www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
21.06.2003 - 15:10

الحركة الكردية في سوريا بحاجة الى منهاج عمل عصري و ممكن

Dr. Memo
Dr.memo@amude.com

كثرت في الآونة الأخيرة المقولات حول ما تعانيه الحركة الكردية في سوريا من ثغرات و اخطاء تمس عن قرب سياساتها المتبعة حيال الوضع الكردي المغبون و المتمثلة في المطالب السياسية المطروحة من قبل ألوان الطيف السياسي الذي بلا شك يعكس نبض الشارع الكردي بشكل أو بآخر.

طبعا هنا نحن لسنا بصدد إعطاء وصفات جاهزة بغية الإستهتار بهذا النضال الذي يمتد إلى عقود و إنما محاولة لترتيب البيت الكردي سياسيا بهدف لم الشمل و دفع العجلةالى الأمام آملين الوصول الى رسم سياسة واقعية و منطقية تتماشى مع القيم السياسية الحديثة التي أفرزتها التغيرات العاصفة التي إجتاحت العالم من جراء الإنفجارات التي هزت نيو يورك و واشنطن. لكن ما يثير الدهشة و يبعث علىالإشمئزاز هو التقاعس الذي يبديه بعض رموز الحركة الى يومنا هذا و عدم التجاوب مع هذه المعطيات الساخنة ان كان سلبا أو إيجابا, هذا إن دل على شيئ فإنما يدل مدى سيطرة اللامبالاة في النضال من جهة و عدم الرغبة في التجديد و التحديث بما فيه مصلحة الشعب من جهة ثانية.

عند الإمعان في تطور الحركة السياسية الكردية نجد أنها قد تأثرت بمجموعة عوامل لعبت دورا اساسيا في تشكيلها و من ثم نضجها إنتهاء بالتشرذم الذي صار ينهش جسمها في منتصف السبعينات و إلى يومنا هذا يستمر النزيف الذي أبى أن يتوقف رافضا كل الحلول المقترحة و التي من شأنها تضميد الجراح و بلوغ الشفاء التام.

كما نوهنا مسبقا بأن الحركة الكردية مرت بمراحل عدة نستطيع أن نوجزها على الشكل التالي:

المرحلة الأولى:
هي مرحلة التكوين و التنشئة، حيث نعتبرها مرحلة بداية تكوين الشعور القومي العفوي الذي كان انعكاسا لنبض الشارع الكردي و للمظالم الذي تعرض لها هذا الشعب من جهة و انشار الفكر القومي مع بروز و ولادة حركات التحرر المرتبطة بتكوين معسكر وارسو الذي اوقف جماح الدول المنتصرة في الحرب. هذه المرحلة غلبت عليها الطابع العاطفي العفوي الممزوج بشعارات ماركسية يسارية و الدليل في هذا أغلب الذين شاركوا في تأسيس الحزب كانوا اما أعضاء في الحزب الشيوعي أو كانوا من الملتزمين بالماركسية اللينينية التي لم تكن حكرا على الأكراد فقط بل امتدت الى كل بقاع الدنيا غير آبهة بالجغرافيا.

المرحلة الثانية:
هي مرحلة الإنشقاقات و التي يزعم أصحابها أنها كانت نتيجة الفرز الطبقي الذي تمخض عن ظهور اليمين و اليسار الكرديين، علاوة على ظهور تيار ثالث أطلق عليه لقب الحيادي الذي اعلن ولائه لقائد الثورة الكردية الملا مصطفى البارازاني رحمه الله. وتتالت الإنقسامات بعدئذ الى ما لا نهاية حتى وصل بالمجتمع الكردي الى حافة الإنهيار الذي لم يعد يثق بكل ماهو حزبي و قومي حيث عم اليأس و دب الجمود في صفوف الشعب مما أدى الى فقدان المصداقية و الشرعية لهذه الحركة السياسية و التي كانت في يوم من الأيام الممثل لطموحات و آمال هذا الشعب المغلوب على أمره. هذا كله أدى إلى ابتعاد نسبة لا يستهان بها من الشباب الكردي المتحمس لقوميته و الغيور على حركته من المعترك السياسي وتهميش دوره من قبل أناس تبؤوا مناصب قيادية للحفاظ على المصالح الشخصية ان لم نقل الكل حيث خلق فراغا سياسيا لا مثيل له. طبعا هذه المرحلة كما سابقتها تفتقد المنطق في جل أمورها ما عدا بعض المناورات السياسية المسؤولة والتي نادت بالشارع الكردي الى الممارسة العملية و الكف عن اسلوب البيانات و الاجتماعات.

