www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
10.01.2004 - 00:58

الحوار العربي الكردي - الحالة السورية نموذجا

د. عبدالباسط سيدا

الحوار بجميع أشكاله أفضل من القطيعة، خاصة بين طرفين تلزمهما معطيات التاريخ والجغرافيا والمصالح، فضلا عن التقاطع الثقافي بالتعامل والتفاعل الحيوي المستمر. لكن الحوار الجاد المطلوب هنا هو ذاك الذي يستند إلى قاعدة معرفية متماسكة، ويستمد نسغه من احترام متبادل، ورغبة مشتركة في إبراز المتفق عليه وترسيخه.

لقد قيل الكثير عن أهمية وضرروة الحوار العربي الكردي. وكانت هناك لقاءات وندوات بخصوصه. لكن الأمر - على ما يبدو – لم يرتق بعد إلى المستوى المنشود. ولم يخرج عن نطاق مجاملاتي مناسباتي، سرعان ما يفقد الحماس والدفء لدى بروز أي منغّص هنا أو هناك. بل لعلنا لانبالغ اذا قلنا أن العقد الشخصية، والاستدلالات الفاسدة، فضلا عن التشنجات والمخاوف والأوهام اللاعقلانية، إلى جانب فعل الاطروحات المتشددة المنغلقة على ذواتها. اننا لانبالغ – كما أسلفت – اذا قلنا أن كل ما تقدم يدخل في عداد العوامل التي تسهم في تكريس أجواء التوجس والتجاهل والابتعاد. الأمر الذي يستغلّه بعضهم في ميدان ابراز وتسعير نزعات التحامل والتجني والتشفي.

انني في ورقتي هذه أود التوقف عند مسألة هامة، ارى ضرورة تناولها بنفس بحثي هادىء، وأعني بها مسألة العلاقة بين المثقفين العرب والأكراد السوريين على وجه التحديد. فهذه العلاقة إذا بنيت على أسس سليمة من شأنها أن تؤثر بصورة إيجابية في الموقفين: السياسي الحزبي، والشعبي العام لدى العرب والأكراد على السواء.

لعلنا لانذيع سرا، إذا ما قلنا أن العلاقة بين المثقف الكردي ونظيره العربي هي ليست على مايرام. أو هي على الأقل ليست في المستوى المنشود. بل هي سطحية، تبحث في قضايا خارج نطاق تلك الرئيسة بالنسبة إلى الطرفين. فالحوارات والمناقشات بينهما المكتوبة أو المنطوقة غالبا ما تتخذ من الموضوعات الأدبية والتاريخية والفلسفية، وربما الانسانية والسياسية العامة محورا لها، لذلك تظل الأمور في إطارها الهلامي غير المحدد. ولكن اذا انتقل الحديث إلى الوضع الكردي المشخص، فحينئذ يسود الجهل لدى الطرف العربي، هذا الجهل الذي يغلّف عادة بالأحكام العامة، والتبسيط المبتسر للأمور، مثل انكار الوجود الكردي، أو اعتبار الأكراد نسقا من أنساق التاريخ العربي، أو الاقرار في افضل الأحوال بحقوقهم الثقافية ليس إلا.... هذا من جهة المثقف العربي السوري. أما نظيره الكردي فهو الآخر قد تهيمن عليه أحيانا عقد الدونية، فتجبره على القبول بالوضع غير الطبيعي، أو أنه قد يلوذ بالكبرياء الزائف، فيرتفع أو يخجل عن عرض محنته التي لاتطاق. فهو ككردي لايمتلك أية حقوق، ولايشعر بأية حصانة يستحقها كإنسان قبل أي شيء آخر.

إن السياسة الإضطهادية بوجهيها المتضايفين التي تمارس بإستمرار مع الشعب الكردي في سورية على الرغم من تبدل الحكومات والشعارات في البلاد، قد أوجدت منظومة مفهومية  تتحكم إلى حد بعيد في تفكير وممارسات القسم الأعظم من المثقفين العرب على تباين مواقعهم الفكرية والسياسية، هؤلاء الذين يتوزعون بين ثلاث مجموعات أساسية في تعاملهم مع المسألة الكردية في سورية.

