www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
28.02.2003 - 14:30

الحملة العسكرية الامريكية المرتقبة على العراق
ومخاطر دور الجيش التركي


د. عبد الحكيم بشار

رغم اشتداد الحملة العالمية - المناهضة للحملة العسكرية الأمريكية - المحتملة ضد العراق ، عبر مظاهرات شملت مئات المدن في مختلف دول العالم ، عبر فيها ملايين المتظاهرين عن رفضهم للتدخل العسكري الأمريكي في العراق إلى جانب المواقف الرسمية للعديد من الدول الأوربية الحليفة لأمريكا - فرنسا - ألمانيا وبلجيكا ، إضافة إلى دول أخرى ذات نفوذ ( كالصين وروسيا ) والمناهضة للحرب . إلا أن كل المؤشرات تدل على أن قرار الحرب قد اتخذ وأن أمريكا عازمة على تنفيذ مخططاتها في المنطقة التي تبدأ بالتدخل العسكري في العراق .
إن تلك المظاهرات العارمة ومناهضة العديد من الدول للتدخل العسكري الأمريكي لا يعني بأي شكل من الأشكال دعمها للنظام العراقي الدكتاتوري بل إن معظم تلك الدول تطالب بتغيير ديمقراطي في العراق . هذا التغيير الذي لا يمكن أن يحصل مع استمرار النظام الدموي على رأس السلطة ، لأن وجود هذا النظام يتناقض كلياً ومفهوم الديمقراطية . لذلك يجب أن ندرك أن تلك المظاهرات فقط لمناهضة الحرب وليس تأييداً للنظام الدكتاتوري الذي جلب الويلات ليس للشعب العراقي بعربه وأكراده بل للمنطقة جمعاء . وإن الخطوة الأولى للديمقراطية في العراق تبدأ بإزاحة النظام عن سدة الحكم فيها .
إلا أن تشبث هذا النظام بالسلطة واستعداده لدفع الملايين من أبناء الشعب العراقي إلى أتون حرب غير متكافئة مع الولايات المتحدة كقرابين دفاعاً عن عرشه واحتفاظه بالسلطة لأشهر أو أسابيع أخرى الأمر الذي يخلق مسوغات إضافية لدى أمريكا لشن الحرب ضد العراق ، ناهيكم عن الدمار الهائل الذي سيلحق بالعراق من جراء تلك الحرب .
إن الحرب المرتقبة ضد العراق وحسب تحليل معظم الخبراء العسكريين سوف تبدأ بحملة جوية مكثفة ولأسابيع عدة بغية تدمير مراكز القيادة ووسائل الاتصال والمطارات وغيرها من القواعد الثابتة ذات الدور الاستراتيجي في المعركة ، لتبدأ بعدها حملة عسكرية برية غايتها دخول العاصمة العراقية وإسقاط النظام العراقي .
وهنا يبدأ الدور المحتمل للجيش التركي ، فالحملة البرية قد تتطلب أعداداً متزايدة من الجنود خاصة إذا لاقت مقاومة من قبل الجيش العراقي وكذلك قد يتعرض الجيش المهاجم لخسائر بشرية كبيرة الأمر الذي تتجنبه أمريكا وترغب بزج قوات أخرى عراقية أو عربية أو أجنبية في الحملة البرية ، ويبدو أن الجيش التركي أكثر تلك الجيوش استعداداً سواء على الصعيد العسكري أو السياسي ولكونها جزءاً من حلف الناتو أو لأسباب جغرافية إضافة إلى الرغبة الملحة لدى الساسة الأتراك للتدخل في العراق . فالجيش التركي وإن كان يبدو في الظاهر سوف يلعب دوراً مؤازراً للجيش الأمريكي إلا أن له أهدافاً عسكرية وسياسية واقتصادية مختلفة عن الأهداف الأمريكية للتدخل في العراق والتي يمكن إيجازها بما يلي :
1- السعي لضم ولايتي الموصل وكركوك إلى الدولة التركية استناداً إلى اتفاقيات قديمة في فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية ، وقد عبر العديد من الساسة الأتراك وجنرالاتها عن رغبتهم في ذلك
2- إذا لم تستطع ضم الولايتين السابقتين لأسباب متعددة عراقية وعربية وإقليمية ودولية فإنها ستحاول الاحتفاظ بها لفترة طويلة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية .
