www.amude.com   www.amude.com  

munteda@amude.com
www.amude.com/munteda
01.05.2003 - 02:40

تركيا بين الهواجس والاستحقاقات

د. عبدالباسط سيدا

تذكرنا الحالة الهستيرية التي يعيشها أركان المؤسسة الكمالية الحاكمة في تركيا - بوجهيها المدني والعسكري- هذه الأيام بالمثل الكردي القائل: اذا قرب اجل النملة ظهرت لها الأجنحة. فمن الملاحظ أن هؤلاء يدركون بحكم تجربتهم أن العد التنازلي لأيام عزهم قد بدأ، خاصة بعد أن شاهدوا بأم اعينهم ما حدث لجارهم "الموثوق به"، وشريكهم في عملية قمع الشعب الكردي. ان هؤلاء يعرفون جيدا أن الظروف الحالية تختلف كثيرا عن تلك التي سادت المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. حين تمكّن مصطفى كمال باسلوبه البراغماتي- غير الملتزم بأية عهود أو مواثيق- من استغلال واقع الخلافات الذي كان قائما حينئذ بين الحلفاء من جهة، وروسيا الاشتراكية من جهة ثانية. واستطاع أن ينجو بالدولة التركية من خطر كان يهددها بالتقزيم، ان لم نقل بالزوال.و نجح - اعتمادا على دهاء عصمت اينونو- في المصادرة على التوجهات الأرمنية المشروعة. كما بلغ مأربه في تضليل الزعماء الأكراد من خلال قطع وعود خادعة على نفسه، وتوسله اليهم في رسائله واجتماعاته........الى أن سنحت له الظروف ، فانقض عليهم بشراسة نادرة، من دون أي وازع. وارتكب المذابح بحق رجال الدين، والعلمانيين، وعامة الناس. وكان يحلم دائما باسترجاع ولاية الموصل، ليتمكن من الغاء الهوية الكردية والى الأبد. اننا اذا ما عدنا الى محاضر الجلسات الطويلة بين الوفدين الانكليزي والكمالي التي مهدت لمؤتمر لوزان 1923، سنقف على مدى استماتة الجانب التركي من أجل الموصل، واستعداده لفعل اي شيء من أجل ذلك. وفي مؤتمر لوزان نفسه تركت مسألة الموصل هكذا معلقة، وتم الاتفاق حول المسائل الأخرى.
ان قراءة المواقف الكمالية في ضوء مستجدات اليوم، تبين للمرء من دون شك مدى ذكاء وبعد نظر مصطفى كمال الذي كان يتحسّب للمستقبل، ادراكا منه بحتمية قدوم ذلك اليوم الذي سيبلغ الأكراد فيه مستوى من الوعي والقوة يؤهلهم للمطالبة بحقهم السليب. لذلك كان يعمل المستحيل من أجل تدارك الوضع قبل أن يستفحل. ولما تعذر عليه استعادة الموصل ثانية، اعتمد استراتيجية الاندماج العضوي البنيوي مع خصومه الأقوياء. فتخلى عن الهوية والشخصية، وفرض التغيير الشكلي بالقوة بدءا من الغاء الخلافة ونبذالأحرف العربية، وانتهاء باللباس. كل ذلك من أجل التزلف الى القوى الغربية التي كانت - ومازالت- مقاليد تحديد المصائر في يدها. كما أن مصطفى كمال هو نفسه الذي وضع اللبنات الاولى لتوجه كوميدي، بات مع الأيام معلما بارزا في السياسة التركية، ومطلبا عاما لدى مختلف أطراف المؤسسة الحاكمة. وما نعنيه بذلك هو الاصرار على الانتماء الاوربي لتركيا، اعتمادا على زعم مفاده ان قسما من اراضيها يقع في القارة الاوربية. في وقت يعلم فيه القاصي والداني أن هذه الأراضي، بل ومدينة استانبول بالكامل، بالاضافة الى مناطق اخرى واسعة الى الشرق منها، كانت تاريخيا جزءا من الأرض اليونانية، استولى عليها الأتراك في يوم ما، نتيجة تشابك عوامل عدة. ولعل هذا الواقع يذكرنا بالحكم العربي في اسبانيا، مع فارق اساسي يتمثل في انقطاع هذا الأخير، في حين أن الحكم التركي في المناطق اليونانية مازال مستمرا حتى يومنا الراهن. ويبدو أن العامل الأهم الذي ساعد تركيا اكثر من غيره هو الدور الذي انيط بها