www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
28.05.2003 - 03:18

صلاح بدرالدين يطرح في الخارج ( رؤية نقدية من الداخل )

علي شمدين

في مطلع عام / 2003 أصدر رئيس حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا ( صلاح بدرالدين ) ، كتاباً باللغة العربية ، عنوانه : (الحركة القومية الكردية في سوريا / رؤية نقدية من الداخل ) ، يتوزع الكتاب على / 232 /  صفحة من القطع المتوسط ، يضم بين دفتيه بعض الصور والوثائق ، فضلاً عن آرائه ومواقفه حول بعض المحطات التي يراها هامة في مسيرة الحركة الكردية في سوريا ، والتي يبدو من خلال قراءتها ، بأنها جاءت في صيغة مقال تم استطالته من قبل الكاتب قسراً حتى صار بحجم كتاب محشو بالكثير من التناقضات والتصورات المختلقة التي يحاول من خلال افتعالها الرّد ، وإن بشكل مبطن ، على العديد من الحقائق التي ثبتها الأستاذ ( عبد الحميد درويش ) ، سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا ، وأحد أبرز مؤسسيه إلى جانب المرحومين ( أوصمان صبري ، حمزة نويران ) ، في كتابه : ( أضواء على الحركة الكردية في سوريا ) الذي أصدره في ( أيار / 2000 ) ، والذي غطى أحداث ومواقف الحركة في مرحلة ما بين عامي ( 1956 – 1983 ) ، والذي عكس بدقة وأمانة نضال الحركة الكردية في سوريا خلال تلك المرحلة التي لاقت الكثير من التشويه والتضليل من جانب الخصوم ، مبرزاً فيه دور القوى والفعاليات والشخصيات المشاركة في هذا النضال بشكل واقعي لم يعجب - وكما يبدو- السيد (صلاح  بدر الدين ) الذي جاء دوره من بين تلك الأدوار الباهتة التي حاولت - آنذاك – وبدون هوادة جر الحركة إلى مسارات خاطئة ومغامرة تحت شعارات براقة وماكيافيللية ، ما زالت الحركة الكردية في سوريا تعاني آثارها السلبية...
فإذا كان المؤلف قد عنون كتابه بـالحركة القومية الكردية في سوريا ( رؤية نقدية من الداخل ) – وهو الذي ما يزال يعيش خارج ساحتها النضالية منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإننا نرى من المفيد في هذه العجالة أن نقدم ( رؤية نقدية ) ، من داخل كتابه بالذات مستشهدين بـ( ما يداه أوكتا وفاه نفخ .. ) ، كما يقول المثل ، وندينه من فمه على حجم التضليل الذي تضمنه الكتاب إلى حد الوقوع في التناقض في الكثير من المواقف ، الأمر الذي يعكس مباشرة فداحة التضليل الذي اعتمده المؤلف كمنهج ومارسه عملياً منذ بداية دخوله الطارئ إلى ميدان الحزبية في الساحة الكردية في سوريا ، وهو لم يزل غراً في تجربته ، إلى درجة إنه يقول بأن ( البارزاني ) نصحه في أول لقاء له معه بما يلي : ( تعال داوم في مقري عسى أن تتعلم أصول الحزبية ... ص/ 116 ) ، فيقول إنه أجابه مغتراً بنفسه : ( إذا لم أكن قد تعلمتها حتى الآن ، فلن أتعلمها مطلقاً...ص/116 ) ، وبمتابعة الخط البياني المتذبذب الذي سلكه ( بدرالدين ) بعيداً عن أية أصول حزبية ضابطة لتصرفاته التنظيمية ومواقفه السياسية نرى أنه عمل منفرداً خارج إرادة رفاقه وبعيداً عن مراقبتهم ليعيش ( حياته المخملية ) - بحسب قول أحد رفاقه المقربين له سابقاً - متنقلاً في منفاه الاختياري ولأكثر من ( 35 ) عاماً من دون مبرر إلا طلباً للراحة ، بين بيروت وأوربا إلى أن استقر به المقام أخيراً في ( صلاح الدين ) بكردستان العراق بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع بريق شعاراته ( اليسارية ) و( الماركسية ) ، ومن هنا يتبين قيمة نصيحة ( البارزاني ) له والتي كانت - كما يبدو - بجمل ، فهو لم ولن يلتزم بتلك الأصول ( الروتينية ) المعيقة لطموحاته الانتهازية البهلوانية في التسلق في المناصب ، وأنه لم يبدأ حياته