www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
10.03.2004 - 18:00

جديد المشهد السياسي السوري: مـن الـبـيـانـات إلـى الاعـتـصـامـات

اكرم البني
 
ثمة جديد ومختلف يحدث اليوم في سوريا لا يمكن تصنيفه او إخضاعه للمعايير القديمة، يتجلى في تكرار ظاهرة التجمعات والاعتصامات السياسية للتعبير عن حالة احتجاج او لنصرة واحدة او اكثر من مهمات الاصلاح الديموقراطي في البلاد، آخرها تجمع المئات من نشطاء حقوق الانسان وانصارهم أمام مبنى البرلمان السوري تعبيراً عن رغبتهم في رفع حالة الطوارئ والاحكام العرفية في ذكرى إعلانها يوم الثامن من آذار منذ واحد واربعين عاماً، قوبلت بالتفريق واعتقالات عشوائية طاولت العشرات منهم، لكن لم تمضِ الا ساعات محدودة حتى أطلق سراحهم جميعاً.
قبل ذلك بأيام وتحديداً في الرابع من شهر آذار الجاري شهدت مدينة حلب حشداً تضامنياً مع الاظناء الاربعة عشر الذين أحيلوا الى محكمة عسكرية بسبب رغبتهم في الاستماع الى محاضرة عن قانون الطوارئ والاحكام العرفية، سبق ان ألقيت قبل أشهر في منتدى جمال الاتاسي في دمشق!
كان التجمع نوعياً، بكل معنى الكلمة، ليس لأنه ضم العشرات من محامي الدفاع والمئات من الكوادر والنشطاء السياسيين والحقوقيين السوريين قدموا من مختلف المحافظات للتعبير عن تضامنهم مع المتهمين ورفض هذه المحكمة الاستثنائية، وانما ايضاً لأنه تميز بحالة واضحة من الدقة والتنظيم. فما يلفت الانتباه على الفور، كثرة اليافطات الصغيرة، المتماثلة الحجم، المصنوعة بعناية، والتي يتناوب على حملها عشرات الشبان لإظهار شعارات عن الديموقراطية باللغتين العربية والانكليزية، مثل عبارات: "الديموقراطية مدخلنا الى التاريخ الحديث" و"لنواجه تحدياتنا الداخلية والخارجية على اساس الحوار وقبول الرأي الآخر" و"حقوق الانسان هي حياة الانسان" و"أوقفوا هذه المحاكمة" و"أطلقوا سراح السجناء السياسيين" و"ارفعوا حالة الطوارئ، أوقفوا المحاكم الاستثنائية" و"الفساد يحرم اطفالنا كأس الحليب"... الخ.
وفي الخامس والعشرين من شهر شباط المنصرم اعتصم اكثر من ثلاثمئة طالب، داخل الحرم الجامعي في مدينة حلب، شمال سوريا، للاحتجاج سلمياً على المرسوم الرقم 6 الذي يعفي الدولة من مسؤولياتها في توظيف خريجي كليات الهندسة. هذا الحدث ترك بصمة كبيرة على مناخات الحراك المدني في الدفاع عن فرص العمل لخريجي الجامعات السورية، على الرغم من نجاح الاجهزة الامنية ومسؤولي حزب البعث - فرع الجامعة، في تفريق المحتشدين بالقوة، مما أدى الى إيذاء عدد كبير منهم واعتقال بعضهم لساعات محدودة.
وقبله بأيام، في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، احتشد مئات المثقفين والسياسيين السوريين امام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق ورفعوا يافطات عدة تنادي بالحرية ورفع حالة الطوارئ، أبان محاكمة سبعة من النشطاء الكرد سبق واعتقلوا بسبب مؤازرتهم لعشرات الاطفال الاكراد في اعتصام سلمي امام مبنى اليونيسيف بدمشق في اليوم العالمي للطفل مطالبين بمنحهم الجنسية السورية.
هذه الحكاية بدأت في العاشر من شهر كانون الاول الماضي بالحشد التضامني الذي جرى امام مقر رئاسة مجلس الوزراء في دمشق بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين للاعلان العالمي لحقوق الانسان، وكانت بادرة فريدة في الحياة السياسية السورية ان يتجمع المئات من الناس والمثقفين وكوادر الاحزاب، العربية والكردية، امام مؤسسة رسمية من اجل قضية هي موضع خلاف كبير ونوعي مع السلطات السورية.
