www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
04.08.2003 - 10:28

تأثير الفكر الشمولي على مفهوم الدولة وعلى عقلية السلطة في العالم الأسلامي


عبد الإله إبراهيم باشا الملي - سى رة كانية (رأس العين)


يقول الحكيم زردشت: "لا تكن معلم سوء يقضي على الحياة مجدداً."

إذا نظرنا بموضوعية إلى أنفسنا و إلى محيطنا، لوجدنا أن الثقافة الشمولية قد تمكنت من عقولنا، ولوجدنا أن الفكر الشمولي هو السائد في ساحتنا الفكرية، لقد استطاعت الشمولية بما خلفته من مفاهيم أن تشكل طريقة تفكيرنا كما استطاعت أن تقزم مفهوم الأخر في عقولنا و أن تقزم أيضاً شعورنا الجمعي بمفهوم العقيدة ليفقد العقل ديناميكيته ليكون أداة ميكانيكية للعقيدة التي وثنته لتمسخه حركة الزمن.
ان فشل العالم الإسلامي في تطوير ثقافاته لشموليتها جعلته يلتجىء إلى الثقافة الغربية تعويضاً، فنرى مثقفنا اليوم يتكلم عن الديمقراطية ولكننا نتسائل هل يمكن أن تقوم الديمقراطية دون مجتمع مدني وهل نستطيع أن نتخلى عن شمولية تفكيرنا لإيجاد هذا المجتمع؟
نعم، لقد أصبحت الشمولية عائقاً أمام تطور شعوبنا، فالشعوب لاتتطور إلا أذا تطورت مفاهيمها لتخرج بإرتقائها عن تخلفها، ذلك التخلف الذي إنعكس على مفهوم الدولة و على عقلية السلطة وعلى الوحدة الوطنية من خلال تضارب مشاريع الشموليات "الدينية والقومية والايديولوجية" لخلاف تصوراتها لمفهوم الوطن و خروج هذه التصورات عن وطن الواقع الى وطن الحلم، علماً أن الديمقراطية تهيئ إنفتاح الواقع على الحلم.

النظرة الشاملة تعريفاً

كلمة ألمانية تدل على المفهوم الشامل للعالم world outlook بما فيه من مجتمع وأنظمة كما يراها الفرد أو الجماعة من خلال نسق قيمي. والنظرية الشاملة holisme وهي المبدأ النظري الذي يقرر بأن الشخص أو الجماعة لها كيان كلي Gestalt متميز وفريد من نوعه ولا يمكن فهمه بمجرد دراسة العناصر الفردية أو الجزئيات التي يتكون منها الكل. والكليانية أحد أشكال الحكم مبني على إخضاع الفرد للدولة والسيطرة الصارمة على جميع مظاهر حياة الأمة وطاقاتها المنتجة وذلك على أساس افتراضات فكرية وأيديولوجية تحكمية معينة تبقي الزعامة لتطبيقها في جو من الإجماع المفروض بالإكراه على الشعوب.

الموضوع: "كما تكونوا يولى عليكم"

