www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
27.11.2003 - 14:42

مؤتمر واشنطن والقشة التي تقصم ظهر البعير

جان كورد
cankurd@hotmail.com

انعقد مؤتمر واشنطن الذي أعلن فيه تأسيس "التحالف الديموقراطي السوري" في 15-16/11/2003 بعد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات التي جرت بين أطراف التحالف في أوروبا خلال شهور من هذا العام، ولكن الماكينة الدعائية للنظام الحاكم في دمشق تصر على أن هذا التحالف جاء مباشرة بعد صدور "قانون محاسبة سورية" عن الكونغرس الأمريكي، وفي هذا تجن على الحقيقة ومحاولة لإيهام الشعب السوري المظلوم والجائع - على حد تعبير السيد فريد الغادري رئيس التحالف – بأن المؤتمركان مجرد تلبية لطلب أمريكي بهدف الضغط على "القيادة الوطنية الصامدة في وجه الإمبريالية والصهيونية!" للتراجع عن مواقفها "الصلبة!!" حيال السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبهذا التحريف وغيره يتم التلاعب بعقول المواطنين وتخديرهم وتحريف انتباهم عن جذور المشكلة السورية المتأزمة نتيجة سيطرة حزب البعث بالقوة على زمام الحكم منذ أكثر أربعين عاما.

الأكذوبة الثانية حول مؤتمر واشنطن هي أن النظام ينشر داعية مفادها أنه عقد في منتدى (إيباك) اليهودي وذلك عبر أبواق الدعاية المباشرة وغير المباشرة وعن طريق بعض المرتزقة الذين تم الاستعانة بهم لاطالة عمر النظام كما فعلت الدول الاشتراكية من قبل – على حد قول الدكتور توفيق حمدوش عضو رئاسة التحالف الديموقراطي السوري -.. والحقيقة أن المؤتمر لم ينعقد في أي منتدى لأية منظمة أمريكية أو يهودية..والنظام يدرك ذلك جيدا لأن عملاءه كانوا يراقبون كل حركة من حركات الأشخاص الذين حضروا ذلك المؤتمر ويعلم من خلال ذلك أن ما ينشرحول مكان عقد المؤتمر باطل لا أساس له..

ومن الادعاءات الباطلة أيضا أن هذا المؤتمر ومن حضره يتحركون وفق أوامر بول وولفيتز نائب وزير الدفاع الأمريكي، وهذا مجرد افتراء لأن أي حديث عن مثل هذه العلاقة لم يكن موضوع المؤتمر وانما إقامة علاقات متوازنة مع الشعب السوري والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة يمكن أن تكون مثمرة، وتم فضح سياسة الحكومة السورية التي تعول كثيرا على التعاون الأمني مع الأجهزة الاستخباراتية الدولية عامة والأمريكية خاصة بهدف ارضاء الإدارة الأمريكية وارضاء بول وولفيتز  وجماعته على وجه الخصوص، في حين أن الحكومة السورية تتذمر من أية علاقة بين المعارضة السورية والولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوربي وتدعي بأن ذلك سيكون في مصلحة "الإخوان المسلمين" الذين يتحيون الفرص لزحزحة حزب البعث العربي الاشتراكي عن الحكم ، وهذا ما سيؤثر في التوازن الاقليمي لغير صالح الدول الغربية واسرائيل حسب ما تنشره الحكومة السورية، ومن الأفضل للغربيين السماح للبعث بممارسة قمعه للشعب السوري لكبت المعارضة الإسلامية... ولقد جند بعض "المعترضين" أنفسهم لخدمة هذه السياسة السورية وفي مقدمتهم "هيثم مناع" الذي كان يتفاخر بمعارضته للنظام عقودا من الزمن ثم اكتشف في لحظة عفو شخصي عنه أن النظام "وطني وحليف له" في النضال ضد بول وولفيتز وأتباعه من "التحالف الديموقراطي السوري" ، بل وصل الأمر بهذا الذي يلعب على الحبال بأكروباتية رديئة للغاية إلى أن ينزل إلى درك القذائف والشتائم الشارعية في مقابلة تلفزيونية للجزيرة جرت يوم 19/11/2003 ليخرج الحوار مع المسؤولين عن "التحالف الديموقراطي السوري" إلى حوار شتائم شخصية بهدف إفراغه من مضمونه، وانطلق يلوك ألفاظا وكلمات يخجل المرء من تكرارها هنا ومتهما كل المتحالفين مع السيد فريد الغادري بتهم ترمي الشكوك حول مقاصد السيد هيثم مناع وحول حقيقة معارضته للنظام القائم، ولكنه لحسن الحظ فشل تماما في جر المتحاورين مع الجزيرة إلى ذلك المستوى المتدني من قذف الشتائم..