3- السيطرة على منابع النفط في كركوك وخانقين أو جزء منها سواء عن طريق الضم إن أمكن أو البقاء فيها لفترة طويلة واستثمار آبارها النفطية لمصلحة اقتصادها المنهار .
4- السعي لمنع حصول الشعب الكردي في كردستان العراق على أي نوع من الحقوق القومية وخاصة الفيدرالية لأن ذلك يشكل خطراً حقيقياً على تركيا ووحدة أراضيها _ حسب زعمها - وهذا إقرار غير مباشر من تركيا بوجود قضية كردية .
5- في حال تطور الأوضاع نحو الاستقرار في العراق بعد إزاحة النظام العراقي وتوجه أبناء الشعب العراقي نحو إقرار عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي ، فإن الجيش التركي سيلعب دوراً هاماً وأساسياً لصالح الأقلية التركمانية وستطالب تركيا بفيدرالية لها على غرار الفيدرالية الكردية مما سيزيد الأوضاع تعقيداً ، وقد تلجأ إلى إعلان فيدرالية تركمانية في مناطق كركوك من طرف واحد وتحت رعاية ووصاية وحماية الجيش التركي كما فعلت في قبرص ، أي ستحاول نقل التجربة القبرصية إلى كردستان العراق مستفيدة من وجود أقلية تركمانية مرتبطة بها رغم أن غالبية التركمان يقرون أن يصبحوا ضمن الفيدرالية الكردية .
6- قد يستقر الجيش التركي لفترة طويلة في كردستان العراق خاصة في المناطق الجبلية الوعرة من خلال وحدات عسكرية ضخمة بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني وحماية حدودها مما سيخلق متاعب إضافية للشعب الكردي في كردستان العراق ومزيداً من عدم الاستقرار وإمكانية التدخل في الشؤون الكردية باستمرار.
وإدراكاً من الرئيس مسعود البارزاني لهذا الدور الخطر للجيش التركي فقد أكد مراراً وبكل حزم وفي كل المحافل الدولية والمناسبات واللقاءات ولجميع وسائل الإعلام التي أجرت مقابلات مع سيادته وكذلك للساسة الأتراك أنفسهم رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني لأي تدخل للجيش التركي وبأية ذريعة في الأراضي العراقية واستعداد الحزب الديمقراطي لمحاربته بكل ما يملك من قوة .
إن هذا الموقف الحكيم والشجاع من الرئيس مسعود البارزاني يدل على عمق وصلابة وطنيته العراقية أولاً وعلى مدى استعداده للتضحية من أجل أبناء شعبه الكردي ثانياً وعلى فهمه العميق لمخاطر تدخل الجيش التركي في شؤون العراق الداخلية .
لذلك فإن على جميع القوى العراقية من عربية وكردية بمختلف انتماءاتها إدراك هذا الخطر وعدم الانجرار وراء الرغبة الملحة والجامحة لتغيير النظام العراقي بخطوات ومواقف غير مدروسة .
صحيح إن تغيير النظام العراقي الدموي يجب أن يكون هدفاً استراتيجياً لكل القوى الوطنية العراقية إلا أن أسلوب هذا التغيير وطرق تنفيذه يجب أن تدرس بعناية فائقة .
إن مخاطر تدخل الجيش التركي في العراق وخاصة في كردستان قد تحمل في طياتها مخاطر تماثل بل تفوق في بعض جوانبها تلك التي يشكلها النظام العراقي نفسه .
ومن هنا فإن رفض تدخل الجيش التركي يجب أن يكون مطلباً عراقياً عاماً بعربه وأكراده وإقليمياً وعربياً ، ويجب اتخاذ موقف حازم وواضح بهذا الصدد لكي لا نقع مرة أخرى في شرك الألاعيب الدولية والإقليمية ونكون ضحية لمواقف عاطفية غير مدروسة ، وأن يفسح للشعب العراقي بعربه وأكراده مجال لإعادة ترتيب بيته الداخلي بعد إزاحة نظام الاستبداد بإرادة عراقية حرة في عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي ( الديمقراطية للعراق والفيدرالية لكردستان العراق ) يحقق السيادة للعراق والتطور والازدهار والديمقراطية لأبنائه.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]