عانى العالم الإسلامي من الأفكار الشمولية و ما إنفرز عنها من مفاهيم و سياسات أثارت بدورها صراعا مريرا بين النخب التي تسعى إلى إرتقاء الشعوب بتطوير مفاهيمها و بين الحكام المتسترين بالفكر الذين حافظوا على جمود هذه المفاهيم بعقول العامة. و قد انتصر دائما الحكام من خلال عدم إدراك العامة لرفضها للتغير, مما أدى إلى عزل النخبة و تهميشها و حتى صلبها لتتشكل فجوة بين الحاكم و المحكوم تقف عائقا أمام الأرتقاء. يقول زرادشت: "في البدء كانت الفكرة". فالأفكار الشمولية التي هيمنت على العقول من خلال مفاهيمها هي التي أوجدت مفهوم دولة الحاكم (كالدولة الأموية و العباسية ....الخ) ليستفرد الحاكم وآل بيته في السلطة, و لتأخذ الفتوى و القرار مكان القانون في التحليل و التحريم إعتمادا على شمولية العقيدة و تفسير الحاكم لها بحسب رغباته و مصالحه من خلال التنزيه الذي منحه القدسية لممارسة عقيدته سياسيا. لقد خلق الله الناموس1 الكوني و هو (الحق) ليسعى الإنسان إلى عرفانه بالعقل و من خلال جدلية الحقائق النسبية التي شكلت بإتفاقها (الناموس الوضعي) و هو القانون الباحث بارتقائه عن الناموس الكوني ليلتغي التشريع بالإيمان المعرفي بتوحد الأنسان في إرتقائه مع (الحق), و لكن الحكام أرادوا أن يجسدوا حقيقتهم حقا لنا و ذلك لتحديد المطلق بذاتهم فتحولت السلطة من وسيلة للإرتقاء إلى غاية, و أرتبط مصير الحكام بطروحاتهم الشمولية مما أدى إلى إلغاء الحوار إلا من خلال ثوابتها للحفاظ على بقائهم دون النظر إلى المصلحة العامة بالتغير و دون أن تتحقق هذه الطروحات لعدم واقعيتها, فساد مفهوم التسلط على السلطة و شمول العقيدة على الإعتقاد فسلبت إرادة الشعوب و ضعفت (الروح الوطنية) حتى أصبح العالم الإسلامي كالعائلة كرامازوف2 يسوده الحقد و الكره و الأنانية من خلال الخلافات و الإختلافات.
و لا بد من تفحص الحالة المرضية لهذا العالم لإنقاذه من نفسه و من الأخرين و ذلك بدراسة تحليلية موضوعية لمفاهيمه التي صنعت تاريخه. فالتاريخ في هذا العالم قد تشكل في الغالب على منحيين متناقضين و مختلفين:
1- تاريخ الدول: تاريخ سطر بسيوف الحكام المضرجة بالدماء و المصابين بعقدة هذا التاريخ من خلال بحثهم عن الخلود فيه و لو على حساب شعوبهم, و قد عمل هؤلاء الحكام (إلا ما ندر منهم) على توثين الفكر في عقول العامة من أجل التسلط عليها بمساعدة النخبة المزيفة و إثر قمعهم للنخبة الحقيقية