الحزبية بها أصلاً ، عندما أقدم مع جماعته إلى عقد كونفرانس ( 5/آب/1965 ) الانشقاقي ، من خارج تلك الأصول والقواعد الحزبية ، لينتقل بحزبه الجديد ( اليساري ) بعد ذلك من انشقاق إلى آخر ، حتى تجاوزت الانشقاقات ( اليسارية) التي تسبب في حدوثها وكان طرفاً مباشراً فيها ، أصابع يده (اليسرى) ، ملقياً برفاق دربه - خلال سلسلة الانشقاقات هذه – إلى محرقة التخوين حيناً والتخاذل حيناً آخر ، وكان في مقدمتهم المرحوم ( أوصمان صبري ) الذي استهلكه المؤلف في مشروعه ( اليساري ) ، ليطرده في مؤتمره الثاني في أيلول / 1969 بعد إلصاق تهمة الخيانة به ، بينما كان هو متحصنٌ بالعديد من عناصر القوة غير المشروعة ، ولعل أهونها كان وما يزال ثراؤه المادي الذي لم يرم لرفاق دربه سوى الفتات منها ، ويمكن تلمس مصادر ثرائه هذه من خلال بعض الإشارات التي ثبتها (بدرالدين ) في متن كتابه ومن حيث لا يدري ربما ، فبينما يدعي على لسان المرحوم (أوصمان صبري ) حول الدور الذي لعبه الأستاذ ( حميد ) في تأسيس الحزب : ( إننا لم نأت بحميد إلا للاستفادة من وضعه المادي ..) ، في محاولة يائسة منه للتقليل من دور أحد المؤسسين الثلاثة الأوائل ، فما قاله لا يقلل من هذا الدور بشيء ، وإنما يشرف شاباً وهو في مقتبل العمر أن يبادر إلى التضحية بما يملك من ( مال ) ، لتمويل ولادة أول حزب سياسي كردي في سوريا ، ليولد الحزب ولادة طبيعية في وقت شهدت الحركة الكردية في سوريا فيما بعد العديد من الولادات القيصرية بأموال غير نظيفة ، ولعل المؤلف أدرى من غيره بهكذا ولادات مشوهة ، فهو الذي ولج الحزبية مفلساً ، ليغتني خلال سنوات قليلة من عمره الحزبي وبعد تركه ساحة النضال الفعلية متسكعاً أمام السفارات ممتهناً الدجل السياسي ، ليمتلك بذلك الملايين بطرق لا يعلمها إلا الجهات المشبوهة الممولة له ، بعكس ( حميد ) الذي دخل النضال غنياً – كما يؤكد بدرالدين نفسه على لسان أوصمان – ليضحي بسببه أمواله و الكثير من امــتيازا ته ومصالحه الشخصية ويصبح مديوناً في أغلب ألأحيان ، لابل ليمضي جل حياته في الفقر والملاحقة والاعتقال والنضال السري غير نادم على تضحيته هذه بالطبع .
وبتصفح كتاب ( بدرالدين ) نجد أنه يكشف عن بعض هذه القنوات التي اغتنى المؤلف من خلالها هذا الغنى الفاحش الذي استخدمه بطريقة ابتزازية كـ( جزرة ) لكسب صمت أنصاره ، و( عصا ) غليظة يخوّن بها المتمردين على سياساته وأفعاله ، فيقول بكل وضوح: ( كنا نتلقى حصتنا المالية من الدعم الذي كانت تقدمه للحركة الوطنية اللبنانية كلٍّ من منظمة التحرير الفلسطينية وليبيا والعراق .. ص/120 ) ، باعتباره كان قد جند – آنذاك – العشرات من أنصاره كميليشيات تحت الطلب باسم منظمة حزبه في لبنان جنباً إلى جنب مع منظمة حزب ( البعث ) العراقي في لبنان ، اللتين كانتا تعملان معاً في إطار الحركة اللبنانية ، تحت تصرف الجهات التي مولته وخاصة النظام العراقي ، هذه الجهة التي لم يخف ( صلاح ) نفسه علاقاته معها ، حيث يقول في أثناء حضوره المؤتمر الثامن لـ(الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق ) ما يلي : ( وبعد أيام طلب مني البارزاني أن أذهب إلى بغداد للقاء عضو القيادة القومية والقطرية في حزب البعث – عبد الخالق السامرائي – حيث إن البعث يرغبون في التعرف على القيادات الكردية ونسج العلاقات مع الحركة التحررية الكردية في أجزاء كردستان الأخرى ، وخاصة في سوريا .. ص/108 ) ، مبدياً ارتياحه من ذاك اللقاء ، قائلاً : ( وإنهم يودون بناء العلاقات معنا والاستعداد لتقديم الدعم والإسناد لحزبنا دون أية شروط وهو مستعد لسماع ما نحن بحاجة إليه .. ؟!! . ص/ 109 ) .