المجموعة الأكبر، هي التي تضم اولئك الذين يتخذون موقف الصمت واللاأدرية، فهؤلاء يجهلون، أو يتجاهلون المسألة، بواعثها، مفاصلها، أبعادها، وانعكاساتها. وبناء على هذا الجهل سواء الفعلي أو القصدي، لايقدم هؤلاء أية مواقف منطوقة أو مكتوبة تقارب بهذه الصورة أو تلك المسألة المعنية. ومن الواضح أن هذا الصمت يخدم في المقام الأول السياسة  السوريةالرسمية في المجال الكردي، ويدعم مواقف اولئك الذين قد اتخذوا من مهمة تصديهم للخطر الكردي المزعوم ذريعة لتمرير وتبرير ما لايخدم المصلحة الحقيقية للوطن والمواطن.

أما المجموعة الثانية، فهي التي تمثّلت الخطاب الرسمي من موقع التحامها العضوي معه، أو بناء على تعصّب متشنج لايستطيع استيعاب أهمية الإعتراف بتمايز الآخر، واحترام الاختلاف وامكانية التفاعل معه في سياق نظام ديمقراطي، يؤكد أن السلطة في خدمة المواطن وليس العكس؛ نظام يستمد مشروعيته من إرادة المواطنين الأحرار لامبايعات الرعايا.
في إطار هذه المجموعة، يعاد انتاج التوجهات الايديولوجية والأحكام السلطوية التي تصادر على إمكانية أية معالجة جادة للمسألة الكردية، معالجة من شأنها إعادة اللحمة إلى النسيج الوطني، وذلك من خلال تعزيز أسس الثقة والاحترام المتبادلين بين مختلف الأطراف.
فالكردي وفق هذا التوجه "دخيل على الوطن"، "يحرك بأوامر من الخارج انسجاما مع مصالح استعمارية تستهدف النيل من الاستقرار". إن القاعدة لدى أعضاء هذه المجوعة تتشخص في إلغاء الوجود القومي الكردي، في حين أن الخطيئة الكبرى تتمثل في الإقرار بالواقع القائم فعلا، والإعتراف بالحق السليب. ومن أجل الوصول إلى المبتغى غير السوي، يلجا هؤلاء إلى تحوير فصول التاريخ وحقائق الجغرافيا، ويلتحفون باستنتاجات غائية وعبارات مبهمة، كما يلوذون بآراء لم تعد تمتلك اية قيمة في عالم باتت الشفافية فيه كابوسا يقضّ مضاجع اولئك الذين كانوا – وما زالوا -  يقدّرون المصائر خلف البواب المغلقة بعيدا عن أنين المعذبين، وعدسات الصحافة.
أما المجموعة الثالثة، فهي تضم أولئك المثقفين العرب الذين يعبرون في مناسبات مختلفة عن مواقف تدعو إلى الإنصاف، ورفع الغبن الحاصل على الشعب الكردي في سورية. فهؤلاء يؤكدون أن الأكراد هم جزء فاعل من النسيج الوطني السوري العام، لذلك لابد من التعامل معهم بوصفهم مواطنين كالآخرين تماما. لهم حقوقهم وعليهم اداء واجباتهم الوطنية. ولكن من الملاحظ أن مفاهيم وتوجهات السياسة الرسمية تمارس فعلها في إطار هذه المجوعة أيضا، وإن بمستويات أخف، غالبا ما تتخذ من الكياسة أسلوبا في التعامل.