2- تاريخ الشعوب: هذا التاريخ سطرته النخبة المثقفة المدركة لحركة التاريخ بدمائها إثر صلبها فكانت الحضارات و قد تخلد صنعة الحضارات في عقول وارثيها و سعى صنعة الحضارات إلى تحرير العقل من جموده بتطوير المفاهيم لأجل الإرتقاء بالشعوب. و قد أستمر هذا التاريخ المتناقض حتى وصلنا اليوم بمنحى واحد و هو تاريخ الحكام الذين شكلوا بأغلبيتهم العائقة أمام نخبنا في تطويرها لحضارتنا لينتقل المركز الحضاري فيما بعد إلى الغرب.
لقد أصاب العقم عالمنا الشرقي بعد جبنت نخبتنا إثر خوفها من الصلب, فكانت سلفيتنا التي جعلتنا نعيش تناسخا فكريا شكل و ثنيتنا المعاصرة, فأصبحت العقول متفكرة و شل الخوف قدرتها على التفكير حتى أصبحت عتمتنا ثقافتنا نخاف عليها من النور بعد أن توثنت مفاهيمنا و بعد أن أصبح الحاكم مرحعيتنا الفكرية. فالحكام في عالمنا أنصاف آلهة لا بل الآلهة بحد ذاتها بعد أن أصبح الحاكم قرينا لها. فالحاكم كان و مازال تقدم له الشعوب أرواحها و دمائها قرابين فداء لخلوده و أضحت أقواله آيات, و له الأسماء الحسنى فهو (المهيمن) على مقاليد الأمور ( الماكر) في تصفية خصومه (المنتقم) و (القهار) لهم و هو (المتكبر) على رعيته و هو (الأول) في كل الأشياء و (الباقي) إلى الأبد و (الباسط) لنفوذه على الجميع و هو (الوهاب) يهب الملك لمن يشاء و ينزعه عمن يشاء و هو (القدوس) تسبح الشعوب بحمده ليل نهار و هو (الواحد) (الأحد) في أتخاذ القرار (المذل) و (المعز) لمن يشاء ترى صوره في كل مكان و هو غير محدود بالزمان لديه جنة لمؤيده و جهنم بزبانيها لمعارضيه و برزخ للمشكوك بأمرهم, بينه و بين شعبه صراط مستقيم يتسع للمؤمنين به و يضيق بالكافرين, و من قال له (لا) أصبح أبليسا فحلت عليه اللعنة.
إن من أصعب الأمور أن يكتشف الإنسان في يوماً ما أن حقيقته زائفة، وان حريته تكمن في تحرير ذاته من تلك الحقيقة لحقيقة أخرى تقربه من الحق فعبوديتنا المتوارثة قد تشكلت من مفاهيمنا الموثنة بمباركة الحاكم. فالفكر أراده الله لخدمة الإنسان ليرتقي به إلى إنسانيته ليكون خليفته على الأرض. فعلى الإنسان وهو غاية الوجود أن يتحرر من عبوديته للفكر إلى تفهمه و إلى إبداعه ليكون عقله مفكراً ليخرج عن التلقين الذي سيرافقه الى قبره.
لقد شوهت الأفكار الشمولية المطلق في عقولنا إثر تحديده ليكون كما أرادوه لنا, ففقد العقل فضائه ألا فهو (حريته) بالتجريد وحريته بالتعبير والتفكير فكان عبوديته لإلغائهم لذاته. فالعقل البشري الذي يحمله الإنسان قد تشكل من الآخر. فهو يحمل مورثاته الفكرية من السلف الذين استمروا بعقولنا إلى الآن (كالفلاسفة والعلماء والأنبياء) ومن محيطه الذي يعيش فيه، ويسعى هذا العقل المتكون من الآخر لإيجاد ذاته بفكر جديد ليكون هو (الآخر) في عقول من بعده لينقذ نفسه من العدمية وليكون حلقة للارتقاء وصولاً للإنسان المنشود الذي أراده الله خليفة له. فالعقل البشري على تعاقبه يتحمل مسؤولية الإرتقاء ومن خلال العمل الفكري المشترك الذي يمليه الشعور الجمعي الذي يربط (الأنا) بالأخر, فالغاء (الأنا) بالاخر يعني العبودية وإلغاء الأخر ب(الأنا) يعبي الدكتاتورية، وتكامل (الأنا) مع الأخر، هو المسؤولية الجماعية (الديمقراطية) للإرتقاء بالإنسان. فإلغاء المجموع بالفرد هذا ما يريده الحكام الشموليين لنا بعد أن وثنوا المفاهيم في عقولنا من خلال القهر والاستعباد وبعد أن إستبدلوا ذاتهم بالإله إثر حلول مفهوم الإله فيهم، شاهرين سيف الإرتداد عنهم على رقاب العباد، مما أدى إلى انعدام المجال السياسي وذلك للارتباط العضوي بين ماهية الإله والحاكم الذي استمد سلطته من هذا الإرتباط المتجسد عن جمود مفاهيمنا التي سلبت وجودنا لصالحه.