وكنموذج آخر على مصادر ثرائه ، وبالرغم من تخوينه المستمر للأستاذ ( الطالباني ) ، فإنه يقول : ( وبعد فترة وجيزة من إقامتي في بيروت ، حيث كانت ظروفنا صعبة للغاية من الناحية المعيشية ، التقيت بجلال الطالباني ، وكان قد غير موقفه السابق وتصالحنا ، وبدأنا نفكر سوية في مصير الشعب الكردي وكيفية حل أزمة الحركة السياسية الكردية ، وبعد أن لاحظ سوء وضعنا ألمعاشي بادر من تلقاء نفسه إلى تقديم مساعدة مالية مشكوراً .. ص/ 121 ) ، هكذا إذاً يدفع له( جلال ) ويغير موقفه أيضاً مع السيد ( صلاح ) ، طبعاً هذا هو شكل آخر من سلوكياته التضليلية التي يحاول بها الاستهتار بدرجة وعي القراء ، والصحيح هو إن ( بدرالدين ) لم يلتقي مع الأستاذ ( جلال الطالباني ) إلا لحل أزمته المالية لا أزمة الحركة السياسية الكردية كما يدعي ، والتي ما زالت مفتعلة بمغامراته.
بامكاننا أن نورد العديد من هذه المواقف الرخيصة التي امتهنها المؤلف ،  ولكن لا نود الخروج عن إطار الكتاب ملتزمين بالأدلة التي يعرضها بنفسه بين صفحات كتابه ، وقد كان هذا المحور أحد الهواجس القاتلة التي ظلت توجه مواقفه وسياساته كالبوصلة في خضم المحيط المتلاطم الأمواج .
أما المحور الآخر الذي ظل يقض مضجعه عبر مسيرته ، فهو طبيعة علاقته مع ( البارزانيزم ) ، هذا المحور الذي لم يستقم به الطريق معه ، وإنما سلك طريقاً متعرجة نحوه ومحفوفة بالألغام ، ليحيد عنها حيناً ليلتزم بـ( الماركسيزم ) ويعود إليها حيناً آخر بعد أفول نجم ( الماركسيزم ) ، وهكذا وحسبما تمليه عليه بوصلته ( المالية ) الآنفة الذكر، ويظهر هذا التذبذب جلياً ومرتبكاً بين صفحات كتابه .
يطرح ( بدرالدين ) نفسه قائداً لـ( اليسار القومي ) ، ومنقذاً للحركة الكردية في سوريا من براثن من يسميهم بـ ( اليمين القومي ) ، مراهناً في ذلك على الدعم والتأييد من ( البارزاني ) ، الذي يعتبره المؤلف في كتابه المصدر الوحيد للشرعية القومية متجاهلاً ما وثقه من اتهامات وشتائم بحق المرحوم ( البارزاني ) و( البارزانيزم ) ، ودوّنه في كراس له أصدره في كانون الثاني / 1978، تحت عنوان : (حول الموقف من المسألة القومية الكردية في العراق ) والذي أقره مؤتمر ( حزبه ) الخامس المنعقد في / 1980 ، ينعت ( البارزانيزم ) فيه ، وفي أكثر من صفحة بالنهج ( الخياني ) و ( اللاوطني ) ، فضلاً عن وصم قيادة ( البارزاني ) ولعشرات المرات وفي سياق عرض موقفه منها بـ( الرجعية ) و ( اليمينية ) و ( العشائرية ) و (العمالة ) للأنظمة (( التي تقتسم كردستان وكذلك لإسرائيل ..  /ص80 )) .
