www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
20.10.2003 - 08:43

ضد التمييز

علي العبد الله - باحث و كاتب سوري

تمر في الخامس من تشرين الأول, ذكرى الإحصاء المشئوم عام 1962, الذي حرم عشرات ألاف الأكراد من الجنسية السورية و حولهم على "بدون", على خلفية سياسة تهدف إلى تقليص نسبة الأكراد في سورية على طريق الحد من حضورهم في الحياة الوطنية و تخفيض سقف حقوقهم السياسية, و هذا خلق حالة إنسانية شديدة البؤس, حيث غدا هؤلاء المواطنين, بسبب قيود العمل و التملك و السفر, خارج الحدود الطبيعية, و قد أنسحب أثر هذه القيود على أطفالهم, حيث بلغ عدد المحرومين, بعد أربع عقود, مئات الآلاف, ما جعل الحياة في أعين هؤلاء المواطنين, و هم يواجهون مصاعب متزايدة, سوداء و كريهة. و قد زاد من تعقيد أوضاع هؤلاء المواطنين تنفيذ خطة الحزام العربي. حيث تم نقل عشرات ألاف المواطنين السوريين من العرب, من منطقة الغمر, إلى منطقة الشريط الحدودي المحاذي للأراضي العراقية و التركية, شمال شرق سوريا, لخلق حاجز بشري عربي بين أكراد سورية و أكراد تركيا و العراق, لكسر التواصل بين المجتمعات الكُردية في هذه الدول, و الالتفاف على كونهم شعب واحد و له سمات محددة, تستدعي تعاملاً سياسياً ذو مصداقية.

ما نتائج هذه السياسة؟

يمكن تلمس نتائج هذه السياسة في عدة مظاهر سلبية, فهي إذ حطمت حياة هؤلاء المواطنين, دفعتهم إلى مواقف متشددة و إلى تبني تصورات ليست في صالح البلد و المنطقة. فقد قادهم الإحساس بالمرارة إلى تحميل العرب مسؤولية ما لحق بهم من مظالم, وهذا قاد إلى ممارسات مفصولة عن الاجتماع السوري, مثل تشكيل أحزاب سياسية كُردية صرفة, ولإحجام عن الانخراط في العمل السياسي في أحزاب سياسية سورية غير كُردية, والتفكير في شكل من أشكال الانفصال عن الكيان السوري و الدعوة إلى تجسيد ذلك سياسياً عبر مطالب متعددة المضامين, تصل لدى بعضهم إلى درجة المطالبة بحق تقرير المصير, و الانفصال عن الدولة السورية, و مثل التركيز على الإجراءات التي تمت على الأرض مثل تغيير أسماء القرى, ومصادرة الممتلكات, ومنع تسجيل العقارات, و إهمال مسألة أكثر أهمية, مسألة الحياة و تطوير الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الخدمية, التي تلعب دوراً إيجابياً في المحافظة على المجتمعات الكُردية و تثبيتها, و المحافظة على الروابط الاجتماعية. وقد ترتب على هذا السلوك تفكك المجتمعات الكُردية في سورية بفعل عمليات الهجرة الجماعية إلى الخارج, شجعت السلطات الهجرة بغض الطرف عن حركة المهربين الذين ينقلون هؤلاء المهاجرين عبر الحدود إلى أوروبا, وخسارة البلاد عشرات الألف من مواطنيها الأكراد.

قادت هذه السياسة الحمقاء إلى حدوث انقسام عمودي في المجتمع السوري بين عرب و أكراد, وهذا إلى جانب المظالم التي وقعت على قطاعات واسعة من المجتمع السوري بسبب السياسة التميزية و القمع, و إلى خلخلة الاندماج الوطني و إلى تكريس حالة قهر اجتماعي و تحول الاجتماع السوري إلى تكتلات عشائرية و قبلية, ومناطقية, عرقية وطائفية, جعلت الحياة الوطنية شديدة الخطورة و التعقيد, حيث غدا للمشكلات الاقتصادية و الاجتماعية  و الخدمية سمة قهرية اضطهادية. ولهذا تأثيرا خطيرا على الوطنية السورية, و على سلوك المواطنين السوريين بعامة و الأكراد منهم بخاصة, السياسي و الاجتماعي. نذكر هنا مثالاً صارخاً على هذا السلوك حيث وصف كاتب كُردي في كتاب له "الحزام العربي" ب"الاستيطان" , و القرى التي أقام بها المواطنين العرب ب"المستوطنات" في عملية مماهاة بين هذه الحالة و الحالة الإسرائيلية في فلسطين. و توجيه إدانة إلى الموقف العربي الذي يدين الممارسة الإسرائيلية و لا يدين الممارسة السورية – نلاحظ هنا أن الكاتب قد أخطأ في أاستخدام هذه المفردات – لأن للاستيطان و المستوطنات دلالة إيجابية تجعلها مشروعة, و هي مفردات تستخدمها إسرائيل. أما ا لوصف الصحيح لها"استعمار" و "مستعمرات" وإنه لا يمكن مطابقة الحاتين لأن للدولة حق التصرف في نطاق أراضيها لحماية مواطنيها أو تحقيق مصالح معينة, وأن ما كان يجب أن يثيره الكاتب هو حل مشكلة عرب الغمر على حساب مواطنين آخرين: الأكراد, إنه الإحساس بالظلم دفع هذا المواطن إلى الانزلاق نحو الخطأ" ضد الأكراد".

ليس في السياسة أو في المنطق ما يبرر بقاء حالة الحرمان من الجنسية التي طالت مئات ألاف الأكراد, و التي نشأت عن ذلك الإحصاء الظالم, بعد مرور كل هذه السنين, إذ يقر المجتمع الدولي أن للمقيمين في دولة حق الحصول على جنسية هذه الدولة بعد فترة زمنية تختلف من دولة لأخرى, لكنها لاتصل إلى عدة عقود, وإنه صار من حق هؤلاء المحرومين, حتى لو سلمنا بادعاء السلطة إنهم غير سوريين آنذاك, وهذا أمر مشكوك فيه في حالة معظم المحرومين الحصول على الجنسية السورية. خاصة و أن المتغيرات الإقليمية و الدولية تستدعي و بقوة, حل هذه المشكلة و دمج هؤلاء المحرومين في الاجتماع السوري, والتمهيد لحل باقي نتائج هذه السياسة على المواطنين الأكراد, لم لذلك من آثار إيجابية على الاندماج الوطني و على تصليب الوحدة الوطنية السورية.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]