www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
04.08.2004 - 15:19

بذواتنا نبدأ .. إذا كنا نفكر في مستقبل الأجيال

د. عبدالباسط سيدا

مما لا جدال حوله، أن اقدام الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع بريطانيا على تغيير السلطة في بغداد بالقوة، على الرغم ممن المعارضات الاقليمية والدولية القوية على اختلاف مستوياتها الرسمية والشعبية، يمثل بداية حقبة جديدة، تتسم بالهيمنة الشمولية لقطب وحيد، يمتلك امكانيات عسكرية وتكنولوجية واقتصادية هائلة، تؤهله في المدى المنظور لمصادرة إمكانية تبلور نظام دولي متعدد المراكز. نظام كان من شأنه تمكين دول الأطراف من ممارسة قسط من الحرية في فضاء تباين المصالح وتعرضها.

ولعلنا لا نختلف كثيرا حول أن مقدمات هذه الوضعية الجديدة لم تكن وليدة اليوم، بل تمتد بجذورها إلى عقود سالفة. وهذا ما تؤكده - على سبيل المثال - واقعة تشكيل قوات التدخل السريع في ظل ادارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، تلك القوات التي أنيط بها في حينه - منتصف السبعينات - مهمة التدخل للسيطرة على منابع النفط، في حال بروز أي طارئ.

وقد جاء الاحتلال العراقي للكويت عام 1990 ليكون بمثابة الأرضية الممهدة لتنفيذ بنود مشروع الهيمنة الأمريكية الشمولية المطلقة، خاصة إذا أخذنا في اعتبارنا طبيعة التحولات التي كانت جارية حينئذ في الاتحاد السوفياتي السابق، والدعوات المستمرة للرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في ذلك الحين إلى إعادة ترتيب البيت الأورربي. الأمر الذي كان من شأنه - في حال تحققه - ابراز مركز دولي جديد مؤثر، يمكنه اعادة التوازن إلى الميزان الدولي الذي كان قد بدأ بالاختلال، وذلك نتيجة التداعيات المتلاحقة في المعسكر الشرقي.

وما حدث في ذلك الوقت هو أن الولايات المتحدة الأمريكية استغلت قوتها ونفوذها، إلى جانب اختلاطات المرحلة الانتقالية على الصعيد الدولي، وأفلحت في تشكيل وقيادة تحالف دولي بمباركة من الأمم المتحدة، عمل على اجبار النظام العراقي السابق على سحب قواته من الكويت، والالتزام بجملة من الشروط المادية والعسكرية والسياسية. ولعل الأهم والأخطر الذي تمخض عن الخطوة المعنية تمثّل في تحول النفوذ الأمريكي في المنطقة إلى معلم بارز، يساهم بالقسط الأكبر في عملية تحديد توجهات وأبعاد السياسات الاقليمية والدولية، بل وحتى المحلية أيضا، نفوذ يعززه تواجد مكثف للقوات والمعدات.

وبالتناغم مع هذه المعطيات، بدأت أطروحات أيديولوجية جديدة تسوّق هنا وهناك، مثل نهاية التاريخ، وصراع الحضارات. وذلك بهدف التنظير لفصول الهيمنة الأمريكية، واسباغ المشروعية عليها. والايحاء بأن ما يجري يدخل في اطار توجه ينسجم مع منطق التحولات الاجتماعية في عصرنا الراهن، تحولات تتحكمها آلية ملزمة، تستمد قوتها من تفاعلات مقتضيات التطور الاجتماعي، وآفاقه على المستوى الكوني.

لقد شهدت المرحلة التي تلت حرب الخليج الثانية شيئا من الاستقرار النسبي على المستويين الاقليمي والدولي. إذ مهّد مؤتمر مدريد 1992 الطريق أمام مفاوضات متعددة الأطراف والمستويات بين الدول العربية و"إسرائيل". كما أن الدول الأوروبية من ناحيتها انصرفت إلى متابعة جهودها التنسيقية بهدف تعزيز أسس التعاون فيما بينها، والتوجه نحو وحدة تمكّنها من تشكيل نواة مركز أوروبي مؤثر من شأنه - فيما لو ظهر - الاسهام في ضبط الوضع الدولي بصورة أفضل. من جهة أخرى، باتت الصين في ظل الوضعية الدولية الجديدة قوة اقتصادية كبرى، استطاعت التكيّف مع المتغيرات، وتمكّنت من استعادة هونغ كونغ، وبدأت تعمل بقوة من أجل بسط سيادتها على تايوان أيضا. هذا إلى جانب تنامي القوة الاقتصادية اليابانية على الرغم من الارباكات والمنغّصات.