انطلق ( صلاح بدر الدين ) و( الملا محمد نيو ) وبالتضامن مع مجموعة ( الملالي ورجال الدين ) في الحزب ، بالإعلان عن تشكيل حزب جديد باسم الـ( اليساري) ، على إثر الكونفرانس الذي عقدوه من وراء ظهر القيادة وأغلبية القواعد ، ومن المفارقات الغريبة إن الملالي شكلوا ما يقارب نصف قوام ذاك الكونفرانس ، بينما المؤلف يصر على إن الانشقاق لم يكن إلا انشطاراً طبقياً ، وأنه : ( اصطفاف فكري سياسي واضح المعالم ، وهذا يحدث للمرة الأولى في تاريخ الحركة ، خلاصته انشطا ر الحزب إلى جناحين : يساري قومي ويميني قومي ، لكل منهما برنامجه ومواقفه وسلوكه .. ص /38 ) ، و يقول ( صلاح بدرالدين ) أيضاً بأن سكرتيره العام ( أوصمان صبري ) كان يعادي بالفطرة المنطلقات النظرية (الطبقية) و (  الزعامات )  الكردية التي تحت غطائها تم الانشقاق أصلاً : ( يحمل أوصمان مواقف مسبقة حسب - الفطرة – وسلبية في أغلبيتها عن الاشتراكية والشيوعية والماركسية ، وذلك دون أن يتعرف عليها عبر القراءة والدراسة وأمام إنسان يحمل حقداً طبقياً عميقاً تجاه كل ما له علاقة بمختلف زعامات وشخصيات المجتمع الكردي بمعزل عن أي تبرير نظري أو تحليل علمي .. ص /53 ) ، كما إنه يحصر المصدر الوحيد لشرعية انشقاقاته في موقف (البارزاني ) من أطراف الخلاف ويدعو إلى ضرورة الاحتكام إلى مرجعيتة، حيث يقول : ( لا غرابة في أن يتحول الجنوب – كردستان العراق – بعد ذلك إلى المصدر الوحيد لقضايا الحركة التحررية الكردية ، ومركزاً لاستقطاب الحركات في الأجزاء الثلاثة الأخرى بما فيها ساحتنا ، وقطباً يتصارع الآخرون حوله سلباً أو إيجاباً ، ومرجعية لمصدر الشرعية القومية وقت الخلافات الداخلية بين الأحزاب الكردية ومن هذه العملية المتواصلة منذ أكثر من ثلاثة عقود من المفيد أن نشير إلى حقيقة أن – اليسار القومي – كان السباق في الأجزاء الثلاثة الأخرى في اكتشاف – البارزانيزم – كنهج فكري سياسي قومي ، والمبادر إلى إقامة الصلات والتواصل مع قيادة البارزاني .. ص / 142 ) ، بينما يقول في كراسه (حول الموقف من المسألة القومية الكردية في العراق ) الصادر عام /1978 عكس ذلك تماماً مستغفلاً ذاكرة القراء والمطلعين على مواقفه رغم تبدلاتها ، فحول تدخلات هذه القيادة في الشؤون الكردية و الكردستانية يقول بالحرف ما يلي : ( انعكست تلك التدخلات في تفويض قيادة الحركة لنفسها بتقرير مصير الحركة الكردية خارج العراق ، والتسلط على فصائلها مستغلة بذلك الشعور القومي والدعم والمساندة اللامحدودة من جانب الشعب الكردي في كل مكان للحركة المسلحة ، وقد بلغ الاستغلال - الجشع - ابعد حدود حينما بدأت قيادة الحركة بإبرام الصفقات مع الأنظمة المجاورة للعراق ، والتي تضطهد