ليس من اجل فلسطين او العراق او مناهضة العولمة او مقاطعة البضائع الاميركية مثلما كانت حال التظاهرات والتجمعات الشعبية التي عرفناها في بحر العامين المنصرمين، وليس امام أحد مقرات الأمم المتحدة او المفوضية الاوروبية في دمشق بل امام مبنى حكومي وخلف شعارات واضحة تدعو الى رفع حالة الطوارئ والاحكام العرفية والى الحريات والمساواة وحقوق المواطنة للمحرومين منها من الاكراد واطلاق سراح المعتقلين السياسيين، واستكمل الحدث بتقديم مذكرة تتضمن هذه النقاط الى رئيس مجلس الوزراء بصفته الحاكم العرفي الذي امتنع بعد تردد عن مقابلة الوفد الممثل لمختلف التيارات السياسية والحقوقية المشاركة.
يضعنا جديد المشهد السياسي السوري امام عدد من الاشارات والدلالات:
الاشارة الاولى، تدل على مدى انتشار الهم الديموقراطي في المجتمع السوري وتنامي ثقة الناس بدور الاصلاح الديموقراطي في معالجة ازمات البلاد المتفاقمة ومواجهة الاخطار المحدقة بالوطن، بدليل العدد الكبير من القوى السياسية والفاعليات الاجتماعية والحقوقية التي تتكرر مشاركتها في هذه الحشود.
فمثلاً، للمرة الاولى في التاريخ السوري تنطح اكثر من مئتي محامٍ من كل التيارات للدفاع عن المتهمين الاربعة عشر امام المحكمة العسكرية في حلب، وللمرة الاولى تقدم مذكرة الى مكتب رئيس مجلس الوزراء فيها حزمة من المهمات الديموقراطية الملحة، اتفقت على محتواها اكثرية الاحزاب والفاعليات السياسية السورية المعارضة، منها اسماء جبهوية كـ"التجمع الوطني الديموقراطي" و"التحالف الديموقراطي الكردي" و"الجبهة الديموقراطية الكردية" وكل منها يضم خمسة احزاب، ناهيك عن اسماء لاحزاب منفردة كـ"حزب العمل الشيوعي" و"الاتحاد الشعبي" و"يكيتي" الكردي واذا أضفنا اليهم "لجان إحياء المجتمع المدني" وناشطي مناهضة العولمة و"منتدى جمال الاتاسي" و"لجنة نصرة فلسطين والعراق، نجد ان العدد الباقي من الاسماء أغلبه للمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان، كـ"الجمعية السورية لحقوق الانسان" و"لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الانسان" و"المنتدى الثقافي لحقوق الانسان" و"رابطة الدفاع عن حقوق الانسان" و"لجنة الدفاع عن المجردين من الجنسية السورية".
الاشارة الثانية، تتعلق بتطور العلاقة والتفاعل بين العرب والاكراد السوريين على قاعدة الهمّ الديموقراطي العام وبأفق بدأ يتضح شيئاً فشيئاً امام الجميع، بأن المسألة الديموقراطية هي المدخل الوحيد والآن لحل المسألتين القوميتين العربية والكردية، ودونها نعجز جميعنا عن مواجهة معضلاتنا المجتمعية والانسانية والتصدي للتحديات والاخطار الماثلة امامنا في عالم يؤكد كل يوم بأن لا حظ فيه الا للشعوب المتكاتفة والمتحدة.
لقد خطت القوى العربية والكردية عبر هذا الاسلوب النضالي خطوة مهمة نحو بناء اواصر ضرورية من الثقة والاطمئنان ونحو بلورة ايمان مشترك بأن هدف التغيير الديموقراطي هو الوحيد الذي يضمن مساواة جميع القوميات في نظر المجتمع والقانون. واذا استثنينا بعض الاصوات القومية المتطرفة والمغالية، يفرحك ان تسمع في غير حشد تضامني هتافات باللغتين العربية والكردية تدعو الى الاخوة بين الكرد والعرب والى الحريات والى الوحدة الوطنية وترى الى يافطات صغيرة يحملها بعض النشطاء الاكراد تدعو الى رفع حالة الطوارئ والى المساواة امام القانون وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والى جوارها يافطات يحملها نشطاء عرب بالمضمون ذاته.
الاشارة الثالثة: هو الشعور العالي بالمسؤولية الذي يسم سلوك البشر في تجمعات لا تزال تحت سيف الممنوع والمحظور وابتعادهم عن التطرف والمغالاة او اية "اعمال شغب" إن صح التعبير، ما يدل على نضج ملموس عند القوى المنظمة او المشاركة على حد سواء، وايمانها بتغليب لغة العقل بعيداً عن إثارة العواطف والانفعالات وكأنها تريد، الى جانب حرصها على حماسة هذا الشكل المتميز في التعبير عن مواقفها وآرائها، ان تكون اول من يبادر الى ضرب مَثَل مسلكي حول اصول العمل الديموقراطي السلمي وقواعده.