فالدعوات إلى الانصاف تكتفي بالمعالجة العرضية من دون السببية. فهي تطالب مثلا بإلغاء نتائج الإحصاء الإستثنائي الجائر الذي أجري حصرا في محافظة الحسكة عام 1962 في سياق مشروع شوفيني متكامل، وتتناسى مسألة الرفض "الدستوري" للوجود الكردي أرضا وشعبا في سورية. كما أنها لاتقارب مشروع الحزام "العربي" الذي يعد الوجه الآخر المكمل للإحصاء، بل والأكثر خطورة. كما أن دعوات الإنصاف المعنية تقفز من فوق جميع الإجراءات الإستثنائية التي تمارس في المناطق الكردية، فضلا عن تجاوزها لمسألة الحرمان من كافة الحقوق.
صحيح أن المعاناة في سورية تشمل اليوم المواطنين العرب والأكراد، لكن معاناة الأكراد مزدوجة، يتقاسمون المعاناة العامة مع العرب، ويدفعون في المقابل ضريبة انتمائهم الكردي من خلال حرمانهم من سائر حقوقهم القومية الديمقراطية التي باتت في عالم اليوم ضمن عداد البدهيات. كما يتعرض الأكراد في المقابل لكل صنوف الإضطهاد القومي.  فأن تسجل مولودك الجديد عليك أن تنتظر قرار أجهزة الأمن. وأن تسجل أرضا ورثته عن أبيك، أو بيتا اشتريته بكدك عليك أن تحصّل موافقات الأجهزة الأمنية والوزارات المختلفة التي لن توافق. عليك ككردي أن تدفع جميع الضرائب والأتاوات، وتشارك السلطات في لقمة عيشك، ولكن في المقابل عليك ألاّ تفكر في أي دعم أو مساعدة من الدولة التي يفترض أنها الحاضنة التي تضم الجميع.
عليك ككردي ان تخاطب جارك الكردي بالعربية في الدائرة الخكومية، وذلك مراعاة للفرمانات المتلاحقة. كما أن محلك التجاري لابد أن يحمل اسما عربيا، حفاظا على" وحدة  الوطن وارادة الأمة". أما أن تفكر في البرامج الكردية من خلال وسائل الإعلام التي يفترض أنك شريك فيها كونك تدفع نصيبك من التمويل، فهذا معناه أنك لاتفكر بعقلك، أو ربما أن هذا الأخير قد أصيب بآفة ما. ما لفت انتباهي لدى زيارتي الأولى إلى هيلسنكي عام 2001 هو أن لوحات أسماء الشوارع في العاصمة والتعليمات العامة كانت مكتوبة باللغتين الفنلندية والسويدية. وهذا إجراء يرمي إلى مراعاة حقوق الأقلية السويدية التي لايتجاوز عدد أفرادها 300 ألف سويدي مهاجر في فنلندا – اي مايعادل عدد الأكراد في العاصمة دمشق وحدها -  يقر الطرف السويدي قبل الفنلندي بأنهم يعيشون فوق الأرض الفنلندية. هذه الأقلية تحظى بكامل حقوقها، يدرس أبناؤها بلغتهم الأم، ويعبرون عن مواقفهم من خلال وسائل الاعلام بما في ذلك التلفزيون. كما يمارسون نشاطهم السياسي انطلاقا من المسائل التي تجسّد اهتماماتهم المختلفة، ولهم تمثيلهم في البرلمان الفنلندي. كل ذلك من دون ان يتبادر إلى ذهن أحدهم بأن ذلك قد يهدد الأمن الوطني الفنلندي. بل انك إذا طرحت السؤال على أحدهم بهذا الخصوص ستكون من دون شك موضع استغرابه إن لم نقل سخريته. أما فيما يتصل بموضوع الشعب الكردي في سورية الذي يزيد تعداده عن مليوني انسان و يعيش فوق ارضه التي قسمت والحقت ، فهذا أمر تعجز الكتب عن تناوله.