الشعب الكردي على حساب المساومة والتخاذل من جانبها ، إما في ضرب الحركة الوطنية التقدمية وتصفية قياداتها – كما حصل لقادة الحركة الوطنية الكردية في إيران وتركيا - أو في احتواء وتشتيت الحركة الوطنية الكردية وتمزيق صفوفها – كما حصل للحركة الكردية في سوريا - .. ص/78) ، في الوقت الذي وصف فيه بـ(المؤامرة ) محاولة الأستاذ ( عبد الحميد ) من أجل تطويق الخلاف محلياً بدون تدخل الآخرين ، وذلك بالتنازل من قيادة الحزب لصالح ( صلاح ) و( جماعته ) المسماة بـ( اليسار ) ، عندما التقى برفاق المؤلف ( عصمت سيدا ، عزيز سيامند ، يوسف ديبو ، بهجت ملا محمود ) ، في منزل ( سيامند ) ، مقترحاً تشكيل قيادة ( 6+6 + صلاح بدرالين سكرتيراً ) ، على أن يستثنى من هذه القيادة كلاً من ( عبد الحميد درويش ، جكرخوين ، رشيد حمو ) ، تعبيراً عن حسن النية. هذا الاقتراح التاريخي الذي قوبل من قبلهم بالسلبية والرفض مع الأسف الشديد ، وبذلك تم تضييع فرصة تاريخية مخلصة ، يقول عنها (صلاح بدر الدين ) ما يلي : ( في آخر لحظة أرادت قيادة اليمين القيام بمناورة تآمرية جديدة ، بأن اقترحت على رفاقنا بعدم الذهاب إلى كردستان العراق ، وبدلاً من ذلك نشكل قيادة سوية ، قيادة جديدة على أن يكون صلاح بدرالين سكرتيراً عاماً للحزب الجديد الموحد .. ص / 114 ) ، ولا يتردد ( صلاح ) في تشخيص الشرارة الأولى التي انطلق منها انشقاقه ، والتي حددها في الموقف من ( البارزانيزم ) ليس إلاّ ، والذي يبين الدور التاريخي للدافع الكردستاني وراء خطوته تلك رغم نفيه المستمر لهذا الدور ، فيقول : ( من الواضح إن البيان الذي صدر باسم حزبنا عام / 1964 حول الموقف من الخلاف الناشب في الثورة الكردية وبإشراف من رموز اليمين ، كان بمثابة الإعلان عن معاداة قيادة الثورة وزعيمها الخالد البارزاني والوقوف إلى جانب تيار / 1966 ، وكان ذلك استفزازاً لمشاعر جميع أعضاء الحزب قيادة وقاعدة ، ولم يكن يعبر عن الموقف الحقيقي للأغلبية .. / ص 34 ) . وإذا كان ( أوصمان ) قد شكل نظرياً واجهة ( اليسار) وسكرتيره العام ، والذي توهم المؤلف بأنه يشكل إرادة الأغلبية ، فإن هذا الرمز لم يحظ بتأييد ( البارزاني ) الذي يشكل مصدر الشرعية ومرجح الأقلية ( الصائبة ) عادة ، و هو : (اليساري الوحيد بالمفهوم القومي الاجتماعي للكلمة والسلوك والتعامل مع الشعب .. ص / 73 ) ، ففي أول لقاء لـ( بدرالدين ) مع ( البارزاني ) ، ينقل عنه موقفه السلبي من ( أوصمان) ، فيقول : ( ما أن وصلت إلى ذكر أوصمان صبري حتى سأل على الفور ، هل هو معكم ، فقلت : نعم ، إنه سكرتير حزبنا ، فبان على وجهه الامتعاض والأسف ، وقال : إذا كان هو سكرتيركم ، فماذا تفعلون هنا .. ؟! .. ص / 72 ) .