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: " هل تم تكليفه بذلك من قبل جهاز أمن سوري ، أم هذا كان مستواه الحقيقي من قبل ولم يكن قد كشف عن ذاته هذه إلا بعد التلذذ بالعفو الصادر بحقه دون غيره من المعارضين الذين افتخر في تلك المقابلة بأنه يمثلهم؟..."

ادعى السيد المعترض هيثم المناع الذي يقلد نائب رئيس الجمهورية السورية السيد عبد الحليم خدام في هدوئه وقسوة ألفاظه أن هذا التحالف يعمل من أجل إيجاد سورية بول وولفيتز، لمجرد أن التحالف عقد مؤتمره التأسيسي في واشنطن، فهل يمكن اعتبار الإخوان المسلمين ومعهم هيثم المناع هذا عملاء للمملكة البريطانية لأنهم أعلنوا ميثاقهم من لندن فيما مضى؟ ومن أين له المعلومات عن علاقة هذا التحالف ببول وولفيتز؟ أم أنه يظن ويشك والظن لايغني عن الحق شيئا؟.. ولماذا يشطب على أطراف معارضة بهذه السرعة دون أن يسألهم أو يسأل بعضهم عن حقيقة المؤتمر؟ هل أعطته المخابرات السورية وثائق للمؤتمر ومحاضر للقاءات التحالف مع بول وولفيتز أم أنه كان مكلفا بقول ذلك؟ الشيء الوحيد الذي رآه المراقبون هو أن المتحاورين من التحالف مع (الجزيرة) تحدثوا عن علاقات مع الكونغرس والإدارة الأمريكية ولم يذكروا شيئا عن بول وولفيتز أو غيره وأكدوا بأنهم لم يأتوا إلى واشنطن للعودة إلى بلادهم على دبابة أمريكية، بل من أعضاء المؤتمر من قال:" إننا جئنا إلى هنا لكي نؤكد للأمريكان بأن وضع سوريا مختلف عن وضع العراق وأن لاحاجة لدبابات أمريكية، فالنظام سينهار تحت أول ضربة شعبية كما انهار نظام تشاوتشيسكو من قبل. وكل ما نراه من حفلات وولائم التأييد والمناصرة للحزب القائد لاتعدو أن تكون تمثيليات مدبرة على غرار التمثيليات التي كانت تدبرها السيكورتاتى الرومانية قبل سقوط تشاوشيسكو.." ولقد تحدى السيد فريد الغادري في تلك المقابلة سيادة رئيس الجمهورية السورية الدكتور بشار الأسد شخصيا بأن يسمح باجراء انتخابات حرة ونزيهة لاثبات أن الشعب السوري ما عاد يتحمل وجود حزب البعث في الحكم.

يدعي السيد هيثم المناع بأن المنتمين للتحالف عملاء وخونة وليسوا أصحاب قضية وليس لهم أساس اجتماعي وما إلى هنالك من تهم لا أخلاقية يمجها أدب الحوار، في أسوأ نقاش له على شاشة التلفزيون منذ أن تعرفنا عليه كمناضل من أجل حقوق الإنسان وإلى أن عانق النظام بحجة التنعم بالعفو عنه، واتهم التحالف بأنه استثنى أكبر فصيل معارض للنظام ألا وهو " الإخوان المسلمون"، وهذا أيضا مجرد لغط كبير، فهل سيقبل السيد هيثم المناع بالتحالف إن رفع الاستثناء وتعامل مع الإخوان المسلمين؟..