في مناخ كهذا، ساد انطباع ما في اوساط المحللين الاستراتيجيين، مفاده أن الجهود الأمريكية التي بذلت بهدف مصادرة احتمال بروز نظام دولي تعددي قد اعيد النظر فيها، وذلك لاتاحة الفرصة أمام شراكة أمريكية - أوروبية غربية، من شأنها توزيع مناطق النفوذ، وتقاسم تبعات ريادة الموقف الدولي .. لكن الذي حدث في11 أيلول 2001، منح الولايات المتحدة الأمريكية فرصة ذهبية لتفعيل وتنفيذ مخططات الهيمنة. فقد استغلت هذه الأخيرة التعاطف الدولي، والمساندة العلنية من قبل مختلف الأطراف الدولية الفاعلة، لتمرير ما كانت تبيّته منذ أمد بعيد.

اننا هنا لسنا بصدد مناقشة هوية اولئك الذين كانوا وراء أحداث 11 أيلول، كما لا نريد تناول مسألة صحة أو خطأ ما صرحوا به علناً أمام الملأ أجمعين. لكن الأمر الذي لا بد أن نتوقف عنده هو أن الأحداث المعنية كانت بمثابة ساعة الصفر لانطلاق الجهود الرامية إلى الهيمنة الأمريكية، تلك الجهود التي تم الاعلان عنها من قبل أعلى المستويات السياسية في الادارة الأمريكية. ولعل اللافت للنظر في الاعلانات المتكررة سواء من قبل الرئيس الأمريكي نفسه، أو أركان ادارته البارزين، هو تأكيدهم شمولية الحملة واستمراريتها، الأمر الذي أكد في حينه أن افغانستان لن تكون سوى البداية.

وما أن انقشع غبار المعارك غير المتكافئة في أفغانستان، وما نجم عن ذلك من تثبيت القدم الأمريكية في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية، حتى بدأت طبول الحرب تقرع من جديد. وكان الهدف في هذه المرة هو العراق. وقد اعتمدت في هذا السياق لائحة اتهام ارتكزت على مسوّغات دولية، اقليمية، وحتى داخلية تخص الداخل العراقي نفسه. فعلى الصعيد الدولي، اتهم العراق بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل، الأمر الذي يهدد - وفق لائحة الاتهام - الأمن العالمي. وقد تم تعزيز هذه الدعوة ببند آخر، ألا وهو أن النظام العراقي يقيم علاقات مع الجماعات الإرهابية، ومع منظمة القاعدة تحديدا. وهذا ما ذهب اليه العديد من المسؤولين الأمريكان في مناسبات عدة. أما على الصعيد الاقليمي فقد اعتبر النظام العراقي بمثابة العنصر الذي يهدد استقرار المنطقة. وما دعم هذا التوجه هو دخول العراق في حربين عبثيتين مع كل من إيران والكويت، تسببتا في ازهاق الآلاف المؤلفة من الناس، وكلفت المنطقة بلايين الدولارات. والأخطر من هذا وذاك، أنها تركت الأبواب مشرعة أمام القوى الأجنبية تحت يافطات عدة، مثل الحماية، والدفاع المشترك، وتبادل الخبرات.

أما في ما يتصل بالعامل الداخلي، فقد تم التركيز على طبيعة النظام العراقي الدكتاتورية التي اتسمت بالحكم المطلق للحاكم الفرد، اعتمادا على حزب واحد، ومجموعة متشابكة من الأجهزة الأمنية. وكان التبشير بتحرير العراق، وبناء نظام ديمقراطي فيه، نظام يضع حدا للمآسي التي طالما عانى منها الإنسان العراقي بصرف النظر عن دينه وقوميته.

وما يبدو من متابعة الأحداث التي سبقت وواكبت سقوط النظام العراقي، هو أن هذا العامل - الداخلي - قد مارس دورا فاعلا نتيجة اتفاق سائر أجنحة المعارضة العراقية على ضرورة اسقاط النظام. كما ان انفجار المشاعر الشعبية المكبوتة أكد - بما لايدع أي مجال للشك - ان النظام السياسي الذي كان قائما في العراق قبل تدخل القوات الأمريكية لم يكن النظام المطلوب بالنسبة إلى الشعب العراقي نفسه بمختلف مكوناته، وذلك على النقيض تماما من الصورة التي كانت تروج له عربيا خارج العراق. وربما لا نجانب الصواب، إذا قلنا إن الموقف الداخلي من النظام الذي شاهدناه جميعاً بتجلياته على شاشات التلفزة أثر لاحقاً في العاملين الدولي والاقليمي. إذ غيرت الدول الكبرى التي كانت ترفض اللجوء إلى الخيار العسكري في مجلس الأمن من لهجتها، وبدأت هي الأخرى تعبر عن فرحتها لسقوط نظام دكتاتوري غير مرغوب فيه. وعلى الصعيد الاقليمي، تبدلت لهجة الدول المحيطة بالعراق، وانطلقت كل واحدة منها تحاول بمفردها - أو عبر التنسيق الاجتماعي - تحاشي آثار الزلزال المريع، وتسعى من أجل عقد تفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، دفعا لما لايحمد عقباه بالنسبة لأنظمتها.