محور ثالث ظل يقلق ( بدر الدين ) عبر صفحات كتابه الأخير ، ويدفعه من تناقض إلى آخر ، وهو كيفية طرح أفعاله المتناقضة وتسويقها مع الأحداث والحقائق المرافقة لمساعيه الوصولية والانتهازية التي قادته وجماعته إلى الإعلان عن تشكيل حزب جديد ، سميّ بـ( اليساري ) ، يؤمن بـ( البرزانيزم ) ويلتزم بـ( الماركسيزم ) ، في الوقت الذي تتكون تركيبته الطبقية - بمعظمها – من جماعة ( الملالي والآغوات ) كما كانت تسمى آنذاك ، يقوده – وكما يقول صلاح – سكرتيراً لا يستسيغ بالفطرة الـ(الماركسيزم ) ، وهو مرفوض في الوقت نفسه من جانب الـ(البرزانيزم ) ، حزباً يدعو إلى ( تحرير وتوحيد كردستان ) ، بينما الظروف تؤكد لا واقعية مثل ذاك الشعار وخطأه .. إلى آخر هذه المتناقضات التي في خضمها عقد ورفاقه كونفرانسهم الانشقاقي باسم ( انطلاقة اليسار ) ، راسمين الحدود الفاصلة بينهم وبين من سموهم بـ( اليمين ) في الخلاف حول اسم الحزب وشعاره ، مقللين من شأن الخلاف الحاصل في السجن بين ( أوصمان ) و ( ظاظا ) ، والذي اعتبروه مجرد اختلاف تكتيكي ليس إلاّ ، فيقول : ( وبغض النظر عن صوابية هذه المجموعة أو تلك نرى إن مظهر الاختلاف شأن – تكتيكي – لأن المجموعتين وافقتا قبل الاعتقال على برنامج الحزب وكان الالتزام شاملاً باسم الحزب – الحزب الديمقراطي الكردستاني – و بشعاره – تحرير وتوحيد كردستان – ما عدا قلة قليلة رفضت ذلك البرنامج وأبرز عناصرها كان عبد الحميد درويش – الذي لم يكن معتقلاً ... ص / 28 ) ، وبالتدقيق في ما قاله آنفاً يمكن استخلاص بعض الحقائق التي لم يقصد (صلاح ) إبرازها - بكل تأكيد - بقدر ما كان يقصد التشويش على موقف ( حميد ) كمعارض لإرادة الأغلبية في تلك القضية ، وهي :
a) الإقرار بحقيقة طالما تنكر لها ( بدر الدين ورفاقه ) ، وهي طبيعة الخلاف الحاصل في السجن والذي يؤكد على أنه لم يكن إلاّ تكتيكياً ، مع انه أثار في حينه ضجة كبرى مفتعلة من جانب الـ( اليساريين ) ، لا تتناسب والحجم الطبيعي للخلاف الذي دفع بالمرحوم ( نورا لدين ) نحو محرقة التخوين ظلماً ، إلى درجة إن قيادة الثورة الكردية في كردستان العراق ورغم ثقلها السياسي آنذاك تجاهلت في ندائها للإفراج عن المعتقلين ، اسم المرحوم ( نورا لدين ظاظا ) الذي كان هو الشخص الأول في الحزب ولم يكن ( أوصمان صبري ) هو الشخص الأول ، حيث نشرت في جريدتها المركزية ما يلي : ( الحرية للمناضل أوصمان صبري ورفاقه .. ) ، وذلك في تدخل سافر لتعميق شقة الخلاف لأسباب لا يمكن تقديرها تماماً حتى الآن ، خاصة وإن  ( أوصمان ) تم تخوينه فيما بعد من قبل رفاقه ومن قبل ( البارزاني ) – كما يؤكده بدرالدين – بعد أن أستخدم كحصان طروادة لإنجاز الانشقاق ، وقد انطلت عليه تلك اللعبة مع الأسف وإلا ربما كانت الأحداث قد أتخذت منحىً آخر .
b) الحقيقة الثانية التي يقرها المؤلف في كتابه ، هو رفض الأستاذ ( حميد ) لموقف أغلبية أعضاء القيادة حول ( اسم الحزب وشعاره ) ، ومعروف إنه أصدر آنذاك كراساً وزعه بين رفاق الحزب ، يوضح فيه خطورة تلك الشعارات ومدى ضررها على نضال الحركة الكردية في سوريا ، التي لا تحتمل بسبب ظروفها ( الذاتية والموضوعية ) مثل تلك الطروحات المغامرة التي تسربت إلى برنامج الحزب من وراء الكواليس ، وهذه القضية هي التي تشكل بالفعل النقطة الجوهرية التي عمقت الخلاف بين القيادة ودفعت الأوضاع التنظيمية بين القاعدة نحو الانشقاق العملي إلى جانب ظروف أخرى لا مجال لذكرها ، وما يبعث على الأسف هو تمسك المنشقين بتلك الشعارات حتى أثبت الواقع رغماً عنهم لا واقعيتها ليتراجعوا عنها فيما بعد ولكن بعد فوات الأوان .