يقول الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه للذين طالبوه بالتخلي عن الخلافة خوفاً من الفتنة: "كيف أخلع ثوباً سربلني إياه3 الله." وقال أيضاً للذين تسألوا عن تقريب مروان ابن الحكم من السلطة بعد أن أبعده رسول الله عن مكة: "إني أوصل الرحم له إجتهاده ولي إجتهادي." ويقول معاوية: "ان الله ساق الخلافة إلى الأمويين قضاءً وقدراً."
ان تنزيه الحاكم جعله يقرن نفسه بمفهوم الإله مما كرس العبودية والإستبداد فأصبحت الشعوب تبحث عن المستبد العادل لشعورها بعدم أهليتها آملة في الوصاية العادلة من مستبد. يقول الجاحظ في كتابه التاج: "يجب على الناس أن لا يتشبهوا بذوي الملك." ان سياسة سلب الوجود التي إتبعها الحكام مع شعوبهم أدت إلى تخلف هذه الشعوب وإستسلامها وخنوعها ليتمكنوا من سلب مقدراتها. يقول هارون الرشيد لسحابة مرت من فوقه: "اذهبي حيث ما شئتي فخراجك لي. ساحسن إلى مسيئكم وأسيئ إلى محسنكم." هكذا تحدث الحجاج في أهل العراق يقول. المسعودي: "ان الحجاج تولى العراق وخراجها مائة ألف ألف درهم, فلم يزل في عنته وسوء سياسته حتى صار خراجها خمس وعشرون ألف ألف درهم." ويقول حسين مروة: "كانت استراتيجية الحجاج أن ياخد أهل العراق جميعاً بما يشبه اليوم بالحكم العرفي أو نظام الطوارىء وكل مواطن مذنب حتى تثبت براءته ولم تكن تثبت براءة أحداً قط."
لقد إستخدم الحكام ثقافة الخوف لسلب إرادة الشعوب للسيطرة عليها. قالوا لنا (رأس الحكمة مخافة الله) وليس محبته. لقد إستبدل الحاكم بأمر الله مفهوم الإله المحب لخلقه إلى إله يقهرهم ويذلهم متى شاء فتبدلت محبة الإله إلى الخوف منه ومن ثم من الحاكم إثر تغييب الإله به حتى أصبح هذا الخوف مناخاً لحياتنا وإسلوباً لتعاملنا. فالشرقي ينام منذ ولادته على ضربات يد أمه خوفاً، وعندما يكبر يكبر خوفه بحكايا العفاريت والجان. وعندما يكبر يكبر خوفه من عذاب القبر وجهنم التي ارتأها رجال الدين مقراً له، ثم يكبر خوفه بعصا استاذه والشرطي وبارهاب العسس4 والحاكم الذي توج راحته من خلال إستسلامنا لخوفنا (صلوا عليه وسلموا تسليما)، هذا ما عكسته ثقافة الإسلام السياسي على عقلية السلطة وعلى مفهوم الدولة.
يذكر البخاري حدثنا محمد بن يوسف عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال: (أصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم.) سمعته من نبيكم.
نعم لقد أتانا الزمان شر من قبله بعد أن إقتحم المستشرقون سحر الشرق بفكهم لطلاسمه أمثال ( لويس ماسنيون) وذلك بدراستهم لمفاهيمه وتحليلها مما سهل على السياسة الغربية تشتيت العائلة الكروموزوفية المتمثلة بالخلافة الإسلامية في تقسيم غير ديموغرافي شكل دولنا المعاصرة، ولكن سياسة سلب الوجود بوصاية الحكام على الشعوب ظلت قائمه لتخدم الغرب. إن تفهم الغرب لمفاهيمنا جعلهم يستبدلون معاوية والحجاج بأمثالهم لتسلط شمولي جديد يختلف فكرياً ويتشابه مسلكياً ليبقى الحاكم كما كان ولكن في خدمتهم وليبقى الإنسان وسيلة لغاية الحاكم والفكر المتستر به. كان سهلاً على الغرب نقل العقل الشمولي إلى شموليات أخرى تساعدهم على الإحتواء في توازنهم السياسي فحافظوا على (الشمولية الدينية) بعد إضعافها وأوجدوا (الشمولية القومية) و (الشمولية الأيديولوجية) فكان صراع الشموليات الذي إنعكس سلباً على (الروح الوطنية). لقد إستغل الغرب غياب المجتمع المدني والديمقراطية في العالم الإسلامي موجدين هذا الصراع خوفاً من تفرد الشمولية الإسلامية من جديد لإرجاع الخلافة، وخوفاً من إنفتاح الدول التي شكلوها بفكر جديد لشرق جديد يخرج عن هيمنتهم. فالغرب الذي نشر التطرف القومي في الشرق هو الذي حال دون الجغرافية القومية باتفاقية (سايكس بيكو)، والغرب الذي أنهى الخلافة الإسلامية هو من يدعم حركات التطرف الإسلامي بإثارة النعرات الدينية والطائفية، والغر ب الذي طور مفهوم الدولة من (الدولة الحامية) لحدودها إلى ( الدولة الراعية) لشعوبها إلى (دولة القانون) هو الذي يساند(دولة الحاكم) لدينا ولا يساعدنا للإهتداء إلى دولة القانون والحق.
والآن يلوح في الآفق إله جديد وهو إله النقاء من خلال الشفافية والعالمية بالعولمة. لقد تطور الإله الحاكم كثيراً في شرقنا ولم نتطور نحن الشرقيون في دولة الحاكم بأمر الله والغرب دون الشعب، والملون لردائه الفكري مع متغيرات العصر، والخافي في داخله فئويته الضيقة، والمتسلط علينا من خلال العبودية المشكلة من المفاهيم الشمولية.