وحقيقة فإن وثائق المؤتمر والاجتماعات العديدة التي سبقته، وكلها كانت في أوروبا، توضح لنا بدون شك أن التحالف قد قرر الاستمرار في الحوار مع كل أطراف المعارضة السورية بما فيهم الإخوان المسلمين الذين لم يستدعوا إلى المؤتمر لأسباب عديدة منها أن التحالف يريد بناء بديل ثالث ديموقراطي، وهذا يغلق باب التحالف على أطراف متفرقة وليس على الإخوان المسلمين وحدهم كما يدعي هيثم المناع...ويعني أن هذا البديل الثالث شيء غير الجمع العشوائي لمجرد التكثير والتباهي بالقوة والأقدمية في النضال...أما أن هيثم المناع لايريد ظهور بديل ثالث فهذا أكبر خطأ سياسي يرتكبه بعد أن عاد "بعزة وكرامة" – على حد قوله - إلى الوطن من بين مئات الذين لم يحظوا بهذه العزة وهذه الكرامة...وستثبت المرحلة القادمة أن البديل الثالث موجود وسيأخذ مكانه على الساحة السياسية السورية رغما عن كل العراقيل وأبواق الدعاية المضادة والمرتزقة الذين يتم شراء ذممهم بثمن بخس.

هذا عن الذين يتصورون بأنهم آباء وأمهات المعارضة السورية ولايحق لأحد أن يعارض دون إذنهم أو خارج النطاق الذي يسمحون به مقتدين بالحزب القائد حتى في المعارضة.. أما عن النظام ذاته فقد أظهر نائب رئيس الجمهورية السورية السيد عبد الحليم خدام في أول تصريح له بعد مؤتمر واشنطن أو أثناء انعقاده بأنه يعترف صراحة بوجود معارضة سورية، ويقصد بها المعارضة الواشنطونية بالذات، بل يتملق الإدارة الأمريكية ويطلب منها عدم الاهتمام بهؤلاء الذين لاناقة ولاجمل لهم في البلاد حسب ادعائه، ويبدي استعداده لصرف مئات الملايين من دولاراته الخاصة أو من خزينة الدولة ليثبت بأن هذه المعارضة غير ناشطة في الداخل.. فإذا لم تكن هناك معارضة فلماذا يتنازل إلى مستواها ويطاردها ويظهر ضعفه حيالها؟ وإذا كان لديه كل هذا المال ويحق له لعب البوكر بها مع كل شخص من هذه المعارضة فلماذا لايصرفها على الشعب السوري المظلوم والجائع؟ ولماذا حالة البلاد متدهورة لهذا الحد؟ وإذا كان يحارب أمريكا والصهيونية حقا فلماذا يتملقهما ويبدي استعداده لإحداث عملية إصلاح واسعة النطاق في حزبه الحاكم؟ أليس هذا دليل ضعف وخضوع للضغوط الخارجية؟

وحقيقة هناك أسئلة نسي بعضهم توجيهها للسيد نائب الرئيس خلال السنوات الأخيرة ألا وهي:

-لماذا لم يصبح السيد عبد الحليم خدام رئيسا للجمهورية بعد رحيل قائده حافظ الأسد وقد كان نائبا له وأضطر إلى تغيير الدستور ليجعلها جمهورية وراثية في سورية ويجعل مجلس الشعب محط سخرية من كل برلمانات العالم والشعوب التي انتخبتها؟
- ألم يكن النظام ديموقراطيا؟ أم أن ديموقراطيته مختلفة عما هي عليه الأنظمة الديموقراطية الأخرى في العالم؟ أم أنه لم ينتخب من الشعب وبذلك يكون مغتصبا للسلطة؟  
وحسب اعتقادي فإن قشة واحدة تكفي لقصم ظهر البعير كما تقول العرب، وقد يكون مؤتمر واشنطن أو الذي يليه بداية لسلسلة من النشاطات والفعاليات التي من شأنها إحداث ثغرة كبيرة في البناء السياسي السوري برمته، وعندها لاينفع النظام جمع المرتزقة ولا أبواق الدعاية ولا المتلبسون أردية المعارضة من الذين يرفضون الاعتراف بأنهم أصبحوا أدوات تافهة في أيدي النظام... ومنهم مع الأسف أصحاب أسماء براقة، يجيدون تلاوة الألغاز الفلسفية عن التراث المعارض ويعملون كل ما يطلب منهم النظام وهم يتمنطقون في الوقت ذاته حزام المعارضة والدفاع عن حقوق الإنسان، ومنهم من كان يتباكى على آلاف السجناء والمفقودين والمغيبين والمعذبين من قبل وإذا بهم بين ليلة وضحاها يهيئون أنفسهم لتولي مناصب هامة في الدولة ثمنا لما يقومون به من جهود مضنية لتلميع صورة النظام الذي تكرم عليهم بالعفو دون غيرهم...

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]