c) يشير المؤلف ضمن جملة اعتراضية إلى أن الأستاذ ( حميد ) لم يكن معتقلاً أثناء اعتقال أعضاء القيادة ، منطلقاً من عقدة التشكيك التي تنخره في العظم وتحاصره كالبائع الذي لا يفصح إلا عما تحتويه جعبته ، متعامياً عن حقيقة القرار الذي اتخذ بإجماع القيادة القاضي بضرورة تواريه عن الأنظار لكي يقود الحزب ويضبطه إلى حين الأفراج عن رفاق القيادة الآخرون  ، وقد أثبت الواقع صواب ذلك القرار الذي ساهم في الحفاظ على الهيكل التنظيمي للحزب من الانهيار بعد أن برزت فيه  مؤامرات وتكتلات تخريبية من جانب بعض الوصوليين والانتهازيين في الحزب آنذاك ، والتي كانت تحاك سراً في الصفوف الخلفية للحزب ، و كان ( بدر الدين ) أحد أولئك الذين كانوا في القاعدة واستغلوا الظروف ليأخذوا مكاناً لهم في الأحداث في وقت كان الحزب يمر بظروف حرجة ، وقد كان له بالفعل فيما بعد ، ولكن أثناء اعتقال الأستاذ ( حميد ) والذي استثمره المؤلف وبعض من رفاقه في الهيئات الدنيا في عقد كونفرانسهم ألتكتلي المعروف .
وختاماً فأن ثمة تساؤلات تطرح نفسها بقوة في كتاب ( بدرالدين ) هذا ، ظلت بدون أجوبة و نرى من الضروري الإشارة إليها ، ونذكر منها كمثال لا الحصر :
1- في لقاء المؤلف مع عضو القيادة القومية والقطرية في بغداد ، هل استجاب ( بدرالدين ) آنذاك لطلبه في نسج علاقات مع (البعث) العراقي ، وهل كان اللقاء سبباً في الانضواء مع منظمة ( البعث ) في لبنان تحت مظلة الحركة اللبنانية آنذاك ، مقابل الحصول على حصته من الأموال المرسلة من النظام العراقي ؟! .
2- المفارقة العجيبة والتي تثير الاستفهام هي : سبب إصرار المؤلف على اتهام ( حميد و جكرخوين ) بالعلاقة مع العراق من دون تقديم أية دلائل ، في الوقت الذي يقرّ بنفسه بين صفحات كتابه ولأكثر من مرة باتصالاته ولقاءه ألحميمي  مع عضو القيادة القومية والقطرية في البعث العراقي ، ومع نظام بغداد ، وتلقيه حصته من الأموال المرسلة إليهم في لبنان .. ؟!.
3- يقول إن حزبه كان قد اتخذ قراراً بحرق مزروعات مزارع الدولة (  إذا لم تغير الدولة من سياستها .. ص / 64 )، والمعلوم إن أية مزروعات لم تحرق، ترى لماذا لم ينفذ ذاك القرار؟! ، هل لأن الدولة قد غيرت من سياستها فعلاً ؟! ، أم لأنه كان مجرد شعارٍ للاستهلاك المحلي فقط؟!.
4- في سياق التشكيك الذي أسرف المؤلف في انتهاجه بين صفحات كتابه ، بحق أقرب الناس إليه ، فإنه يحق لنا أيضاً  التوقف عند موضوع ( ختم حزبه الذي صودر منه في المصنع على الحدود اللبنانية .. ص /96 ) ، وتهديد السلطات لهم بتسليمه إلى الأمن ، لكنه يتابع قوله بأنه ذهب بأمان بعد المفاوضات مع تلك السلطات ، أية مفاوضات كانت ؟!  ، وحول ماذا تم الاتفاق ؟!.
5- أثار الكتاب قضية الجاسوس ( بولوش .. ص / 96 ) والذي ظل في ضيافة المؤلف – كما هو يقول – لمدة أسبوع ، فهل يجوز لنا أن نتهم المؤلف بالتورط  معه مثلما يتهم هو غيره لمجرد الشك ، والشك فقط  ؟! .