إن الغوص في أعماق المسألة الكردية في سورية من جانب القوى الديمقراطية العربية، أمر ضروري بغية استيعاب بواعثها وأبعادها. أما الاكتفاء ببعض المواقف واللفتات الانسانية فهذا أمر لايرتقي إلى المستوى المطلوب الذي من شأنه الاسهام المثمر في معالجة الموضوع على أرضية وطنية ديمقراطية. وهنا لابد من الإعتراف بأنه في الآونة الأخيرة بدأنا نشهد مواقف نبيلة، يعمل أصحابها بإخلاص انسجاما مع توجهاتهم الوطنية الصادقة من أجل وضع حد للمأساة الكردية.
إن التعامل مع المسألة الكردية في سورية بوصفها جزء عضوي من المسألة الوطنية الديمقرطية العامة في البلاد يعد الخطوة الأساسية الأصح في الطريق الصحيح. أما أن يتم تجاهل المسألة باعتبارها من المحرمات التي لايجوز مقاربتها بناء على تعليمات المؤسسة الرسمية التي غالبا ما تدخل في مباحثات واتفاقيات خارجية، وذلك بهدف تطويع الداخل، فهذا معناه أننا نترك المجال رحبا أمام كل الاحتمالات. وبناء على ذلك نرى أن الواجب الوطني، وليس الانساني وحده، يلزم المثقفين والسياسيين ومناصري حقوق الانسان العرب باتخاذ موقف وطني ديمقراطي من المسألة الكردية في سورية. وقد لانبالغ إذا الحفنا على أن الموقف من هذه المسالة يعد أحد المقاييس الأساسية في تحديد مدى جدية الاطروحات الداعية إلى التغيير الايجابي. اطروحات من المفروض أنها لاتعاني من بذور تناقض داخلي يفرغها – في حال وجوده – من محتواها، ويسلبها المصداقية. فمن غير المعقول أن يتناغم الطرح الديمقراطي مع النزعة الشوفينية بصيغها المختلفة. كما أنه من غير المنطقي أن يؤكد المرء حرصه على مستقبل البلاد، مطالبا بامتلاك أسباب التقدم لمواجهة تحديات العصر، ويسلّم نفسه في المقابل إلى لامبالاة تثير الخوف في مواجهة ما يتعرض له جزء هام من المجتمع لغبن مركّب لم يعد ينسجم مع روحية العصر، بل أن العقلية العصرية لاتسطيع استيعابه.
إن جاذبية الموقف ومشروعيته تستلزمان الرؤية الواضحة الشاملة لسائر المعضلات، رؤية متماسكة تعتبر أن حماية المصالح العامة لاتستدعي تقديم القرابين البريئة، بل تستلزم ايجاد صيغة من الوئام والتكامل بين مختلف الأطياف والعناصر التي تقوم بها ومن أجلها – لا على حسابها – الوحدة الوطنية، هذه الوحدة التي ستكون بالنسبة لأي كان مجرد هلوسة وشعارا من دون محتوى إذا كانت أداة لتكريس هيمنة أحادية الجانب.
أما ما يخص السياسيين والمثقفين وسائر المهتمين من الأكراد، فهم على الرغم من معاناتهم العامة، وتباينات الآراء فيما بينهم حول المستقبل، قد اتفقوا منذ زمن بعيد على أن المسالة الكردية في سورية هي جزء عضوي حيوي من المسالة الوطنية الديمقراطية على مستوى البلد ككل، كما أنه لايمكن لهذه المسألة أن تجد طريقها إلى الحل من خلال صفقة مع السلطات يقدم عليها هذا الطرف أو ذاك بعيدا عن القوى الوطنية الديمقراطية العربية وغيرها التي تطالب بمستقبل أفضل للجميع. هذه القوى التي من المنطقي بالنسبة لها أن تتناول المسألة المعنية باعتبارها قضية من قضاياها الأساسية، لابدعة وافدة ترمي إلى الإشغال وشل الطاقات.
ولاننكر هنا أن المواقف السلبية من قبل بعض المثقفين والسياسيين العرب قد أدت بين الحين والآخر إلى ردات فعل مقابلة في الجانب الكردي، لكنها حالات خاصة لايمكن لها ان تؤثر على التوجه العام للمثقفين والسياسيين الأكراد الذين يؤكدون أن الحوار والتفاهم والعمل المشترك مع الجانب العربي، يعد حجر الزاوية في أي سعي يتطلع إلى مستقبل أفضل لجميع أبناء سورية بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية والسياسية والدينية.
إن الحالة الراهنة التي تعيشها سورية لم تعد مقبولة وفق جميع المقاييس، فقد جاع الناس وسكتوا وتحمّلوا  بما فيه الكفاية إنتظارا لفرح منشود، يعتبر مجرد الحديث عنه مؤامرة استعمارية في منظور المسؤولين الفعليين المخفيين في سورية، هؤلاء الذين اتخذوا من يافطة التوحيد والتأبيد وسيلة تمدهم بأاسباب سلطان يسمو فوق الزمان، ويسخر من هموم الرعية التي لاتفقه تاريخية المرحلة، وجسامة التحديات، وعظمة المهمات. أما من يغامر ويرفع الحجر عن المكبوت، فهو مدان قبل أن يتفوه. لابد من التدقيق في امره، والتأكد من ماهية الجهات التي تحركه، فهو على الأغلب عنصر غير سوي لايقدر المخاطر المصيرية التي تحدق بالأمة من جمع الجهات، مسكينة هذه الأمة التي باتت مشجبا تعلق عليه سائر الأوزار.
غير أن الانتكاسات المتتابعة، والاحباطات المستمرة، فضلا عن المعاناة المعيشية الشمولية التي لاترحم ، قد ولدت لدى الناس قناعة بأن هؤلاء من أعلنوا أنفسهم عنوة أولياء عليهم، إنما يستمدون قوتهم من الوضعية المعقدة القائمة. فهم جزء من اللعبة وادواتها لاضحاياها، هؤلاء الذين جاهدوا من أجل أن يسلبوا الناس كل شيء، منعا لحدوث أي شيْ. وقد اعتقدوا لفترة ما أنهم قد بلغوا المارب، فتغنوا بالاستقرار، مدركين تماما أن الاستقرار السياسي الذي لايستند إلى استقرار اجتماعي ووطني أعم، لايمكن بلوغه من دون قمع يطال الجميع، فاعتمدوه بوسائله واسمائه كافة، وامسكوا بجميع المفاصل ظنا منهم أن ذلك يقطع الطريق أمام المفاجأت غير المحمودة العواقب. إلا أن ارادة الحياة لدى العشب الضعيف أقوى من الحجر الصوان، والرغبة في التواصل ومعايشة العصر على أشدها على الرغم من ضراوة المحنة، وما الصيحة التي أطلقها الاستاذ أنطون مقدسي في رسالته المفتوحة إلى الرئيس، تلك الصيحة التي رددت أصداء ماساة الوطن والمواطن، وجسّدت بعمق ما كان الجميع يريده ويخشى الإفصاح عنه. وما دعوة رياض الترك إلى القطع مع المرحلة المنصرمة بهدف إجراء مصالحة وطنية شاملة، شرط أن تقدم السلطة على خطوات عملية تؤكد حسن نيتها، واستعدادها لتحمل المسؤوليات. بالاضافة إلى البيان الألفي وجهود المنتديات، والمناقشات الجارية داخل الوطن وخارجه. إن كل ذلك يدخل في عداد الدلالات المبشّرة التي  تؤكد مدى الحاجة إلى تغيير ايجابي جذري، تغيير يسابق النخر الذي سيطال في حال استفحاله – هذا اذ لم يكن قد اسفتحل بالفعل – الجميع بغض النظر عن قربهم من موقع السلطة أو بعدهم عنها.

