأجراء مراجعة شاملة دون الالتزام برجعيات طبقية صارمة التحديد والاحتكام إلى معايير أخرى لتقرير من هم اليسار ومن هم اليمين وخاصة إن هذين المفهومين يتغيران باختلاف الوضعيات التاريخية والاجتماعية .
في الواقع لقد بدأت تزول وتذوب تلك الحدود الجليدية بين اليمين واليسار , أو على الأقل الحدود الشائكة السابقة ولم يعد موضوعياً التمييز بينهما وفق معايير القرن السابق وسياساتهم وهذا لا يعني أنهما سوف يلتقيان ولكن من المؤكد عن يكون بينهما قواسم مشتركة وتقارب وتجاذب على أرضية المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم , على سبيل المثال لم يعد الاقتصاد مفهوماً أيديولوجياً عقائدياً بقدر ما هو قضية براغماتية و واقعية , التفاوت الطبقي لن يزول نهائياً من المجتمع وإنما سيتخفف إلى الحدود الدنيا بفعل الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والموقف من الدين أصبح مفهوماً اجتماعياً تاريخياً وليس صحيحاً علمياً الأفكار المطلقة من قبيل المادة أولاً والفكر ثانياُ فهما نسبيتان والموقف من الطبقات سيتغير من الشعارات الديماغوجية و الصراعات الطبقية إلى مفاهيم المصلحة الشعبية المشتركة ولكن مما لا شك فيه إن اليمين واليسار لن تلغيان من المجتمع والحياة, للدلالة على القوى التي تدعو إلى التغيير التطور وإنهاء الاستغلال و الظلم والقوى التي ستدافع عن الأنظمة القائمة وقوانينها مبادئها وقيمها وتبرير هذه المبادئ والقيم ما دام لها مصلحة في هذه الأوضاع , فليس غريباً عن يدافع اليمين عن الملكية الجماعية مثلاً وقوانينها إذا كان ذلك من مصلحتها الاجتماعية والاقتصادية كما إن هناك كثير من القوى الماركسية أو تلك التي تحسب على خانة اليسار تدافع عن كثير من المفاهيم والقوانين والآليات والتي هي بحاجة إلى تغيير, لأن من مصلحتها الجمود والركود بقدر ما يحقق لها هذا الجمود والركود مزيداً من النهب والفساد والسلطة .
إن النقطة الجوهرية والأساسية التي سوف تميز اليمين عن اليسار في المستقبل, لن يكون في الموقف من آلية إدارة الاقتصاد أو الموقف من الطبقات والدين وغيرها من القضايا التي كانت مجال الخلاف بينهما سابقاًً , بل سيكون في الدعوة والعمل والنضال ومن أجل إجراء التغيير والتجديد في الحياة عند الضرورة والحاجة الاجتماعية و السياسية والاقتصادية والقانونية والثقافية للتخفيف من التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي وتكريس الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]