www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
25.08.2003 - 00:44

إصلاح أم إصطلاح؟

د. عبدالباسط سيدا

يدرك المتابع لتفصيلات ومستجدات الوضع السوري الراهن أن القيادة السياسية الحاكمة تصارع الزمن من أجل البقاء، فهي تبدي استعدادها للاقدام على أية خطوة، والتلون بأي لون، والتعاون الأمني غير المحدود مع الجميع، إذا كان ذلك يمنحها فرصة أخرى للاستمرار.
ومايستشفه الملاحظ المتابع للموضوع برمته، هو أن الأوضاع الدولية بتمظهراتها الاقليمية هي التي فرضت هذه الحركة غير المتوازنة بمختلف الاتجاهات على القيادة السياسية السورية لدرجة أن وصل الأمر بها إلى مناقضة الدستور الذي فرضته بنفسها ولنفسها على الشعب. وما نعنيه بذلك هو اقدامها على اتخاذ قرار فوقي - لم تتوضح معالمه بعد-  يتمثل وفق ما يذهب إليه المروجون في فصل الحزب عن الدولة، الأمر الذي يتناقض كما أسلفنا مع المادة الثامنة من الدستور السوري الذي اعتمد في بداية السبعينيات، وهي المادة التي تؤكد قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع. وكي لايساء الفهم ، لابد من التوضيح أن المعني هنا ليس الدفاع عن الدستور المشار إليه، لأنه في الأساس يفتقد المشروعية التي تؤهله ليكون دستورا. فهذا الأخير يفترض فيه أن يكون بمثابة عقد اجتماعي بين مواطنين أحرار لارعايا، وسلطة تمثّلهم بالفعل لابالقول، يتعاهد الجميع بموجبه على ضرورة تسيير أمور المجتمع على أسلم الوجوه وأفضلها. أما ان تتحول الدولة إلى مؤسسة اسطورية بعيدة المنال، ويغدو الشعب جملة طيّعة هلامية من الرعايا، ويصبح الدستور سند تمليك تبرزه السلطة لتسويغ حقها في الهيمنة، والتحكم بالمقدرات والمصائر، فهذا فحواه بكل بساطة ووضوح أن الأمور تجري في الاتجاه غير الصحيح الذي لاخير يرجى منه.
إن التشدّق بالتوجه الجديد، والتغني بعملية فصل الحزب عن الدولة التي لم تتم ولم تعرف أبعادها حتى الآن، لايرمي سوى إلى إضفاء مسحة جمالية على وضعية مترهّلة لم تعد جميع المساحيق تناسبها. فالنظام الشمولي السائد في سورية لايستمد طبيعته من نظام الحكم الواحد بالدرجة الأولى، بل من كونه نظام أمني يقوم على عدد غير محدود من الأجهزة الأمنية، وهي التي تمسك فعليا بجميع المفاصل الأساسية والثانوية على مختلف المستويات والصعد في الدولة والمجتمع. ومن هنا كان الإصلاح الحقيقي يقتضي البدء بعملية شاقة تقوم على ضبط هذه الأجهزة من جهة العدد والحجم والنفوذ، واخضاعها للقانون والمساءلة، واعتماد الشفافية الكاملة في التعامل معها، وإتخاذ الإجراءات الفاعلة التي تحول بينها وبين أداء دور المنغّص في حياة الناس الخاصة والعامة، لتغدو أجهزة تحمي الناس وتحفظ أمنهم، لاكما هو عليه الحال راهنا، حيث تسخّر كل شيء في سبيل مصالح الأمراء غير المتوّجين من قياداتها.
إن مؤشرات الإصلاح الحقيقي كثيرة، لكن أيا منها لم يظهر حتى الآن. فقانون الطوارىء مازال ساري المفعول، وسجناء الرأي مازالوا في غياهب السجون، ولاتبدو في الأفق أية بوادر توحي بإمكانية عودة المنفيين، سواء القسريين منهم الذين غادروا بآوامر صريحة، أو الاختياريين الذين خرجوا نتيجة تهديدات مبطّنة ومضايقات مستمرة. كما أن قضايا الفساد والرشوة والبطالة والمشكلات الإجتماعية، وغيرها كلها باتت معلما ثابتا لايثير الغيرة والمشاعر.
ليس هذا فحسب، بل أن ما يجري على أارض الواقع يوحي بعدم النيّة في التغيير الإيجابي، فالإعتقالات التي تجري بين الحين والآخر (منها اعتقال العشرة، و تلك التي جرت مؤخرا بين الأكراد)، وكتم الأصوات التي تغرّد خارج السرب الرسمي (كما جرى لصحيفة الدومري)، وعدم الإعتراف بوجود الشعب الكردي في سورية، والاستمرار في اتباع السياسة الاضطهادية نحوه، ومحاولات التفاهم مع الخارج لتطويع الداخل، كل ذلك يؤكد أن الممسكين بزمام الأمور في السلطة السورية ليس في حسابهم حتى مجرد التفكير في الإصلاح. بل كل ما هنالك يتشخص في محاولات التفافية اتقنوها في مختلف المراحل، وتمكّنوا بفعلها من تجاوز عنق الزجاجة كما يقال، ولعل اللجوء إلى إستنهاض قوة أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الخائرة أصلا -إن لم نقل المعدومة- هذه الأيام هي وسيلة من تلك الوسائل التي تعتمد حاليا بغية ذر الرماد في الأعين. لكن الوضعية هذه المرة مغايرة للسابقات، فالاختلاطات الناجمة عن تداخلات الوضعية الاقليمية مع العوامل الدولية معقدة، والتغييرات الراديكالية التي يشهدها العراق، الجار الأقرب، والعمق الاستراتيجي لسوريا  العربية والكردية، ستجد صداها بهذه الصورة أوتلك في الداخل السوري. 
إننا إنطلاقا مما سلف، لانستغرب واقع عدم صدور ردود أفعال إيجابية  من جانب السلطة على الدعوات المطالبة بالمصالحة الوطنية من قبل أقطاب المعارضة السورية وقواها الفاعلة سواء في الداخل أو الخارج، هذا على الرغم من الغبن الذي تتخذه الدعوات المعنية أساسا لها. فهي مصالحة تقوم على أساس المساواة بين من استغل السلطة، ومارس الإضطهاد بسائر أشكاله بحق الشعب السوري عربا وأكرادا وأقليات على مدى أكثر من ثلاثين عاما؛ وبين من كان الضحية المسلوبة الإرادة والقوة، بل والكرامة الانسانية على مدى عقود طوال. ومع ذلك يرى الجميع أن مصالحة كهذه -على الرغم من ضبابية الاطروحات- ربما كانت مدخلا مناسبا لتجاوز مخاطر طوفان متوقع.
ترى هل سنتعظ من دروس التاريخ والاستفادة من تجارب الشعوب، خاصة المعاصرة لنا؟ هل من سبيل لإستلهام النموذج الجنوب أفريقي أو التشيكي، كي يصار إلى تجنب مخاطر النموذجين الروماني والعراقي؟ 

Elaph, 23.08.2003

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]