الاشارة الرابعة: تقتضي الاعتراف بأن ما جرى كان في اتجاهه العام بفعل عمل منظم قادته قوى مدنية وسياسية وحقوقية، لكن دون أن نغفل حضور بعض عناصر العفوية التي يبدو انها تمتد مع الزمن وتتسع، تجلت بتنوع الوجوه وتجددها في كل مرة وبارتفاع نسبة المشاركين من الفئات الشبابية والنساء، خصوصاً من اوساط الطلاب والطالبات الجامعيين، هذا على النقيض من التجمعات السابقة ذات الطابع الوطني التي اختصت بدعم نضالات الشعب الفلسطيني او مناهضة الحرب على العراق، اذ كانت الوجوه نفسها تتكرر وهي في غالبيتها من كبار السن والشخصيات العتيقة في العمل السياسي.
إن تكرار هذه التجمعات التي لا تزال رمزية ومحدودة العدد ولا ترقى الى مصاف اختبار القوة بأي حال من الاحوال، استحضر من الذاكرة حيوية الشارع السوري التي غابت طويلاً وساهم في نزع بعض الخوف من قلوب الناس وشجعهم على تجاوز ترددهم وسلبيتهم، هذا اذا لم نقبل برأي المتفائلين الذين يعتبرون هذه الظواهر بداية العد العكسي لإحياء دور الناس في الحياة العامة واعادة بناء الصورة الصحية للحمة وطنية تنأى عن المصالح الضيقة وتقف في وجه التفكك الاجتماعي نحو ملاذات عشائرية او طائفية او قومية.
الاشارة الخامسة: تتعلق بجديد سلوك السلطات السورية التي تقصدت غض الطرف عن مثل هذه النشاطات وآثرت على ما يبدو سياسة الاحتواء والاسترضاء والاكتفاء بمراقبة الحشود ومتابعتها بحذر واحياناً المسارعة على حصار بعض التجمعات الكبيرة وتطويقها من قبل عناصر الشرطة والأمن لعزلها وضمان السيطرة على تحركاتها. ورغم ان السلطات السورية لم تلجأ كاتجاه رئيس كما جرت العادة الى استخدام القوة المفرطة او القمع والاعتقال لتفريق محتشدين يطرحون شعارات عن الديموقراطية وحقوق الانسان واطلاق سراح سجناء سياسيين، فثمة اندفاعات أطلت برأسها هنا وهنا لاستخدام القوة والنفوذ السلطوي معاً، كحال الاعتقالات الموقتة التي جرت لعشرات المشاركين في الاعتصام السلمي الاخير امام مجلس الشعب السوري، وايضاً المحاولات العنيفة لتفريق اعتصام طلاب جامعة حلب وما تبعه من قرارات ظالمة بإحالة خمسة من قادتهم الى مجلس تأديبي مع اقتراح فصل ثلاثة منهم فصلاً نهائياً من الجامعة، جنباً الى جنب مع الاساليب المتنوعة لاعادة زرع الخوف والرعب بين الناس عبر تكرار الاستدعاءات الامنية وتهديد بعض الـنشـطـاء والـتضـييـق عـلى شـروط حـركـتـهم.
بالقياس الى اساليب الماضي يرجع البعض هذا التعاطي "المرن" مع الحشود والتجمعات المعارضة الى أثر الضغوط الخارجية التي يتعرض لها النظام الحاكم في محاولة للظهور بمظهر جديد، مظهر الراغب في الاصلاح والتغيير والمتفهم لاساليب التعبير السلمي عن التعارض والاختلافات، بينما لا يجده آخرون غير صمام أمان تستخدمه السلطة، بين آونة واخرى، لتنفيس الاحتقانات الشعبية والسياسية.
ويبقى السؤال هل يمكن اعتبار هذه التجمعات والاعتصامات المعارضة خطوة على طريق انتصار الحريات وحقوق الانسان في سوريا؟ وهل لها أن تترك اثراً ايجابياً على مسار الاصلاح الديموقراطي وقد بات اكثر من حاجة حيوية في الظروف العصيبة التي تمر البلاد بها، خاصة في مهمتين اسعافيتين، لا تقبلان اي تأجيل، هما رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح السجناء السياسيين من العرب والاكراد تختصرهما لافتة صغيرة حملها طفل أحد المعتقلين السياسيين امام مبنى رئاسة الحكومة السورية تضم كلمتين بسيطتين: اريد بابا!!

"النهار" - الاربعاء 10 آذار 2004

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]