إن الوضعية الجديدة التي نشهدها اليوم اقليميا ودوليا، تنذر بدكتاتورية دولية، تستمد نسغها من نظام شمولي كوني يعطل الدور الضعيف أصلا للامم المتحدة، ويحشر القوى التي كان من المتوقع أن تكون مراكز فاعلة على الساحة الدولية في الزاوية الضيقة، ويزيد الضغط على الأطراف التي كانت تصبو إلى ممارسة قسط من الحرية في الهامش المتاح. ويبدو أن النظام الشمولي هذا لن يقتصر على سلب استقلالية الدول وحدها، بل يهدد الحريات الشخصية ذاتها من خلال أنظمة المراقبة المتطورة التي يمتلكها، الأمر الذي جعل في مقدوره متابعة سائر الاتصالات، وعلى جميع المستويات. كما يستطيع النظام المعني ملاحقة تحركات الأفراد ونشاطاتهم، والتحكّم في مستقبلهم، وحتى في قوتهم اليومي، من خلال الهيمنة الواسعة على شبكة من المصارف والشركات الاستثمارية في مختلف أنحاء العالم.

انطلاقا من ذلك كله، يمكننا طرح تساؤل مشروع، يتناول مدى مصداقية الحديث عن نظام ديمقراطي محلي، في اطار دولي شمولي، تفرض بموجبه قوة كبرى بمفردها ارادتها على المجتمع الدولي بأسره .. اننا إذا عدنا إلى الديمقراطية نفسها وما تعنيه من دلالات، سنجد أن تناقضاً صارخاً يحكم موققف المنظّرين الأمريكان الذين يبشّرون بتصدير الديمقراطية، ويروجون لوصفة من شأنها - حسب زعمهم - وضع النهاية لجملة الشرور التي يعاني منها العالم. والتناقض المقصود هنا يتجسّد في هذا البون الشاسع بين مخططات وافعال القوة الأعظم في العالم - هذه القوة الرامية إلى تأبيد السيادة من خلال اضعاف الآخر - وبين رغبة الشعوب في تحديد مصائرها، والتمتع بثرواتها، بعيدا عن أي تهديد أو تدخل.

والأمر الذي يثير الانتباه في ما يخص هذه المعادلة غير المتكافئة بالنسبة إلى عالم الأطراف عموما، والعربي على وجه التحديد، هو أن الشعوب هنا قد مُنيت بمأساة مركبة، يتضايف أحد وجهيها مع الآخر ويكمله. فمعظم الشعوب في العالم المذكور تُحكم من قبل أنظمة فرضت عليها، وباتت مع الوقت كابحاً يعرقل تطورها، وكابوساً يرهقها، ويحول بينها وبين الاستعداد لمواجهة تحديات العصر. لقد تخلت الأنظمة المعنية عن مهمتها الأساسية التي كان من المفروض أن تتمحور حول ادارة شؤون البلد وأهله، بما يخدم الحاضر والمستقبل. وغدت عوضا عن ذلك غولاً شرهاً لا حدّ لنزواته وطلباته. ومع اتساع الشرخ بين الشعوب والأنظمة، لجأت هذه الأخيرة إلى الاستقواء بالآخر، لتتمكن من قمع شعوبها، وتعطيل جذوة الحياة فيها، وذلك من خلال تسطيح الوعي وتشويهه، واجبار الناس على السكوت أو الرحيل. هذا بالاضافة إلى تبديد الثروات المادية والعلمية، وبناء جهاز أمني جبروتي لا يراعي الحرمات والمقدسات. فتهيمن مظاهر التأبيد في كل مكان، ويسلّم الناس مصيرهم إلى القدر، وتغدو مناقشة الأمور سفسطة لاجدوى منها. أما عملية النقد، فهي مغامرة جنونية تدفع بصاحبها نحو غياهب المجهول، في حين يغدو الخنوع والانقياد سمة التعقل والصلاح. وللتغطية على الموقف بأسره، تختلط الشعارات بعضها ببعض، ليصل الأمر بالناس إلى درجة التيه، فيسود التهليل والتمجيد.