خلال الحرب الباردة، اذ مثلّت قاعدة عسكرية متقدمة للناتو، قريبة من منابع النفط والمياه الدافئة، ومجاورة للاتحاد السوفياتي. في ظل أجواء كهذه اعتمدت المؤسسة الحاكمة في تركي سياسة القتل والتدمير، وتغيير الملامح بحق الأكراد. فقد اعتبرتهم أتراك الجبال، وفرضت بالقوة عملية تتريك مستمرة لالقابهم واسمائهم، كما غيّرت اسماء مدنهم وقراهم، واعتمدت اسلوب التوطين والتهجير بغية تحوير الواقع السكاني. وكان الهاجس الدائم للمؤسسة المعنية يتشخص في أكراد الجنوب، لذلك كان السعي التركي الحثيث في ميدان التنسيق مع الدول المعنية بالمسألة الكردية ( سورية، العراق، ايران)، بغية الاتفاق على التدابير التي من شأنها مواجهة الخطر الكردي قبل خروجه عن حد السيطرة. وفي يومنا الراهن يبدو أن المعطيات قد تبدلت، وتركيا لم تعد القاعدة العسكرية الوحيدة سواء للولايات المتحدة الأمريكية أو الناتو في المنطقة، فهناك قواعد اخرى لاتبعد عنها كثيرا، تنتشر هنا وهناك، الأمر الذي وضع حدا للدور التركي، هذا الدور المكلف بالنسبة للدول الحليفة، اذا ما أخذ في الحسبان الحجم البشري الكبير للدولة التركية، وهشاشة اقتصادها، والفساد المتفشي بأشكاله ومستوياته المختلفة في سائر المؤسسات، خاصة المؤسسة الحاكمة. كما أن النزوع الأمريكي الى التواجد العسكري المباشر قد فرض على النظام التركي موقفا لايحسد عليه، هذا النظام الذي مازال يتحرق شوقا الى المجد الامبراطوري الغابر، على الرغم من تهاوي الاحلام الوردية في اسيا الوسطى، خاصة بعد الحرب الافغانية، واقدام الدول "الشقيقة" هناك على بناء علاقات مباشرة مع الولايات المتحدة الامريكية، بعيدا عن وصاية وتوجيهات النظام التركي الذي كان قد عقد الآمال الكبار على الكيانات الوليدة هناك، شهدت النور بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
ان تمسك النظام التركي اليوم بالورقة التركمانية في كركوك ما هو سوى استنجاد الغريق بالقشة. فالنظام المذكور كان يريد كردستان العراق بأكملها، ليتمكن من تنفيذ وصية مؤسسه ووالده الروحي مصطفى كمال القاضية بالغاء الهوية الكردية، وذلك خوفا من نهوض اكثر من عشرين مليون كردي في شمال كردستان/ كردستان تركيا، في ولايات: أغري، وموش، وبدليس، ووان، وسيرت، وباطمان، وماردين، وشرنخ، ورها، ودياربكر، والعزيز، ومرعش، وغيرها..... نهوض سيكون مدويا لن تنفع معه جميع أساليب التضليل، والتزييف، والبطش، وضرب الأكراد بعضهم ببعض، وعقد الاتفاقيات الأمنية مع الدول التي تقتسم كردستان.
ان ادعاء حماية التركمان في كركوك، المدينة الكردية باعتراف الأتراك أنفسهم - فقد جاء في قامومس الأعلام، أول موسوعة عثمانية طبعت في استانبول آواخر القرن التاسع عشر ان كركوك مدينة كردية- سيضر التركمان أنفسهم، لان ادعاء كهذا سيفقد التركمان فرصة الاندماج في المجتمع العراقي بعربه وأكراده، وسائر مكوناته القومية والدينية، من آشوريين وكلدان وشيعة وسنة وصابئة وغيرهم.
لكن العقلاء في البيت التركماني- وهم الأغلبية فيما يبدو- لايريدون لانفسهم أن يكونوا موضوعا لتجربة قبرصية اخرى فاشلة، تسلبهم حقوقا وامكانات واقعية يتمتعون بها، مقابل وعود هلامية يطلقها أركان مؤسسة مترهلة، تتداخل في ردهاتها المافيات والشبكات المشبوهة، بأسمائها وشعاراتها المتباينة، مؤسسة باتت عقبة كأداء أمام تطور الشعب التركي نفسه قبل غيره.

>> صفحة البداية <<
 copyright © amude.com [ info@amude.com ]