تأثير الفكر الشمولي على الكرد

أما الكرد الذين حرموا من دولة لهم بعد انهيار الخلافة الإسلامية فهم يعيشون كالموالي في الدول التي تقاسمت أوطانهم لشمولية أنظمتها ولعدم احترامها لمفهوم المواطنة. وقد أخذت هذه الدول نماذج لشموليات مختلفة في تسلطها:

1- شمولية الدستور: وهي شمولية قومية متذرعة بالعلمانية والديمقراطية.
2- شمولية الحزب الواحد: وهي شمولية سياسية متذرعة بالقومية والعلمانية.
3- شمولية الفكر الواحد: وهي شمولية دينية تدعي تجاوزها للمفهوم القومي.

لقد اتبعت هذه الدول ذات الطابع الشمولي كل سياسات القهر والصهر وحتى التطهير العرقي لإنهاء كردستان كمفهوم في العقل الكردي (فكراً- شعباً- أرضاً)، فهم يمنعون عن الكرد ثقافتهم، ويصهرون الشعب بقهره وإستعباده، ويغيرون ديمغرافية الأرض. وقد ادت هذه السياسات الظالمة إلى شعور الكرد بأنهم خارج النسيج الوطني، فأخذوا يبحثون عن سبل فكرية سياسية لقاسم مشترك يساوي بينهم وبين الشعوب من أجل التعايش السلمي فتشكل عندهم منحيين فكريين:

1- منحى شمولي اسلامي: وهو من مخلفات الخلافة العثمانية، وهو منحى ديني ذو طابع قومي تم تفريغه في ما بعد من طابعه القومي ليحتوي الفكر القومي الكردي.
2 - منحى أممي شمولي ذو طابع ايديولوجي: جاء هذا المنحى كرَد فعل على فشل الشمولية الاسلامية ويبحث هذا المنحى عن الحق الكردي من خلال الأممية، تم إستخدام هذا المنحى فيما بعد لصالح القومية السائدة أو للضغط عليها تماشياً مع المصلحة السياسية للأممية الدولية دون النظر إلى مصلحة الشعب الكردي في
ذلك او ذاك. وعندما فشلت المنحيين الشموليين (الديني و الايديولوجي) على إيجاد قاسم مشترك بين الشعب الكردي وشعوب هذه الدول كان المنحى الثالث وهو (المنحى القومي).
3- المنحى القومي: وقد تشكل هذا المنحى إثر يأس الكرد من الوطنية المشوهة، ورداً على احتواء الشمولية الدينية والايديولوجية للحق القومي الكردي، وكان هذا المنحى ذو ضعف سياسي لأن وجوده قام على ردود الافعال، إ ذ لم تكن هناك مرجعية فكرية كردية توجه نضاله، فانقسم إلى عدة تيارات من خلال تأثير الفكر الشمولي عليه مخلفاً الصراع الداخلي الذي الهى الكرد عن صراعهم الخارجي، وأختلطت المفاهيم.
اثر هذا الصراع كمفهوم (الوطنية والقومية والدينية والايديولوجية) على مفهوم الدولة واستفادت السلطات من تطرف العقل الكردي مما أعطاها مجالاً ومبرراً لإتهامهم بالإ نفصالية وعدم الوطنية ليأخذ القمع والإضطهاد شرعيته في التعامل معهم. كما أستفادت هذه السلطات من تضارب الشموليات في العقل الكردي، فدفعتهم ليكونوا وقوداً للصراع الإ قليمي الإقليمي بإقتتال الأخوة وكما انها شجعت الشمولية الدينية والأممية عند الكرد لتكوين العائقة أمام ثقافتهم والحداثة لتشويههم استراتيجياً ليبقوا تحت الوصاية الاقليمية، فعملت على إبراز رموز هذه الثقافات من الكرد وذلك لإحتواء نضالهم القومي الإ نساني ولكي يستعوضوا الكرد فيهم في التمثيل الوطني، فهم لا يقبلون الكردي إلا إذا استعرب أو استترك أو إذا داس على نسبه تذرعاً بالاممية. وقد استفادت الحركة القومية الكردية من معاناتها ويحاول النٌيرون الكرد الان محاربة الفكر الشمولي عند خصومهم، وفي الشارع الكردي بالديمقراطية مع احترامهم (للأنا) ولمفهوم الآ خر لتتجسد المواطنة بمعناها الصحيح ليتم الإنفتاح من خلالها إلى الكوكبة. فالمشاعر القومية والدينية والاممية مشاعر انسانية نبيلة إن تخلت عن شموليتها، وقد تتشكل الاوطان من قوميات وأديان وأفكار مختلفة وهذا لايعطي حق التمايز بينها. فالوطنية وجدت لتجسد تعايش هذه الشعوب مع بعضها من خلال إحترام الخاصية. فالكردي شريك في وطنه بحقوقه و واجباته، وإلا انعدمت الوطنية عن الذين ينكرون حقه في هذا. فالوطن الذي تصنف سلطته شعوبها على مزاجها دون القانون تتشوه فيه الوطنية ليكون منفذاً لأعدائه. "فلو لم يرمي أبناء اسحق أخاهم يوسف في البئر لما ذهب إلى فرعون."

خلاصة طرحنا:

ان العالم الإسلامي كان ومايزال أضحية للأفكار الشمولية التي هيئت مناخاً للتطرف بإلغائها للآخر، فأصبح مفهوم الوطن مشوهاً بعد أن حل محله وطن الحلم من خلال سيطرة الشموليات (الدينية والقومية والايديولوجية) على تفكيرنا ليتجاوز الوطن الحلم وطن الواقع وهو الوطن الذي نعيش فيه القادر على احتضان كل هذه الأفكار ومشاعرها الإنسانية النبيلة أن تخلت عن شموليتها للاندماج الإجتماعي بإحترامها لمفهوم (المواطنة) ليكون المواطن شريكاً لدولته في الحقوق والواجبات تحت حماية القانون ليخرج من هيمنة الحكام الرعاة المتذرعين بالعقيدة والعقائدية التي خلقت مجالاً للتطرف و التمييز من خلال المنظار الفئوي المنبعث عن شمولياتها المختلفة حتى أصبحت الأوطان ميداناً لصراع هذه الأفكار العقائدية داخلياً وخارجياً لما خلفته من مفاهيم جامدة ومتناقضة ترفض الحوار ولا تحترم النسبية، مما أدى إلى تمكين الديكتاتوريات المتنوعة من السلطة التي عززت وجودها بصراع هذه الشموليات لتكون ملهاةً للعامة المصلوبة لحكامها ولتبقى كما كانت أداة لصلب نخبتها الخيرة على مذابح أوثانها الفكرية (من المسيح إلى الحسين ومن الحلاج إلى حسين مروة) لتغسل فيما بعد دماء قرابينها ببكائها بعد ندمهاولتبقى دائماً تحت هيمنة الحاكم بأمرالله دونها، ولتبقى السلطة كما عهدتها قضاءً وقدراً عليها في (دولة الحاكم) تلك الدولة التي لم تتطور لتخلف شعوبها عن الإرتقاء بسبب تناسخها الفكري واثر صلبها لنخبتها، ومن تسلط حكامها الذين عجزوا فيما بعد عن مواجهة الطامعين في بلادهم بتلك الشعوب المقهورة والمذلولة والضعيفة لتخلفها، فخضعوا لاعدائهم خوفاً على السلطة، فزادوا القهر قهراً والذل ذلاً والضعف ضعفاً لشعوبهم المغلوبة على أمرها من جشع الغرب ومنهم.
وما حدث في (11) ايلول في أمريكا وغيرها من الاحداث هو انقلاب السحر على الساحر كقول زردشت (وجعلنا الشر عقاباً على الشر وجعلنا الخير وفاقا). فالعالم المتطور الذي ساند السلطات الشمولية بألوانها للحفاظ على مصالحه في الشرق بتوازن إقليمي يضمن ولاء الدول وتبعياتها، انعكست عليه هذه المساندة ضرراً، إذ أنها مرقت عن توازنه بعد الحرب الباردة للتتكتل ضده بالرغم من خلاف شمولياتها. فكل ما يعانيه العالم هذا اليوم من إرهاب للدولة أو الأفراد هو نتاج الفكر الشمولي أو استغلاله للهيمنة على الشعوب. فالفكر الشمولي هيئ مناخاً للاستعباد الفكري ليكون الإنسان عبداً للفكرة ومن ثم لمن يستغلها سياسياً لمصلحته أو لمن يستغل وجودها في ضغظ سياسي تحت غطاء حقوق الإنسان والديمقراطية، تلك الديمقراطية التي لا يمكن أن تقوم في هذا المناخ المصادر لعقول العامة لتكون مريدة لحكامها المريدين لمن يساندهم في تسلطهم. ولكننا نأمل بعد ما حصل في (11) ايلول من الغرب أن يتخلى عن سياسة التوازن والاحتواء السلبية الداعمة للشموليات إلى مساعدة الشعوب بمساندة نخبتها في نضالها لتتمكن من نشر الوعي للتخلص من المفاهيم البالية التي أورثت الشعوب جهلها لتتحرر السلطة من التسلط لتكون سلطة الشعب للشعب (الديمقراطية). فالدول في عالمنا الإسلامي لا تعيش شعوبها الحالة الطبيعية لشمولية تفكيرها، فوقفت عاجزة أمام الدمج الإجتماعي وأمام مستجدات الفكر العالمي الإنساني "الحداثة" و هي الآن بحاجة إلى التطبيع الثقافي فيما بينها و مع الآخرين من خلال تطوير المفاهيم أو تغييرها من خلال الحوار والنضال لإيجاد مجتمع مدني يحترم مفهوم الآخر لتحقيق الديمقراطية و مفهوم المواطنة ليعم الخير هذا العالم من خلال الحرية وهي نسبية تخضع لتطور ولوعي الشعوب ودورها في تحمل المسألة الكونية.
يقول زردشت في الأفستا 34\3: "أين أيها الحكيم سوف يكون المخلص مستحوذ "العقل الخير" هؤلاء الذين أحالوا العقائد والمورثات إلى معاناة وعذاب. سوف يكون مصيرهم الجحيم، ولكنني لا أعرف غيرك فانقدنا بواسطة الحق."

1- الناموس: القانون
2- عائلة كراوازوف: من الأدب الروسي لدوستفسكي تروي قصة أب ماجن وأبنائه الأخوة الأعداء
3- سربلني أياه: البسني أياه
4-العسس: عيون الحاكم

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]