إن ما يبدو في الافق السياسي راهنا، لايوحي بأية اصلاحات حقيقية من جانب السلطة. كل ما هنالك جملة شعارات ترمي إلى الاحتواء والاجهاض. فالسلطة مازالت تماهي بين الأمر الواقع والمشروعية.فهي تعتبر نفسها صاحبة الحق، باعتبارها تمتلك القوة المادية التي تمكنها من السيطرة. قوة لاتستمد طاقتها من فصل حقيقي بين مهام وحقوق السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. بل ان حديثا كهذا يدخل في عداد الامنيات خاصة في أجواء حكم سلطة أمنية لاتعرف سوى قانون الطوارىء الذي ما هو في حقيقته سوى غطاء للاقدام على كل ما تراه الاجهزة الامنية مناسبا من دون أية محاسبة. فقانون الطوارىء هو بالمعنى الفعلي التعبير المكثف والمهذب لتصرفات الاجهزة المعنية التي تعد اصلا فوق القانون. إن هذه السلطة تنظر الى نفسها على انها كانت ومازالت على الصواب. والوحدة الوطنية في منظورها تقوم على اساس اعتراف المعارضة بذنوبها، والعودة إلى بيت الطاعة، والاقرار بسلامة المادة الثامنة من الدستور الموجه الذي فرض فرضا على الناس، وهي المادة التي تنص على أن حزب البعث هو الذي يقود الدولة والمجتمع. كما أن السلطة المعنية ترى في الاستقرار السياسي المفروض دليلا قاطعا، يثبت نجاحها، ويسبغ هالة المشروعية ان لم نقل القداسة عليها. هذا في حين أن المطلعين على بواطن الامور كما يقال، يدركون ان الاستقرار الاجتماعي هو الاساس. وهذا لن يتحقق الا في ظل ديمقراطية تقر بكرامة الانسان كإنسان قبل أي شيء آخر، وحقه في التعبير عن آرائه والاستمتاع بمقدرات بلاده، بعيدا عن أجهزة تسلبه كل شيء، سوى القلق والهواجس والرعب.
لكن اللوحة مع ذلك ليست قاتمة، فلقاؤنا هذا في حد ذاته يعتبر بالنسبة إلى شعبنا على اختلاف مشاربه أملا، هذا الشعب العزيز عربا وأكراد واقليات قومية ودينية، لذلك فلنتحاور ولنتفق من أجل هذا الشعب التواق إلى الربيع الذي لم يأت بعد.

- قدمت هذه الورقة إلى الملتقى الذي عقد في باريس بمبادرة من المنظمة العربية لحقوق الإنسان بتاريخ 2003.12.13

-------------------------------------------------------
من الأرشيف:

- د. عبدالباسط سيدا: أفاق التغيير في سورية وموقع المسألة الكردية منها (01.01.2004)
- د. عبدالباسط سيدا: إصلاح أم إصطلاح؟ (25.08.2003)
- د. عبدالباسط سيدا: تركيا بين الهواجس والاستحقاقات (01.05.2003)


>> صفحة البداية <<

 copyright © amude.com [ info@amude.com ]