المرحلة الثالثة:
هي مرحلة الأندماج و التوحيد. طبعا هي مرحلة نوعية في أسلوب النضال نهجا و ممارسة و لكن للأسف أجهض المشروع في عقر داره نتيجة الأعتقالات التي طالت رموزها المخلصين و الذين بدون أدنى شك يمثلون الآمال المعقودة. طبعا هذه المرحلة تتمثل في ظهور "يكيتي" الذي كان و قبيل الانشقاق يعبر عن وحدة اندماجية لمجموعة من الشرائح و الاحزاب و التي رأت في حالة التشرذم وأد القضية و حالة من اللامسؤولية قل نظيرها في التاريخ.

المرحلة الرابعة:
هي المرحلة الأجرأ في تاريخ الحركة الكردية و التي توجت بالمظاهرة السلمية المنظمة من قبل "يكيتي" أمام مجلس الشعب في شهر كانون الأول من العام المنصرم، والتي أدت الى اعتقال أثنين من منظميها، هما: حسن صالح و مروان عثمان، الذين ينتظران حكمهما بتهمة إثارة النعرات الطائفية و إقتطاع جزء من ارض الوطن. بتصوري هذا يشكل الإنعطاف التاريخي في الممارسة السياسية للحركة الكردية من شأنها الإقتداء بهذا النهج العصري و العملي و الذي طال إنتظاره.


بهذه المقدمة المقتضبة حاولنا جاهدا التوقف عند أهم المنعطفات التي مرت بها الحركة الكردية في سورية بقصد تشخيص المرض و سد الخلل الناجم عنه ليس بقصد التجريح أو الإساءة اليها في الوقت الذي كنا نحن أيضا ضمن صفوفها و شاركنا في إرتكاب الاخطاء. طبعا هنا ليس لتبرئة الموقف ووصم أنفسنا بالشرفاء و نعت الآخرين بالعكس في الوقت الذي نكن الأحترام للجميع بغض النظر عن اختلافنا معهم فكرا و ممارسة.

طبعا هذه الحركة لن تتشكل بمعزل عن الظروف المحيطة بها وطنيا و إقليميا و عالميا، فمنذ بدايات تشكلها بدت عليها علامات الفكر العالمي المتجسد في العلم الماركسي وهي كباقي الحركات السياسية تعيش علاقة تاثير و تاثر مع الوسط المحيط وتتفاعل مع مفرزات السياسة الوطنية و الإقليمية و العالمية حيث على ضوئهاء ترسم سياسة منطقية و عقلانية. اذاً نستطيع القول بأن الحركة الكردية بأهدافها وسلوكها تصلبت في معمعان صراع المعسكرين الأمبريالي و الإشتراكي و بالتالي أقلمت كثيراً من سلوكياتها تبعا لهذا الصراع الذي كان و بحق يطال كل بيت مهما إدعيت الحيادية او حاصرت نفسك في كهوف و مغارات معزولة عن الحضارة و الناس.

نستنتج مما سبق بأننا امام امتحان صعب يستوجب تجاوزه التمتع بالحنكة السياسية المرنة و الفكر الوقاد الحي و المرتكز على منجزات العلوم السياسية الأخيرة و التي فعلا تغيرت و اصابها تبدلات جذرية من جراء انهيار الاشتراكية و بروز الولايات المتحدة كجبروت اقتصادي عسكري و اعلامي وهي بجدارة تقود هذه الثورة المعلوماتية غير آبهة بالحدود السياسية و الطبيعية و لا تعير أي إهتمام للثقافات و الحضارات حتى ليس بمقدور أجهزة الأمن و التي تراقب عن كثب كل شاردة و واردة أن تكبح جماح هذا الاخطبوط.

اذا نستطيع القول بان الحركة الكردية كانت انعكاسا واضحا للواقع المعاش بكافة تجلياته السياسية و الثقافية و الاقتصادية و هي بلا شك رد فعل على أعمال ارتكبت بحق هذا الشعب الذي ابى في يوم من الأيام ان يكون مهمشا و سلبيا، يعني بالمختصر المفيد تشكلت وولدت من جراء تفاعل الظروف الذاتية و الموضوعية التي كانت تعكس الصراع الايديولوجي في تلك الحقبة التاريخية و الذي القى بظلاله على مجمل الفكر الانساني حتى بمقدورنا القول بان العامل الموضوعي كان له الدور السائد في ذلك الزمن نتيجة بروز معسكرين عالميين وتدخلهما السافر في الشؤون الداخلية بقصد الدفاع عن مصالح الشعوب و حماية الانسان من الاعتداء و الظلم، الا انه في حقيقة الامر لم يكن سوى اساليب فظة للتلاعب بمشاعر الناس و تمرير مصالحهم الجيوسياسية متبعا بذلك الاسلوب الميكيافيللي البعيد كل البعد عن المنطق و العقلانية ان لم يكن قريبا الى التعامل القروسطي المتوحش و الشرس.