ولكن في مراحل معينة يعيد الآخر القوي حساباته في ضوء مصالحه، واستنادا إلى واقع خصومه. ويقرر التخلي عن صنيع محلي أو أكثر، فتبدأ عملية اخرى من التضليل تكون الشعوب عادة ضحيتها. طرف يزعم انه قادم من أجل الإنقاذ والتحرير، ويعتمد في دعواه اسلوب كشف النقاب عن أعمال تقشعّر لها الأبدان، ارتكبها الحاكم المحلي بقصد فرض سطوته المطلقة. وطرف آخر يمثّله ابن البلد الذي يدعي تجسيد ارادة الأمة التي أنهكها بأفعاله، ويقدم نفسه بوصفه رمز الشعب الذي افقده كل القدرات. وفي مواجهة موقف كهذا تتوزع التيارات الشعبية بين مرحب بالقادم تشفياً بأولئك الجلاوزة الذين حكموه بالحديد والنار. ومدافع عن نظام يبقى في منظوره على الرغم من جميع السلبيات نتاجاً "وطنياً". وبين هذا وذاك، يأتي الحائر الذي يبغي الخلاص من القديم المحتضر، لكنه لا يثق بالجديد المعروض، على الرغم من جميع وسائل الإبهار والتبشير.

ومع اندلاع المعارك، يذوب الثلج ويظهر المرج. فتغدو الفضائح صارخة، ويتبين للجميع أن الشعب المكبّل لا يستطيع أن يفعل شيئاً. في حين أن الأجهزة التي كانت قد ارتضت لنفسها أن تقمع شعبها في سبيل أمجادها الخاصة، هي أعجز من أن تفكر في مجرد المواجهة. وهكذا يتهاوى الجبروت المزيف في مشهد سريالي معبّر، لتبدأ مسيرة أخرى وفق محددات الأقوى وليس غيره.

إن الدروس المستقاة مما حصل ويحصل بليغة وثرية لكل متأمل غيور على وطنه وأهله. لقد أثبتت المعطيات أن إنفاق البلايين على جيوش ليس مقرراً لها أن تحارب، أمر عبثي لاطائل منه، ان لم نقل انه يؤدي إلى افساح المجال أمام حفنة من المتنفذين الذين يتحكمون في رقاب الناس وأرزاقهم. كما أن المؤسسات الخطابية، والاجتماعية التقليدية لم ولن تؤدي الا إلى مزيد من التعمية.

ان الخطوة الأولى في طريق اعادة احياء النسيج الوطني تتشخص في ضرورة بناء الجسور بين الأنظمة وشعوبها على أساس الثقة والاحترام المتبادلين. أنظمة تستمد مشروعيتها من شعوبها هي وليس من الآخر المتربص. وشعوب تتأكد بتجربتها وحقها المشروع في المراقبة والمساءلة، ان الأنظمة المعنية هي تجسيد لارادتها. تعمل من أجل خدمتها ومستقبل اجيالها القادمة. أنظمة يؤدي الأفراد من خلال مؤسساتها أدوارهم، ويسلّمون المهمة فيما بعد لآخرين يتابعون انجاز ما تحقق، ويستمرون في العمل وفق التوجهات التي تعبر بالفعل - لا بالتمثيل - عن مطالب الناس ومصالحهم الحقيقية.

ترى هل آن الأوان كي نعود إلى ذواتنا لنبدأ بما يساعدنا في الوصول إلى موقع مشرّف ينسجم مع تطلعاتنا وامكانياتنا؟ أم أننا ما زلنا بحاجة إلى دروس قاسية اخرى، تكون بمثابة الصاعق الكهربائي الذي قد يعيدنا إلى الرشد، أو يضعنا في مواجهة الموت بأشكاله المتعددة؟!

أخبار الشرق - 1 آب 2004

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- د. عبدالباسط سيدا: الحوار العربي الكردي - الحالة السورية نموذجا (10.01.2004)
- د. عبدالباسط سيدا: أفاق التغيير في سورية وموقع المسألة الكردية منها (01.01.2004)
- د. عبدالباسط سيدا: إصلاح أم إصطلاح؟ (25.08.2003)
- د. عبدالباسط سيدا: تركيا بين الهواجس والاستحقاقات (01.05.2003)


>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]