6- سبب تفاجئه بطرح ( جكرخوين ) للعمل معه - إذا كان ما قاله المؤلف صحيحاً حول قصة الاختلاء به-  وما سبب الجزم : ( بأن جكرخوين هو ملك لكل أبناء الشعب الكردي ومن غير الجائز لأمثاله الانتساب إلى الأحزاب والمنظمات السياسية وتحجيم نفسه في زوايا ضيقة والدخول في صرا عات لا أول لها ولا آخر ، حيث كان مكانه الطبيعي هو  حزب الكرد .. ص / 56 ) ، المنطقي في هذا الكلام هو إن المؤلف أراد الاختلاء بـ( جكرخوين ) وليس العكس ، وذلك بهدف دفعه لترك حزبه الذي ظل يعمل في قيادته بعد بداية تأسيسه بعام - و قبل أن ينتظم المؤلف نفسه في الحزب بسنوات عديدة - وحتى رحيله دون أن يعاني مما ( نبهه ) المؤلف عليه وذلك بأن : التنظيم زاوية ضيقة من الصراعات العقيمة ، فهل كان المؤلف ينطق من تجربته الحزبية الشخصية ؟! ، ثم هل حقاً على المبدعين أن ( يتحرروا ) من الضوابط التنظيمية والتي يسميها المؤلف تحجيم في الزوايا الضيقة ؟! .
7- اتهامه لـ( جلال الطالباني ) اعتماداً على الشك فقط ، بـ( إيصال معلومات  كونفرانس الطلبة إلى سوريا .. ص / 88 ) ، لمجرد إن ( جلال ) وصل إلى دمشق قبله ، وبهذا المنطق ، ألا يكون من الجائز أن يكون المؤلف نفسه هو الذي قام بهذه المهمة ، خاصة وأنه يقول بنفسه إنه كان يخرج ولأكثر من مرة ( بجوازات وفيزا ) مزورة ليعود بعد إتمام مهمته بأمان ؟!.
8- كثيرون كانوا مع المؤلف في الصف الأول من ( انطلاقة اليسار ) لعبوا دورهم البارز في تلك الانطلاقة ، ولكنه قام بتطهيرهم بالطرد والتخوين ، رغم إنهم ظلوا أشخاص أوائل ( أمناء عامين ) لمنظمات انتزعوا منه اسم ( اليسار ) وشعاراته ، ولكن المثير للاستغراب هو تجاهل أسمائهم في سرد الأحداث نهائياً في الكتاب ، أمثال ( عصمت سيدا ، يوسف ديبو .. ) ، ترى هل تم ذلك سهواً ، أم تعامى عنهم المؤلف عمداً كالنعامة .. ؟!.
9- لم يشر المؤلف أثناء سرده لحادثة اعتقاله إلى كيفية إطلاق سراحه ، حيث من المعروف أنه قدم تعهداً خطياً بعدم مزاولة العمل السياسي  بعد ذلك مقابل أطلاق سراحه .
10- إذا كان الكتاب محاولة لتغطية أحداث الحركة الكردية في سوريا حتى عام / 1975 ، فإن الأمانة التاريخية كانت تقتضي التوثيق الدقيق للأحداث والوقائع والشخصيات و في سياقها الزمني ، ولكن الملاحظ أن هناك تهرب من ذكر التواريخ وقد تجاهل حتى عن ذكر تاريخ انتسابه إلى الحزب ، وذلك لكي يوهم القارئ بأنه من بين المؤسسيين الأوائل ، وهو لم يكن كذلك بالطبع ، لأنه لم ينتسب إلى الحزب إلا خلال النصف الأول من الستينيات من القرن الماضي ولم يتجاوز في تسلسله الحزبي عضوية فرعية طلاب القامشلي آنذاك ، إلى حين انخراطه في الانشقاق الذي قاده عملياً الـ(ملا نيو )  ، فهو لم يتعمد هذا التجاهل للتواريخ إلاَ لخلط الأوراق للتشويش على القارئ ، أو لأنه يختلق أصلاً هذه المحطات وينسجها من وحي خياله ( الواسع )؟! ، ناهيك عن تجاهله الصارخ للمحطات الانشقاقية العديدة ، التي قصمت ظهر حزبه وتركته أطلالاً ، لا ينفك المؤلف أن يعلن نفسه رئيساً لهذا الحزب كيفما كان .

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]