مما لا يمكن إخفائه هو ان السياسة هي فن الممكن و هي تتغير بفعل الظروف المحيطة بها فلا توجد مبادئ و لا مواقف ثابتة بل هي عرضة للتغيير كل لحظة تبعا للمستجدات و التغييرات السياسية المؤثرة والتي بموجبها توضع الاستراتيجية الملائمة و الواقعية. هنا نحن امام مشهد سياسي جديد وظرف موضوعي مختلف تمام الاختلاف عن الظرف التي تشكلت فيه الحركة الكردية بكافة تجلياتها المحتملة. ففي الماضي كنا نعيش سياسة القطبين العملاقين وعلى ضوء التناقض بينهما كنا نرسم سياسة موالية لهذا الطرف او ذاك. اما في الوقت الحالي فالامور ليست كذلك بل العكس، فانفراد امريكا بالعالم وظهور الطفرات في المواقف الساسية بعد الذي حدث في نيويورك و واشنطن يحثنا على المضي قدما نحو التغيير و التحديث في النهج و الممارسة لاستيعاب العصر و عصرنة القضية الكردية بهدف شرعنتها و اضفاء الطابع الانساني عليها لا ان نبقى اسرى مفاهيم رثة و مبادئ صارت وبالا عل القضية و التي من المحتمل ان تتسبب في فشلها ان لم يكن دفنها.

فالحركة الكردية السياسية هي وليدة العقد السادس من العام المنصرم لذلك فالخطاب السياسي نفسه افراز لتلك المرحلة التي انتهت كما اسلفنا بشكل ماساوي. ومن الطبيعي ان تكون الاهداف و برامج عملها انعكاس مباشر لها، فهي لم تستطع ان تخرج من الاطار الكلاسيكي الرجعي القروسطي حيث لم تستطع حتى الحفاظ على ذاتها ناهيك عن البؤس و اليأس الذي نشرتهما بين صفوف الشعب الذي لم يبخل في يوم من الايام بشيئ لما فيه خدمة للمصلحة العامة المتجسدة في النضال المستمر لاحقاق الحق المشروع و الوصول الى الهدف المنشود الذي نصبو اليه منذ غابر الازمان. فاذا اعتبرنا ان السياسة هي فن الممكن، لا بل الاصح فن ممارسة الممكن باساليب ممكنة و عصرية، سنكون امام احد الامرين، اما التغيير الذي قوامه المنطق و الواقعية الذي ينتج عن القراءة الموضوعية و النقدية للواقع الملموس و الماضي التليد، و اما البقاء على المبادئ و القيم البالية و المهترئة التي لا تجلب سوى التراجع و التآكل و الانحطاط.
نرى مما سبق بان الحركة الكردية ان تداركت حجم المخاطر التي تحيطها من جراء سياسات غير عصرية ستختار الحل الامثل و تعود الى جادة الصواب، طبعا بفضل تضحيات المخلصين في صفوفها و الذين لا تهمهم المناصب و لا تزعزعهم المصالح الآنية الضيقة، همهم الوحيد هو اخراج الحركة من هذا المازق الى بر الامان لاتمام المسيرة المقدسة باهدافها و نواياها النابعة من صدق القضية و عدالتها و انسانيتها.

اذا فالممارسة العملية المتجسدة في اقامة المظاهرات و الاحتجاجات السلمية و الاضرابات الجماعية و عقد مؤتمرات صحفية هي الاجدى نفعا و الانجح وسيلة بشرط ان يغلب عليه الطابع الاجماعي و ليس الانفراد المغامر من طرف بعض الناس همهم ابراز النفس تمشيا مع المثل القائل [خالف تعرف] من صلب السياسة الحالية وشعار المرحلة المقبلة لانه ثبت و بالدليل القاطع ان النضال الذي مورس زهاء نصف قرن مع احترامنا الشديد له لن يجدي نفعا و لن يجلب سوى التقهقر.

كفانا تطبيلا و تزميرا و تقزيم هذه القضية الى هذا المستوى من الانحطاط الخلقي الذي سببه الاساسي هو اللامسؤولية والخوف من التضحيات التي بدونها يستحيل احراز النصر و تحقيق الغايات النبيلة. لذلك نهيب بكافة القوى السياسية ان تكون على قدر كبير من المسؤولية الاخلاقية و تكون عند حسن ظن الشارع الكردي الذي اثبت و يثبت على مر الدوام جاهزيته الكاملة لخوض هذا النوع من النضال الذي و بدون شك سيكون مثمرا و فعالا خاصة في ظل ظروف سياسية ملائمة لم يعد هناك خوف كما سابقا، لان التاريخ لن يرحم أولئك الذين يتلاعبون بمصائر الشعوب. فالتغيير آت لا محالة من الهروب امام هذا السيل الجارف و العاصفة الهوجاء التي لن ترحم المتهاونين و لمستسلمين و الديماغوجيين.

21.06.2003

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]